ذاع في الفترة الأخيرة خبر تكريم الفنانة «ليلى علوي» بافتتاح مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الثلاثين، حيث يتمتع هذا المهرجان على مستوى فعالياته باستضافة عروض دولية، الأجنبية منها والعربية، بين بلدان عدة كإيطاليا، جورجيا، ألمانيا، بلجيكا، زامبيا، اليونان فرنسا، أرمينيا، وكذلك السعودية، الكويت، الإمارات، فلسطين، الجزائر، ومصر بالتأكيد، كما أن ذلك المهرجان يعتبر متخصصًا لدرجة كبيرة ليس فقط لكونه مسرحيًّا بل لكونه تجريبيًّا، حيث طبيعة العروض المشاركة التي تهتم في كثير من الأحيان بالثورة على القوالب والكلاسيكيات إما بهدمها أو بمزجها أو بشأن تجربة جديدة لا تعتمد أسلوبًا تقليديًّا إلى حد ما. ولكل فريق رؤيته الخاصة لمصطلح التجريب الذي لم يعرف تعريفًا قاطعًا مانعًا بعد في المعاجم والقواميس الأكاديمية.

فور إعلان خبر تكريم علوي بجانب مجموعة من متخصصي المسرح كالمخرج المسرحي ناصر عبد المنعم، خالد جلال، وكذلك مهندس الديكور حازم شبل، والناقد الدكتور جلال حافظ، تعرض المهرجان وإدارته لعديد من الانتقادات، وتقدمت الفنانة باعتذار عن التكريم، موضحة انشغالها في الفترة الحالية، معتذرة عن حضور الحفل بلباقة معهودة منها.

الكريم شانتيه

ليطرح السؤال الأول، لماذا اختار المهرجان أن يكرم الفنانة ليلى علوي، رغم أنها لا تمتلك تاريخًا مسرحيًّا كبيرًا؟ وفي حقيقة الأمر فقد طُرح ذلك التساؤل على رئيس المهرجان الدكتور سامح مهران في أكثر من صحيفة، فأجاب مازحًا أنها ستكون «كريم شانتيه المهرجان»، ثم موضحًا أن اسمها مطروح للدعاية، ليأتي السؤال التالي، هل المهرجان يحتاج لمثل هذه الحيل الدعائية، باستخدام أسماء شخصيات شهيرة تبتعد عن دائرة متخصصي المسرح كي يُحدث رواجًا؟

تردد دائمًا نغمة أنه لم يعد هناك مسرح في مصر، وهي جملة ملتبسة بعض الشيء، فمن حيث الوجود، فالمسرح المصري موجود بقوة إنتاج غير معهودة بخاصة في العامين الأخيرين، بين إنتاجات قطاع البيت الفني، وقصور الثقافة، والطلبة والمستقلين، وغيرها.

لكنه يبقى إلى يومنا هذا حبيس دائرة التخصص، لذا فالسعي نحو وصوله للجمهور غير المتخصص أمر حتمي حتى تختفي تلك النغمة تدريجيًّا، وقبل تفسير تلك الحيلة الدعائية، دعونا ننظر فيما حدث بالمهرجان المسرحي السابق له وهو «المهرجان القومي للمسرح المصري»، والذي يعد واحدًا من أهم وأكبر المهرجانات المسرحية بمصر، افتتحت دورته السادسة عشرة في يوم السابع والعشرين من شهر يوليو الماضي، واستمرت فعاليتها على مدى أسبوعين وحتى يوم الرابع عشر من أغسطس لهذا العام، بداية حملت الدورة اسم الفنان المصري الكبير الزعيم عادل إمام، وهي الدورة الأولى التي يرأسها الفنان والممثل محمد رياض، تساءل الكثيرون أيضًا حول أسباب حمل الدورة لاسم إمام دون غيره، بخاصة أن باعه في قطاع مسرح الدولة لا يذكر بجانب تاريخه في قطاعات المسرح الخاص، ومنها لأجوبة كثيرة عن أهمية ذلك الفنان العظيم، محاولة تبرير اختياره، لكنها كانت علامة ممهدة ومؤشرًا لما ستتبعه هذه الدورة من نهج جديد عن كل ما سبقها من دورات.

لماذا عادل إمام؟

بوستر تكريم الفنان عادل إمام من مهرجان المسرح المصري

إجابات كثيرة من القائمين على المهرجان تبرهن عن مدى الحب والوفاء لذلك الزعيم وإهداء الدورة باسمه، بالفعل وإحقاقًا للحق تاريخ عادل إمام السينمائي أكبر بكثير من تاريخه الدرامي والمسرحي، والأولى باسمه هي المهرجانات السينمائية، لكن، أولًا هذا لا ينفي أن القطاع الخاص جزء لا يتجزأ من تاريخ المسرح المصري، بل هو المؤرشف والموجود دائمًا وأبدًا على شاشات التلفزيون المصري، ومنها يتضح وعي رئيس المهرجان بمدى ابتعاد الجماهير غير المتخصصة ليتخذ تاريخ ذلك القطاع الخاص ويجعله اسمًا يتصدر دورته الأولى في منصبه الجديد، وهذا يحسب له أولًا لأنه هو بذاته خارج إطار تلك الدائرة المسرحية بشكل فعلي منذ سنوات، ومن يحيا بخارجها ربما يكون قادرًا على رؤية الأشياء بشكل أكثر سعة، وبالطبع إذا شاهد أو سمع أي من الجماهير اسم عادل إمام فسيكون عنصر جذب قوي للذهاب حتى ولو لم يكن يتردد على المسرح من قبل، وملخص القول هو الوعي التام بتاريخ عادل إمام المسرحي وحدوده، واكتساب لجذب جماهيري، وهذا لم يكن عيب مطلقًا، بل طريقة تسويقية مشروعة. لذا حاول المهرجان التجريبي أن يسير على نفس الخطى بطرح اسم ليلى علوي ضمن قائمة المكرمين، بل ربما كان هناك وعيًا أكبر باحتمالية رفضها للجائزة أو اعتذارها عنها بعد إعلان كونها كريم شانتيه وأسلوبًا دعائيًّا، ليتحقق المراد في كل من الحالتين رغم عدم التوفيق في التحدث عن نجمة بحجمها، لكن الغرض هو تداول الصحف والأخبار والبرامج ذلك الاعتذار، وبالتبعية يتردد اسم المهرجان وتتحقق الدعاية دون صرف مبالغ مادية كبيرة في ذلك.

المهرجان القومي على طريقة جعفر العمدة

ليست أسماء النجوم وحدها هي ما جاء في خطة الترويج الدعائي، بل علم واضح بآليات تصدر الترند لم يكن معهودًا من قبل، وظهر ذلك بقوة في المهرجان القومي للمسرح، حيث العمل على فكرة تصدير صورة واحدة تتردد ليصدقها الجميع، ليست زيفًا وليست حقيقة كاملة، وفي واقع الأمر هذا لا يهم، حيث يقوم دائمًا «الترند» على ذلك المنوال، بتصدير فكرة معينة ثم كثرة ترديدها لتصبح حقيقة مطلقة، ودون الإمعان في التشبيه، لكن ربما نجاح مسلسل جعفر العمدة رمضان الماضي قام بالأساس على الطريقة نفسها، التي تجعل المتلقي يستشعر أنه الوحيد الذي لم يشاهد المسلسل فيدخل لمشاهدته ويتورط في أحداثه وينجذب لها، لأن شأنه شأن أي عمل يقوم على حبكة وصراع جذاب ومشوق، فتتصدر الصورة كاملة بأنه الأعلى مشاهدة والأكثر جودة، ينظر فيه بعد ذلك بأنه لم يكن الأكثر جودة، لكن تربح لعبة الترند بامتياز، لأنها حيلة تسويقية ذكية، اتبع رياض وفريقه في المهرجان شيئًا من هذا القبيل – مع التأكيد المستمر أنه لأمر حسن الوعي بآليات التسويق واستغلالها لتحقيق النجاحات – أن يصدر فكرة أنه سيجذب جمهور الشارع العادي غير المتخصص للمهرجان، ترددت النغمة كثيرًا حتى أصبحت حقيقة مسلمًا بها، وسوف تظل تُذكر في تاريخ المهرجان، حتى إن لم تتحقق بالفعل كما هي بحذافيرها.

جاء افتتاح المهرجان القومي مهتمًّا بالشق السينمائي أكثر من المسرحي أيضًا على مستوى تخاذل العرض الافتتاحي في مقابل أن يصعد للخشبة العديد من المكرمين ذوي الأسماء اللامعة والرنانة، لهم تاريخ بالمسرح، من الممكن أن يكون قليلًا لكنه موجود، لكن بالأساس هم ممثلون مشاهير شهرة جيدة داخل الحيز التليفزيوني والسينمائي، شهرة تسمح بتناقل أخبارهم وفيديوهاتهم على مواقع التواصل وبين الجرائد والمواقع غير المسرحية، مثل: صلاح عبد الله، رياض الخولي، رشدي الشامي، محمد أبو داود، أحمد فؤاد سليم، سامي عبد الحليم، محمد محمود، وخالد الصاوي، وذلك بجانب مهندسة الديكور نهى برادة التي قدمت أيضًا – وسنذكر هنا ما قدمته ليس لرصد أعمالها فقط بل لتوضيح أن أعمالها شهيرة أيضًا ومحفوظة من قِبل الجماهير العامة بسبب كثرة تقديمها على الشاشات – مسرحيات مثل: شارع محمد علي، ريا وسكينة.

بجانب الجزء الأخير من الحفل وفقرة الموسيقار الكبير – وهنا يتضح كم الأسماء الشهيرة في حفل واحد – هاني شنودة، الذي قام بتقديم مقطوعاته الموسيقية الشهيرة التي أعدها لعادل إمام في السينما، وللسؤال عن علاقة مقطوعات الأفلام بالمهرجان المسرحي انظر جميع ما سبق لتجد الإجابة.

وجهك مألوف للعامة .. إذن تستحق الدعوة والتكريم

بدأت مؤشرات ليلة الافتتاح في الظهور عند علم الكثير من المسرحيين أن الحصول على دعوة لحضور حفل الافتتاح لهو أمر صعب، ثم بتقسيم الدخول بين الحاضرين بين المهم فالأهم فالأقل، لم تكن مثل تلك الطقوس موجودة من قبل، وكذلك السجادة الحمراء وتخصيص أماكن للصحفيين، وأماكن لمرور الممثلين، في حالة تشبه كثيرًا مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، من حيث تنظيم الدخول وفئات الدعوات وأماكن الدخول والجلوس، حيث اهتم رئيس المهرجان بدعوة ممثلين بجانب المكرمين، ليكون هناك زخم من الوشوش الشهيرة التي سوف تتبادلها مواقع التواصل، ومنها للربط بين تصدير الفكرة المذكورة سلفًا وحضور النجوم والإلمام بماهيات السوشيال ميديا الخارجة عن حدود صفحة المهرجان والتطبيق الخاص بالمهرجان وما إلى ذلك من تفاصيل باتت لسنوات حبيسة دائرة التخصص، كل ذلك يسير على نحو تصدير الصورة وليس التحقيق الفعلي، وهو جزء لا يتجزأ من النجاح ولكنه ليس النجاح كله، مهم وما يليه مهم أيضًا ويكمله.

فستان نرمين الفقي وتصريحات هند عاكف

على سبيل المثال الاهتمام بدعوة الممثلة «هند عاكف» حيث الوعي التام بكل ما تثيره من كلمات سوف تلتقط لها في لقاءات تليفزيونية لتصبح ترندًا ومحط اهتمام وسخرية الكثير عليها من قِبل أبناء السوشيال ميديا – مع وجوب الذكر أن السخرية والمميز جزء أصيل من لعبة الترند – بجانب وجوه أخرى أكثر رزانة وقربًا للجماهير مثل نرمين الفقي وما ترتديه من فساتين مميزة ورشاقة معهودة، ليحدث أن هناك برامج تتداول حضور هند عاكف بواقع ساخر، مع تداول صفحات كبيرة أنباءً عن مدى رشاقة وجمال نرمين الفقي، بجانب نجوم آخرين تتميز لقطاتهم بأبعاد أخرى، كالحب الذي تقدم به أحمد السعدني لصلاح عبد الله أثناء تقديمه الجائزة له، ليحدث التوازن داخل إطار مواقع التواصل، شأنه شأن أي مهرجان آخر، بين اهتمام بفساتين البعض، وصنع «الميمز» على البعض، والاهتمام باللقطات الإنسانية والفنية لبعض آخر، ومنها يحقق شهرة أوسع بالمشاركات والتعليقات المحببة منها والسخيفة أيضًا. وهذا هو عرف ذلك العالم.

لم ينتهِ المشهد حد وضع أسماء لامعة في الصدارة كعناصر جذب بين المدعوين واسم الدورة، بل داخل لجان التحكيم أيضًا، مثل أشرف عبد الغفور، مجدي كامل، وهي اختيارات لفنانين مسرحيين بالأساس، لكن أسماءهم لم تكن غائبة عن ذهن كل الجماهير، ولم تكن حبيسة دائرة المتخصص فقط، ليحدث توازن آخر بين أساتذة ودكاترة متخصصين لم تنل أسماؤهم شهرة جماهيرية، بينما تتصدر تلك الأسماء الشهيرة مواقع التواصل، فيتحقق المراد، وأخيرًا لحظة إعلان رياض في الختام أن الدورة القادمة ستحمل اسم سيدة المسرح «سميحة أيوب»، وهو نفس الخط، فهي اسم لامع بين كل الوسائط، والاسم الأكثر شهرة جماهيرية وارتباطًا بالمسرح، وذلك بخلاف الاستحقاق والجدارة بلا شك أن تحمل دورة مهرجان مسرحي مصري اسمها، لكننا الآن بصدد رصد التجربة التسويقية من كل جوانبها. واستهداف الأسماء الرنانة.

جائزة الأفضل تذهب للنجم

من مسرحية سيدتي أنا، بطولة داليا البحيري- نضال الشافعي

اتبعت حفلات ختام كل من المهرجانين الطريقة نفسها، حيث حفل ختام المهرجان القومي وإعلان الجوائز الذي ذهبت فيه جائزة أفضل عرض لمسرحية «سيدتي أنا» وأبطالها هم (داليا البحيري – نضال الشافعي)، فهي لم تكن الأفضل، لكنها هي ما تمتلك أسماء ذات شهرة أوسع، ثم أوبريت غنائي تقديم كورال روح الشرق عبارة عن أغنيات من مسرحيات أغلبها للقطاع الخاص، شهيرة يحفظها الغالبية عن ظهر قلب بين (مدرسة المشاغبين، هالة حبيبتي، عشان خاطر عيونك، سيدتي الجميلة …).

تشارلي وحميدة في التجريبي

الملصق الدعائي لمسرحية تشارلي شابلن

وكذلك حفل افتتاح مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، الذي قدم عرض «تشارلي» من تأليف «مدحت العدل» وإخراج «أحمد البوهي» وبطولة «محمد فهيم»، والتي عرضت قبل المهرجان بمدة طويلة بين مصر والسعودية عدة مرات، وحققت ناجحًا جماهيريًّا وشهرة واسعة، ورغم أنه عرض مسرحي بسيط من حيث الفنيات وطريقة تلقيها التي لا تحمل أي سمات محاولة كسر القواعد «كشأن ماهية التجريب»، بل ملتزمة في كثير من تفاصيلها بالقواعد التقليدية وخاصة على مستوى الإخراج، لكنه مكلف إنتاجيًّا، ومشهور.

وكذلك حفل الختام للمهرجان نفسه الذي أقام دعايته على اسم الفنان «محمود حميدة» كعنصر جذب، وبالنظر للعرض فهو لم يكن عرضًا قويًّا متماسكًا، بل هو قصاصات لا معنى لها، بين أن الفنان الكبير يظهر كمخرج مسرحي على الخشبة، يتحرك بكثرة طالبًا إضاءة وديكورات ممثلًا لمشهد من مسرحية «بيت الدمية» لـ «هنريك إيبسن» لا مبرر لوجودها، ولا ثيمة تحكم العرض، سوى تواجد النجم المحبوب المشهور على الخشبة.

نال المهرجانين الكثير من التعليقات المعترضة على تلك الآلية غير المنصفة للفنيات والمواهب في مقابل الاهتمام بالشكل الظاهري ورغم الأحقية في ذلك، فإن هناك بوادر وعي بالخروج من المعزل الذي عاش فيه المسرح لسنوات، وهذا في ذاته وعي يستحق التأمل والدراسة، حيث تلك الآلية التي كانت غائبة عنهم سنوات عديدة، إذن أصبح هناك قدرة على فهم أنه يوجد شقان داخل تلك اللعبة (فني – دعائي) وترقية الاهتمام بالشق الدعائي بجميع أساليبه هذا العام، تتساوى مع محاولات الاهتمام بالفنيات وعالم المسرحيين فقط كل الأعوام السابقة، أي يعتبر هذا العام محاولة تطبيق رؤية جديدة، ولا بد عند وجود رؤى جديدة أن يطغى عنصر على الآخر، وربما سيستمر ذلك عدة دورات مقبلة، حتى يأتي دور تحقيق التوازن.

لذا أُفضل وضع هذه الدورات موضع «كبش الفداء» التي لم تنصف المسرحيين وحدهم على حساب تحقيق مكاسب ستعود عليهم في المستقبل، إذا كانت تلك هي الخطة والرؤية بالفعل.

وأعتقد أن من فعل مثل تلك الحيل الذكية سيكون واعيًا بمتى سيحقق التوازن ويحدد الماهية الجديدة، ويبتكر دائمًا حيلًا أخرى مناسبة لطبيعة الدورة والوقت ونقطة الوصول، حتى لا يُسلب المهرجان المسرحي هويته المسرحية كاملة. وحتى لا يعود كليًّا داخل دوائره المغلقة مرة أخرى. وهذا سيحدث عن إدراك وفهم وقياس ما تحقق بالفعل، وما أردنا أن نصدره من صورة تبدو متحققة. مع دراسة أهمية كل جزء داخل اللعبة وحدود تأثيره في وقته. أي هي رؤية وردية بعض الشيء تسعد بظهور مثل تلك الأفكار من الأساس داخل حيز المسرحيين، مستشرفة الأمل فيما هو قادم.