إذا كنت تخطط لأن تصبح من رواد الفضاء أو من علماء الفلك أو من باحثي علوم الحياة الفضائية، سيفيدك كثيرًا أن تعلم مخططات وكالة الفضاء الأمريكية ناسا للفترة القادمة عسى أن تشارك في جزء منها. تسعى ناسا لربط معرفتنا الفلكية ببعضها عن طريق سد الفراغات بين أبحاثها ومهامها المتعددة وعلى هذا الأساس قامت باختيار ست مهام بحثية جديدة ضمن برنامج «اكسبلورر Explorer» سيقوم كل منها بتغطية منطقة مجهولة في خلفيتنا المعرفية.

منذ أواخر خمسينات القرن الماضي واكسبلورر تقوم بإرسال المهمات خارج الكوكب لتمكننا من مراقبة الكواكب وأقمارها بل والشمس أيضا عن كثب. منذ إطلاق القمر الصناعي اكسبلورر 1 والمهمات تتوالى إلى الفضاء لجمع كل المعلومات اللازمة لفهم المجموعة الشمسية بشكل أوضح ومن ثم النظر أبعد وأبعد.

تنقسم فئات المهام الفضائية للبرنامج الأطول عمرا لوكالة الفضاء الأمريكية إلى مهام متوسطة medium-class وهي تلك التي تتراوح تكلفتها الإجمالية بين 180 و200 مليون دولار ومن هذه الفئة اختارت ناسا ثلاث مهمات جديدة، ومهام صغيرة small وهي تلك المهمات التي لا تتعدى تكلفتها إجمالا 120 مليون دولار، ومهام جامعية university-class ذات ميزانية حوالي 15 مليون دولار، وأخيرا المهام الواعدة missions of opportunity والتي تشارك فيها ناسا مع مؤسسات بحثية أخرى وتسهم فيها بناسا بما لا يزيد على 55 مليون دولار، ومن هذه الفئة الأخيرة تأتي المهام الثلاثة الأخرى الجديدة.

أي من هذه المهام الستة سيكون المسئول عن تغيير معتقد راسخ –وخاطئ-لدينا بخصوص الكون المحيط بنا أو سيقوم بإثبات نظرية علمية رائعة تفتقر لدليل عملي؟ لا يمكن الجزم الآن إلا أن لبرنامج اكسبلورر تاريخا طويلا من تصحيح معتقداتنا المغلوطة بشأن الفضاء وأجسامه والمساهمة في توضيح ما نعرفه بالفعل. فيما يلي سنلقي نظرة على أفكار المشروعات الستة.


أركوس Arcus – كيف ولدت الأشياء؟

تستخدم هذه المهمة تقنية مطياف الأشعة السينية X-ray spectroscopy عالي الدقة للبحث في تفاعل النجوم وبعضها والمجرات وتكتلات المجرات مع بعضها البعض عند الحدود الفاصلة بينهم كما سيقوم بفحص المواد الموجودة عند أطراف المجرات لكشف المزيد عنها.

سيبحث أركوس أيضا في الفراغ بين النجوم وما يحتويه على غبار ومكونات هذا الغبار ليأتي بمعلومات أعمق حول تفاصيل عملية تكون النجوم وميلادها وتطورها كما سيقوم بدراسة دورة الباريونات المجرية Baryon cycle أي دخول الغازات في عملية تكوين النجوم في المجرات ثم لفظ النجوم لها مرة أخرى لتقوم بتكوين جيل تال من النجوم. الأمر الذي يؤثر بشكل جذري في تكوين المجرات.


مطياف الأشعة تحت الحمراء السريع للكواكب الخارجية FINESSE: مهمة استقصائية

سيطرت أخبار اكتشاف كواكب جديدة – الكثير منها شبيه بالأرض- على اهتمام الباحثين مؤخرا من مختلف التخصصات البحثية. تعد مهمة فاينيس الأولى من نوعها فلأول مرة يتم توجيه مطياف نحو هذه العوالم المكتشفة حديثا لجمع معلومات حول مكونات أغلفتها الجوية ومكونات سطوحها.

سيقوم فاينيس بمقارنة ضوء النجوم المباشر مع ضوئها عند مرور الكواكب أمامها. تلك المقارنة التي ستعطي معلومات حول امتصاص أغلفة الكواكب الضوئية ويمكن ترجمتها لمعلومات جزيئية تعطينا تركيب هذه الأغلفة الكيميائي. من يعلم؟ ربما وجدنا كوكبا من الخمسمائة كوكب المقصودين بالدراسة يحمل غلافه الجوي نسبة أكسجين تدعم حياة شبيهة بنا. يقوم مختبر الدفع النفاث بالإشراف على هذه الدراسة.


مطياف تاريخ الكون SPHEREx: عصر إعادة التأين

المشروع الثالث من المهام المتوسطة سيقوم بمسح السماء بأشعة تحت حمراء ذات أطوال موجية تتراوح بين 700 و2500 نانومتر. سيحاول هذا المشروع الكشف عن الكيفية التي تكون بها هياكل المجرات من مجرد كتلة من المادة الموحدة إلى تكوينات متباينة.

يعتمد البحث على البحث عن تفاصيل تخص عصر إعادة التأين وهو الفترة الزمنية التي كانت المادة فيها متعادلة الشحنة بعد أن تكونت أوائل الذرات وسيطر التعادل على المسرح الكوني، ثم عادت للتأين مرة أخرى بسبب الفوتونات التي انبعثت من أول مصادر للضوء من نجوم ومجرات وأشباه نجوم Quasars وغيرها من الأجسام المسئولة عن انبعاث الأضواء الأولى في الكون متسببة في تأين المواد المتعادلة.

أما المهام الواعدة فهي:


مطياف كومتون واكسبلورر ايمجر COSI-X: تيليسكوب على بالون

تتعلق مهمة هذا المطياف المعلق على بالون فائق الانضغاط – ثابت الحجم بشكل كبير مع تغير درجة الحرارة-بالتقاط وقياس أشعة جاما الناتجة عن تلاشي البوزيترونات لوضع خريطة للمادة المضادة المتواجدة حول مركز مجرتنا درب التبانة بالإضافة لقياس انبعاثات أشعة جاما الشديدة من أماكن أخرى حول المجرة كالنجوم النابضة مثلا.


مراقب فيزياء الفلك للأحداث العابرة ISS-TAO: مهمة في محطة الفضاء الدولية

ما زلنا مع الأشعة السينية ولكن هذه المرة ستقوم المهمة بمراقبة مجموعة من الأحداث العابرة – التي تستمر لمدد قصيرة للغاية بالنسبة للكون تتراوح من ثوان إلى أيام – كل عام. تتركز المهمة على مراقبة الموجات الثقالية الناشئة من أحداث كاندماج نجمين نيوترونين أو نجم نيوتروني مع ثقب أسود أو انفجار سوبر نوفا وذلك بواسطة التقاط أشعة أكس المصاحبة لهذه الموجات.


وأخيرًا ليس آخرًا.. مطياف اّرييل للكواكب الخارجية

تمثل هذه المهمة شراكة بين وكالة ناسا و وكالة الفضاء الأوروبية ESA. تقوم الأخيرة بدراسة ثلاثة مشاريع في الفترة الحالية من بينها مطياف اّرييل والذي ما إذا تمت الموافقة على تنفيذه فإنها ستتلقى دعم ناسا فيما يخص مكشافات detectors أجهزة استشعار المطياف المستخدم الذي يعمل في منطقة الأشعة تحت الحمراء والطامح أيضا لمعرفة التركيب الكيميائي والمنظومة الحرارية للكواكب خارج نظامنا الشمسي.

إذا ما تمت الموافقة على المهمة، ستراقب اّرييل أيضا العمليات الكيميائية المستمرة على أسطح هذه الكواكب ومكونات الغلاف الجزي الثانوي – أي الذي تكون بواسطة أحداث على سطح الكوكب وليس خلال تكوينه-مما سيعطي معلومات أكثر عمقا عن الأوضاع على سطح هذه الكواكب البعيدة.

كانت تلك هي المهام التي اختارتها ناسا كأكثر المرشحين للنجاح في أهدافهم. كل من هذه المهمات ستكون مسئولة عن إلقاء الضوء على زاوية من الكون لا نعلم عنها الكثير. ويبقى رجاء الجميع أن تتحد كل هذه البيانات لاعطائنا صورة أكثر وضوحا عن أكثر معالم هذا الكون غرابة. أو ربما ستزيده غرابة في أعيننا.