الصخور هي المثال الأفضل عن المادة غير المتحركة، فهي تجلس هناك بلا حراك، إلا عند دفعها. لكن ماذا لو كانت بعض الصخور/المعادن تحمل في طياتها بعض الحياة؟

أمضى الكيميائي «جراهام كارينز سميث» معظم حياته المهنية مدافعًا عن فكرة متطرفةٍ بسيطة: الحياة لم تبدأ مع الجزيئات العضوية كالدنا DNA (الحمض النووي الريبي المنقوص الأوكسجين) بل مع البلورات البسيطة. والآن بعد خمسين سنةً من طرح كارينز سميث لفكرته، لا تزال هذه الفكرة موضع جدلٍ كبير، بين مؤيد أو مستهتر بل ومسفهٍ لهذه الفكرة. الآن في عمر 85 سنة، يسكن كيرنز سميث في غلاسكو، ويعاني من نوعٍ من أنواع باركنسون؛ مما أدى لإعاقة حركته لكنه لم يعق دماغه أو محبته للعلم والمعرفة. ورغم أن معظم الناس يعرفونه بسبب نظرياته حول بداية الحياة، فإن شغفه الحقيقي كان الرسم.

نجح كارينز سميث كرسام، لكنه قرر وضع العلم في المرتبة الأولى، وجعل كل تركيزه على دراسته العلمية؛ لأن ذلك في النهاية هو ما سيضع الطعام على طاولة عائلته. ولم يبدِ كارينز سميث أي نوعٍ من أنواع الندم على هذا الاختيار، فقد زين بعض كتبه العلمية برسومه أيضًا.

أضحت مشكلة بداية الحياة هم كارينز سميث الأول، وخلال دراسته الكيمياء العضوية، فهم كارينز سميث أن جزيئات الحياة الرئيسية، الحمض النووي والبروتينات، معقدة وهشة للغاية، فكيف يمكن لمثل هذه الجزيئات أن تظهر هكذا على الأرض؟، ما زال هذا السؤال يحير العلماء حتى اليوم. في دراسة نشرت في 1953، في نفس العام الذي تم فيه اكتشاف بنية جزيء الدنا، قام عالم الكيمياء الحيوية ستانلي ميلر بتحفيز شرارة كهربائية خلال مزيج من الغازات والسوائل مثل تلك التي كانت موجودة على الأرض القديمة، أدت تلك الشرارة لتكوّن الحموض الأمينية، القطع الأساسية التي إذا ما جُمعت معًا تُشكل البروتينات. لكن بالنسبة لكارينز سميث، فقد أثارت هذه التجربة أسئلةً أكثر من تلك التي أجابت عليها.


الدنا والطين

أوجدت التجربة الحموض النووية، لكنها لم تفسر كيفية تجمع هذه الحموض وغيرها من الجزيئات الرئيسية لتشكيل الدنا والمركبات الضرورية للحياة البشرية.

يمكنك أن تجد المركبات البسيطة في تجربة ميلر، لكن إيجاد النيكليوتديات هو أمر صعب حقًا!، وكلما زاد تعقيد الجزيء كلما قلت نسبة احتمال تشكله.
كارينز سميث

سأل كارينز سميث نفسه سؤالين: ما هي الخصائص الأساسية لنظام حي؟ وهل يمكن أن توجد هذه الخصائص في أي أماكن غير التي تشكلت فيها الحياة اليوم؟ كان هدفه إيجاد نظامٍ أبسط بكثير من الحياة اليوم، لكن كان على هذا النظام أن يحمل نفسه الخصائص الأساسية لأي نظام حي، ووجد الجواب لهذه الأسئلة في مكان غير متوقع: الطين.

ربما يعتقد معظمنا أن الطين أو الصلصال ليس سوى نوعٍ من أنواع الوحل القذر، لكن كارينز سميث رأى فيه شيئًا أكبر من ذلك؛ نوعًا من أنواع الحياة. عندما تنظر بواسطة الميكروسكوب إلى الصلصال فإنك ستجد بلورات صغيرة، وفي داخل كل بلورة تنتظم الذرات بشكلٍ مرتب ومنظم. تستطيع كل بلورة أن تنمو عندما توضع في الماء مع مكونات كيميائية أخرى، وتستطيع أيضًا أن تتحطم إلى بلورة أم وبلورات ابنة أصغر.

تستطيع كل بلورة أن تتمتع بخصوصيات مميزة لها، والتي يمكن أن تمررها للبلورات الابنة، كما تنتقل الخصائص في الكائنات الحية. وأحيانًا عندما تنفصل البلورات، يحدث شذوذ معين كما يحدث عند تشكل الطفرات في الدنا؛ أي حسب فهم كارينز سميث، يبدو أن البلورات تمتلك خصائص مشابهة لتلك التي تمتلكها الكائنات الحية التي بدأت بالتطور.

ويمكننا إذن اعتبار التغيير الفيزيائي الحاصل للبلورات معلومات جينية معينة، وبذلك فإن المعادن الموجودة في بلورات معينة تتغير بحسب التطور بواسطة الانتقاء الطبيعي، وظهرت فرضية اعتبار البلورات كالجينات.؛ ومن ثم بدأت المركبات الكيميائية مثل الدنا ترتبط بالبلورات، وفي مرحلة ما انتقلت خاصية البلورات إلى الجينات؛ لتنتقل المواد العضوية بين الأجيال المختلفة وتمتلك القدرة على مضاعفة نفسها، تاركةً البلورات خلفها، هذا ما ذكره كارينز سميث في ورقته التي نشرت في 1966.

هذه الفكرة جميلة وراقية جدَا، لكنها للأسف حتى الآن مستحيلة التجريب، وللأسف لا يوجد طريقة عملية لدراسة المعادن في المقاييس الدقيقة لدراسة ما وجده كارينز سميث. ويجب على الباحثين أن يدرسوا البلورات تحت الماء لفترة تطول لأيام عديدة وملاحظة الطريقة التي تتصرف بها، لكن ذلك ما زال صعبًا تقنيًا. ويبدو أننا نحتاج لتقنيةٍ متقدمةٍ مثل تقنيات قراءة الدنا وإجراء التسلسل الخاص له، لكن لا يوجد دافع كبير لدعم هذه الأبحاث كما كان الأمر بالنسبة للحمض النووي، بسبب استخداماته الطبية للعلاج والتشخيص.


البوتاسيوم والعيوب اللولبية

يدرس بارت كار علم البلورات في جامعة نيويورك، وقرأ أفكار كارينز سميث لأول مرة في كتبه في ثمانينات القرن الماضي. «لقد وقعت في حب كتابه؛ لأنه كان مليئًا بالأفكار ومكتوبًا بطريقةٍ فنية وأدبية. وما زلت مندهشًا لأن بعد 25 سنةً وما زال الأشخاص يتكلمون في هذه النظرية، ثم يتوقفون بسبب عدم وجود طريقةٍ للتأكد من هذه النتائج».

قرر كار أن يدرس ذلك في مختبره، وأراد أن يعرف كيف تمرر البلورات الأم هذه الخصائص للبلورات الابنة، وكيف تعمل الوراثة في هذا المجال. وركز كار على خصائص البلورات التي تُسمى «العيوب اللولبية»؛ أي الخطوط التي تمر عبر البلورات، وتنتج عن نمو وتطور البلورات، ويعتبر نمط العيوب مميزًا للبلورات التي تملكها.

ربط كارينز سميث بين هذه العيوب وبين البطاقات المثقبة التي كانت تستخدم في الحواسيب قديمًا، فقد كان يأمل أن تحفظ هذه العيوب نوعًا من أنواع «المعلومات». أراد كار أن يفحص الأنماط المختلفة للعيوب البلورية التي يمكن أن ترثها البلورات الابنة، وما هو عدد الطفرات التي يمكن أن تنتقل بعد أن تتحطم هذه البلورات الابنة إلى بلورات ابنة أخرى.

لتجنب صعوبات التجربة، قرر كار أن يستخدم بلورات فاثلات هيدروجين البوتاسيوم، والتي كانت أسهل من الصلصال والطين في التعامل. قام كار وفريقه بتطوير تقنية لتخطيط العيوب البلورية على البلورات الأم والابنة ليروا طريقة انتقال هذه العيوب،ونشرت هذه النتائج في 2007. لكن بشكلٍ مفاجئ، اكتشف الباحثون وجود عيوب إضافيةٍ تقدمها البلورات الابنة بعد تشكيلها لبلورات ابنة أخرى، وقدمت على الأقل عددًا من العيوب يساوي أو يزيد على العدد الذي ورثته.

كان هذا مشكلةً كبيرةً لكارينز سميث، فإذا كانت البلورات ستتطور في النهاية، كان لابد لها من أن تورث شيئًا آخر غير الطفرات، لتؤثر البلورات الأم على تلك الوليدة.

«وإذا كانت هذه هي الطريقة المسيطرة، فإنه يجب عليك الاعتقاد بالانتقال من «ضفدع» لـ«قرد» في جيل واحد!»، يقول كار.


الدنا كبلورات

حسب فهم كارينز سميث، يبدو أن البلورات تمتلك خصائص مشابهة لتلك التي تمتلكها الكائنات الحيّة التي بدأت بالتطور.

قامت ريبيكا شولمان، مهندسة حيوية في جون هوبكينز، بدراسة هذه الفرضية: البلورات كجينات. في عدد من التجارب التي نشرتها خلال العقد الماضي، قامت بتصميم نظام من المعلومات المشفرة بنظام البلورات، وبدلًا من استخدام المعادن، قامت شولمان باستخدام بلورات بحجم النانوميتر، والمكونة من الدنا نفسه.

لم يحمل الدنا أي معلومات كتلك التي يحملها في الخلية، بل استخدمتها كمادة لاصقة تحمل أجزاء البلورة معًا، المعلومات كانت مشفرة بطريقة ترتيب القطع البلورية.

إن استطعنا أن نبني نوعًا من البلورات يعمل بهذه الطريقة فإنه من السهل أن نتخيل طريقة التطور التي تحصل في البيئات البسيطة.
شولمان

وجدت شولمان خلال محاكاة حاسوبية وبالتجربة أن قطع الدنا يمكنها أن تأخذ شكلًا معينًا، وتنقل المعلومات في هيكل البلورات. لقد وجدت طريقةً فعالة لنسخ المعلومات ونقلها من جيل إلى جيل في الشكل البلوري. نظريًا يمكن اعتبار دراستها خطوةً مهمة في فهم بداية الحياة، بالاعتماد على تصميم نماذج كيميائية تستطيع أن تماثل تلك الفترة من تاريخ الكوكب. لكن تجارب شولمان لا تظهر صحة نظرية كارينز سميث، فهي لم تستخدم الطين أو الصلصال، بل عدلتها في مختبرها، والحياة لم تبدأ كما كان ذاك التعديل.

لم يحصل كارينز على التمويل للقيام بدراسته، وقد حاول الاتصال مع ناسا حتى، ولكن لم يقتنع أحد بفكرته بشكلٍ شامل، وقد ناقش ريتشارد دوكينز فكرة كارينز سميث في كتابه «صانع الساعات الأعمى». في النهاية جمع كارينز أفكاره وكتبها في كتابه «سبع دلائل على بداية الحياة»، الذي نشر في 1990، والذي كتبه كرواية تناقش لغزًا، فهو من أفضل الكتب عن الكيمياء العضوية التي لن تتركها حتى تنتهي منها نهائيًا.

استمتع كارينز سميث بالكتابة لجمهور أكبر، واكتشف كميةً كبيرةً من الناس التي تتابع عمله وهذه الأفكار رغم تعقيدها. ولو افترضنا قدرة أفكار كارينز على الانتشار في الوسط العلمي، فإنها قد تغير فكرة بداية الحياة بطريقتين:

الأولى هي السؤال عن ماهية الحياة ذاتها، والبحث عن بديل يمكن للحياة أن تنطلق منه عوضًا عن الدنا.

الثانية: وهو طريقة كارينز في جمع البيولوجيا والكيمياء والجيولوجيا معًا في وقت لم يفكر أحد في ذلك مسبقًا. فقد اعتقد السابقون أن فكرة بداية الحياة يجب أن تكون أمرًا كيميائيًا بحتًا، لكن في العقود الأخيرة بدأ الأمر بالتوسع للوصول إلى الجيولوجيا حتى.

ربما لن نجد دليلًا على أفكار كارينز سميث، ولكن يكفي دفعه باتجاه جديد للبحث عن حل لمعضلة بداية الحياة، ليُذكر له ذلك ويُخلد اسمه مع العظماء.

المراجع
  1. The Idea that life began as Crystals is 50 years old