أن تأتي متأخرًا خيرٌ من ألا تأتي على الإطلاق. بعد أكثر من عام على تفاقم انتشار جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، حاصدة أرواح أكثر من مليونيْن ونصف مليون إنسان من أصل أكثر من 110 ملايين مصاب حتى اللحظة، تتصاعد حُمَّى توزيع لقاحات (كوفيد-19) حول العالم، ليقترب عدد الجرعات التي أُعطيَت للبشر حتى الآن من 300 مليون جرعة في الأسبوع الأول من شهر مارس/آذار من عام 2021. وما زال أمامنا أشهر طويلة ومليارات الدولارات حتى تصل اللقاحات إلى أكثر من ثلثي سكان العالم، ويصبح بإمكاننا القول بثقة إن الجائحة العالمية آخذة في الانحسار.

ومع بدء وصول جرعات اللقاح إلى مصر في الأسابيع القليلة الماضية، والشروع في إعطائها للأطقم الطبية والشرائح الأكثر خطورة من كبار السن والمصابين بالأمراض المزمنة، تصاعد الجدل في الشارع المصري حول مسألة تعاطي اللقاح، حيث عبَّر الكثيرون عن تخوفاتٍ عديدة – بعضها حقيقي، وأكثرها لا أساس له من الصحة – تجعلهم يقررون تجنب تعاطي اللقاح.

في السطور التالية سنبرز أهم الخرافات المتداولة بين المصريين حول لقاحات (كوفيد-19)، والرد العلمي عليها وفقَ ما هو متاحٌ من الدلائل العلمية المتوفِّرة حتى لحظة كتابة هذا المقال.

ماذا لدينا في مصر؟

حتى الآن، لم يصل مصر سوى التطعيم الصيني الذي تنتجه شركة سينوفارم الصينية الحكومية، والذي يحمل اسمها، وتطعيم أكسفورد-أسترا زينيكا (كوفي-شيلد) البريطاني، المُصنَّع في الهند، والذي ينتجه المعهد الهندي للمصل، المُنتِج الأكبر للقاحات في العالم.

يعتمد التطعيم الصيني على تقنية قديمة ومعروفة في إنتاج اللقاحات منذ الخمسينيات، وهي تعطيل الفيروس inactivated كيميائيًّا في المختبر، بحيث يفقد قدرته على الانقسام والتكاثر، وبالتالي لا يصبح مُعديًا، مع الحفاظ على أجزاءٍ منه قادرة على تحفيز جهاز المناعة ليكوِّن الأجسام المضادة ضده. وفي حالة كوفيد، يقوم البروتين التاجي spike protein على سطح الفيروس بهذا الدور. ورغم النتائج الجيدة للاختبارات الأولية، والتي تؤكد أن فاعليته تتراوح بين 76% و86%، فيعيبه حتى الآن، أن الشركة المنتجة لم تنشر نتائج المرحلة الثالثة من الاختبارات، والتي من المفترض أن تضم الآلاف من المتطوعين، وتزيد الثقة أكثر.

أما التطعيم الإنجليزي فيعتمد على تقنيةٍ أحدث، حيث تُحمَّل أجزاءٌ من البروتين التاجي لفيروس (كوفيد-19) على فيروس غيرٍ معدٍ، لكي يقوم بتحفيز مناعة الجسم دون وقوع إصابة حقيقية بكوفيد-19. وقد نُشرت له نتائج المرحلة الثالثة من الاختبارات، وأظهرت كفاءة تتجاوز 60% في منع الإصابة بعد الجرعة الأولى، وتصل إلى 90% مع الجرعة الثانية خلال 3 أشهر، مع كفاءة تصل إلى ما يقارب 100% في منع الإصابات المميتة.

وكلا التطعيميْن يسهل تخزينهما وتداولهما دون متطلبات تقنية عالية في التبريد والحفظ، مما يحافظ على الكفاءة أثناء التوزيع الواسع.

أهم الخرافات المصرية حول لقاحات كورونا

1. اللقاحات جميعها أُنتجت على عجل، ولا توجد معلومات كافية

بالفعل هذا حقيقي، والمعتاد أن تستغرق عملية إنتاج اللقاحات ومراجعاتها بضع سنوات. لكن في وجود جائحة عالمية تفتك بأرواح الملايين لم تملِك البشرية رفاهية ذلك الانتظار، لأنه يعني خسارة ملايين أكثر من الأرواح. لكن رغم هذا التعجل، فإن منظمة الصحة العالمية تؤكد أن هذا لم يكن على حساب السلامة، ووجود حدٍّ أدنى من الكفاءة، وأنها تتابع عن قربٍ عملية توزيع اللقاحات في كل أنحاء العالم للاطلاع على أي جديدٍ يطرأ مع الاستخدام الواسع.

2. لقاحات كوفيد-19 تُسبِّب العقم والضعف الجنسي

التسبُّب في العقم هو أول شائعة تصدر في معظم الأحيان تجاه أي جديد يَفِد على الساحة المصرية في المجالات الطبية والصحية، وتكتسب زخمًا أشد إذا اقترنت التهمة بالضعف الجنسي. بالطبع لا أساس لهذه الاتهامات من الصحة، بل إن التعرض لإصابة رئوية شديدة من (كوفيد-19) قد يسبب حدوث التليف الرئوي، الذي يضعف كفاءة الرئتيْن واللياقة البدنية للإنسان، وهو ما يمكن أن يؤثر سلبًا بالفعل على القدرة الجنسية، وعلى الصحة بوجهٍ عام.

3. اللقاح يُسبِّب تشوهات للأجنة

لا يوجد أي دليل علمي على مثل هذا، بل يمكن للحوامل خاصةً صاحبات المهن الأكثر تعرضًا للعدوى كالطواقم الطبية، أن يحصلن على اللقاح؛ لأن الحوامل من الشرائح شديدة الخطورة في التعرض للإصابات الشديدة والمميتة بفيروس (كوفيد-19). وكلا التطعيميْن الموجوديْن في مصر لا يوجد نهي قطعي عن استخدام الحوامل لهما، وإن كنا ما زلنا بحاجة لمزيد من البحث العلمي التفصيلي في تلك النقطة.

4. ستضيق عيوننا مثل الصينيين، فاللقاحات تعبث بالحمض النووي الوراثي للإنسان

أولًا، أوجه اعتذاري لكل أصحاب الأصول الآسيوية على ما يحمله هذا العنوان من تنمرٍ ظاهر. بالرغم من السذاجة الظاهرة في هذه الأسطورة حول التعطيمات، وكونها أقرب للمزاح السمج، فإنها تلقى صدًى لدى بعض الشرائح على خلفية أن اللقاحات تعبث بالحمض النووي. وكما شرحنا سابقًا، فاللقاحات الموجودة لا علاقة لها بالمادة الوراثية في خلايانا، هي فقط تُحفِّز خلايا مناعتنا على إنتاج أجسامٍ مضادة للفيروس، بطريقةٍ مماثلة لما يحدث بشكلٍ طبيعي لدى غالبية الأصحاء عندما يصابون بالفيروس.

أما تطعيما فايزر وموديرنا الأمريكيان -غير متوافرين بمصر حتى اللحظة- فيعتمدان على تقنية الحمض النووي الرسولي mRNA، وهذا الحمض لا يُعدِّل في جيناتنا، إنما فقط يُحفِّز الخلايا على إنتاج بروتين شبيه بالبروتين التاجي لفيروس (كوفيد-19)، ومن ثَمَّ تهاجم المناعة هذا البروتين، وتنتج الأجسام المضادة. لكن لا تعديل جوهريًّا في بنيتنا الوراثية مطلقًا.

5. اللقاح غير مُجدٍ، وتأثيره مؤقت وضعيف

سنضرب هنا المثل بإنجلترا، ليتضح عمليًّا مدى جدوى اللقاحات. حملة اللقاحات البريطانية تسير على قدمٍ وساق منذ ديسمبر/كانون الأول 2020، وقد تجاوز عدد الجرعات حتى الآن 22 مليونًا، مما يجعلها ثالث أكفأ حملة بالنسبة لعدد السكان بعد «إسرائيل» والإمارات.

في يناير/كانون الثاني الماضي، وفي ذروة الموجة الحالية من الجائحة، اقترب عدد الإصابات اليومية هناك من 70 ألف إصابة، والوفيات تجاوزت 1800 في بعض الأيام. لكن منذ أواخر يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط، انكسرت الأرقام كثيرًا، ومع مطلع مارس/آذار الحالي هبطت تلك الأرقام إلى أقل من العُشر. بالطبع لا يُعزى هذا فقط للقاحات، إنما أيضًا لإجراءات العزل والإغلاق المتزامنة معها. ولا ننسى أن اللقاح لكي يكسر الجائحة بفاعلية فلا بد أن تصل نسبة المتعاطين لأكثر من ثلثي المواطنين، لتحقيق مفهوم مناعة القطيع.

بالمقارنة بدولةٍ أوروبية أخرى كفرنسا، والتي بالكاد تجاوزت جرعات اللقاحات فيها 5 ملايين جرعة، فإن أرقام الوفيات والإصابات اليومية فيها ما تزال مرتفعة، وعلى نفس متوسطات ديسمبر/كانون الأول ويناير/كانون الثاني، رغم الإجراءات الاحترازية والإغلاق الجزئي.

ذكرت بعض الدراسات أن المصابين بعدوى (كوفيد-19) يظل لديهم درجة من المناعة ضد تكرار الإصابة لحوالي 6 أشهر، وبالتالي فلدينا شواهد أن التطعيمات قادرة على تحقيق ذلك الهدف أو أقل أو أكثر قليلًا.

ثم لا ننسى أن تطعيمات الفيروسات التنفسية عمومًا لا تعطي مناعة كاملة طوال العمر، نظرًا لقدرة تلك الفيروسات على التحوُّر، ومن المعتاد في لقاح الإنفلوانزا مثلًا، تجديده بشكلٍ سنوي. وعمومًا، فالأهم هو منع التعرض للإصابة المتوسطة والشديدة، وتقليل فرص حدوث الوفاة نتيجتها. وهذا تحققه اللقاحات الحالية بكفاءة كبيرة.

6. الكثير من الناس تعرَّضوا لمضاعفاتٍ خطيرة بعد أخذ التطعيم

حتى اللحظة، ورغم توزيع عشرات الملايين من جرعات اللقاح، لم تُسجَّل مضاعفات شديدة الخطورة على نسبةٍ تُذكر من المتعاطين. لكن ما يحدث فعلًا في حالاتٍ كثيرة هو أعراض محدودة تشبه إصابةً خفيفة بالفيروس، كارتفاعٍ مؤقت في درجة الحرارة، وآلام في الجسم لبضعة أيام، وتختفي جميعها مع الراحة والمسكنات المعتادة.

7. سآخذ التطعيم ثم أخلع الكمامة اللعينة فورًا وللأبد

يؤسفني أن أفسد تلك الآمال العريضة لي ولكم، وأؤكد أن الكمامة ستظل جزءًا من نمط حياتنا لفترةٍ أطول. بدايةً، يحتاج اللقاح إلى أسبوعين على الأقل حتى يبدأ الجسم في إنتاج الأجسام المضادة بفاعلية، ومع مرور الأيام، تزداد المناعة قوةً بفعل اللقاح. إذًا، فنظريًّا يمكن أن يصاب الشخص بالعدوى في الأيام الأولى بعد اللقاح.

كذلك، لا دليل لدينا حتى اللحظة يؤكد أن اللقاحات تمنع انتشار العدوى من الشخص الحاصل على اللقاح، ما لدينا أنها تمنع أو تقلل شدة العدوى للشخص نفسه، لكن لا تأكيد أنه لن يكون مصدرًا لنقل العدوى لغيره دون أن يظهر عليه، كما يحدث في الإصابات الخفيفة التي تمر بدون أعراض على الشخص، بينما قد تنتقل منه إلى آخرين أكثر عرضة للضرر.

إذًا، فتعاطي اللقاح لا يعني التخلي عن الحفاظ على أنفسنا والآخرين، إنما يعزز من كفاءة هذه الإجراءات ويكمِّلها، وهي تكمِّله.

8. لقد أصبت بالعدوى، إذًا لا حاجة بي إلى اللقاح

حتى اللحظة، لا يوجد أدلة قاطعة حول مدة الحماية من العدوى المتكررة بعد الإصابة بالعدوى للمرة الأولى، والراجح لدينا أن تلك الحماية لا تزيد على بضعة أشهر. ولذا، فالهيئات الطبية الكبرى حول العالم تنصح بتعاطي لقاح (كوفيد-19) حتى لمن سبق أن أصيبوا بالعدوى.

أضِف إلى ذلك أن في مصر نسبة قليلة ممن أصيبوا بالأعراض الشبيهة لكوفيد-19، هم من أُجريَت لهم المسحات التشخيصية المؤكدة للإصابة بعدوى (كوفيد-19)، ودقة اختبارات الأجسام المضادة في تأكيد وقوع الإصابة محدودة. إذًا ففي معظم الحالات لا تأكيد من الأساس لوجود إصابة سابقة بالفيروس.

تجربة شخصية

التجارب الشخصية هي أقل درجات الدليل العلمي كما هو معروف، لكن يمكن الاستئناس بها، بالأخص في الظروف المحيطة بنا حاليًّا، والتي تفيض بالشك.

حصلتُ على الجرعة الأولى من تطعيم «كوفي-شيلد» صباح الخميس 25 فبراير/شباط 2021. ارتفعت درجة حرارتي إلى 38.5 مساء هذا اليوم، وعدة مرات في اليوم التالي، مع الشعور بالإرهاق وآلام متفرقة في الجسم، وكانت الأعراض تتحسن مع المسكنات المعتادة. وابتداءً من السبت أخذت الأعراض في الانحسار مع التزامي الراحة، ثم زالت تمامًا منذ مساء الأحد. وبالمقارنة بزملائي الذين حصلوا على نفس الجرعة في ذلك اليوم، تُعتبر أعراضي الجانبية هي الأشد، لكنها بالطبع لحسن الحظ أقل كثيرًا من أعراض الأدوار متوسطة بل خفيفة الشدة من الإصابة بكوفيد-19، والتي عانى منها بعض من هم في سني من زملاء المهنة.

وعمومًا، مع حصول المئات من العاملين في المؤسسة الطبية التي أعمل فيها على جرعة أو جرعتيْن من تطعيم «سينوفارم»، أو الجرعة الأولى من «كوفي-شيلد»، لم تُسجَّل أي حالة لمضاعفاتٍ شديدة من جرَّاء تعاطي اللقاح حتى اللحظة. في المقابل فقدنا خلال تلك الجائحة أرواح بعض الزملاء الأعزاء نتيجة الإصابة بكوفيد-19، واحتبست أنفاسنا قلقًا على آخرين اضطرتهم الإصابة للحجز بمستشفى العزل، حتى تحسَّنوا بحمد الله.

الخلاصة

  • نظريًّا وعمليًّا، عدوى (كوفيد-19) أخطر كثيرًا من التخوفات حول لقاحاته.
  • خذ أي نوعٍ من اللقاح يُتاح لك، فهذا أفضل كثيرًا على ميزان الفائدة والضرر، لا سيَّما أصحاب المهن الطبية.
  • الأفضل أن يتبع تعاطيك جرعة اللقاح يومان على الأقل من الراحة تحسبًا لحدوث أعراضٍ جانبية كالحُمَّى وتكسير الجسم والإرهاق الشديد.
  • أخذ اللقاح لا يعني التوقف كليًّا عن الإجراءات الوقائية، مثل أخذ المسافة الآمنة، وارتداء الكمامات، لا سيَّما أصحاب الظروف شديدة الخطورة للتعرض للعدوى، مثل الأطقم الطبية، وكبار السن المصابين بأمراض مزمنة… إلخ.