وقف طابور المقبوض عليهم في شارع «أوريك»، ثم اصطفوا في صفوف من أربعة أو خمسة أشخاص على رصيف الشارع. ترجل الجنرال «المركيز دي غاليفه» وأركان حربه، ثم شرعوا في التفتيش من يسار الصف. وبينما كان الجنرال يمشي الهوينا ويُعاين الصفوف، كان يتوقف هنا وهناك ويُخبِّط بيده على كتف أحد الأشخاص أو يومئ إليه ليخرج من الصفوف الخلفية. وفي معظم الحالات كان الشخص الذي يقع عليه الاختيار يسير دونما مداولة إلى منتصف الشارع، حيث تشكل بعد وقت قصير طابور جديد… وبعد أن تم اختيار ما يزيد عن المائة شخص بهذه الطريقة، تحرك الطابور مُخلّفًا إياهم وراءه. وبعد دقائق قليلة بدأ إطلاق النار ودام ربع ساعة تقريبًا. كان ذلك تنفيذًا لأحكام إعدام ميدانية بحق أولئك التعساء الذي جرت إدانتهم بصفة مستعجلة.

هكذا اُسدل الستار على الحدث التاريخي الفريد، ليس في تاريخ فرنسا وحسب، بل في تاريخ ثورات العالم… نهايةٌ تشرح السياق… وتفسر الماضي… وتتنبأ بالمستقبل. فخلال 72 يومًا، حاولت قوى الثورة في كومونة باريس إقامة مجتمع اشتراكي، يتطلع إلى المثالية، التي تقترب من حياة آدم وحواء قبل نزولهما إلى الأرض. ولكن جاءت النهاية من جنس العمل.

فوفقًا للقوانين الأرضية السائدة (قوانين الديكتاتورية والرأسمالية والطبقية بتطوراتها المختلفة) يُمنع منعًا باتًا –على المستوى الفردي- تداول الأفكار الثورية، فما بالك بأفعال ثورية جماعية، تطورت لتصبح نظامًا مجتمعيًا ساد لمدة 72 يومًا.

هذا المشهد يروي قصص ثورات ما قبل 1871، ونجح في التنبؤ بمستقبل ثورات ما بعد 1871. فالثورة هي العدو الأزلي والأوحد للدولة ومصالحها وطبقاتها. وفي سبيل مواجهة الثورات تتخلى الدولة عن أي مبادئ صورية وضعتها الإنسانية يومًا للاستهلاك السياسي، كما تتخلى عن عدائها وتناقض مصالحها مع باقي أركان النظام، لا من أجل قمع الثورات فقط، ولكن من أجل تحويلها إلى رابع المستحيلات.

وفي مواجهة هذا العداء المستحكم، غالبًا ما يتقيد الثوار برداء الحالمين، الذي غالبًا ما يعجز عن الصمود في مواجهة قوى الشر، فتستحيل الأحلام إلى كوابيس.

رصد «كارل ماركس» في كتابه «الحرب الأهلية في فرنسا» أحلام كومونة باريس وكوابيسها، وهو كتاب جدير بالقراءة والتأمل، ليس فقط لأن كاتبه يعتبر أحد أهم مفكري العصري الحديث، ولكن لأنه يتناول تجربة ثورية فريدة لم تتكرر، وغالبًا ما نتذكرها كلما انتفضت باريس في وجه حُكامها.


«بسمارك» يعلن قيام الجمهورية الفرنسية الثالثة

كان «أوتو فون بسمارك»، رئيس وزراء مملكة بروسيا، يسعى إلى إتمام مشروع الوحدة الألمانية، وقد خرج لتوه من حربه مع النمسا. بينما كان نابليون الثالث في فرنسا يراقب المشهد بقلق. فقيام دولة ألمانية موحدة على حدوده يُمثل تهديدًا مُحدقًا للإمبراطورية الفرنسية، ناهيك عن أن بسمارك لم يفِ بوعوده لنابليون بشأن التعويضات الإقليمية التي وعد بدفعها نظير ما لحق بفرنسا جراء الحرب البروسية.

وفي الوقت ذاته، كان أنصار الشوفينية الفرنسية يطالبون نابليون باستعادة حدود الإمبراطورية الفرنسية الأولى التي فُقدت عام 1914، وكان –بالنسبة إليهم- توسيع الحدود الفرنسية ميلاً مربعًا واحدًا إلى الضفة الألمانية لنهر الراين، أفضل من التوسع عشرات الأميال في جبال الألب أو أي مكان آخر.

كل هذا دفع نابليون الثالث إلى إعلان الحرب على بروسيا في 14 يوليو/تموز 1870، ولكن استطاع الجيش البروسي نقل المعركة إلى الأراضي الفرنسية ذاتها. وفي معركة سيدان في 2 سبتمبر/أيلول 1870، أنزل هزيمة ساحقة بالجيش الفرنسي وتم أسر نابليون الثالث.[1]

وسرعان ما تطورت الأحداث في باريس، وتمكن العمال من إسقاط الإمبراطورية وإعلان قيام الجمهورية الفرنسية الثالثة، في 4 سبتمبر/أيلول 1870. ونتيجة الاضطراب الذي سيطر على هذه اللحظة، وعدم تنظيم العمال لصفوفهم بشكل جيد –حيث كان قادتهم في السجون في ذلك الوقت- وزحف البروسيون تجاه باريس، سمح العمال لحفنة من المحامين البرجوازيين بالسيطرة على الحكم، بقيادة «أدولف تيير»، بشرط ألا يتم الاستسلام لبروسيا، وأن يتم استخدام السلطة لأغراض الدفاع الوطني، وكان هذا أول أخطاء عمال باريس.

تيير هو أحد أشهر مؤرخي وسياسيي فرنسا في القرن التاسع عشر، والذي شغل مناصب في أجهزة الدولة على فترات متقطعة، يتخللها الانضمام لصفوف المعارضة. وقد وصفه ماركس في كتابه بـ «القزم الأسطوري الضخم»، وذكر أنه على مدار مسيرته السياسية لم يتخذ مُطلقًا أي قرار ذا فائدة عملية إلى هذا الحد أو ذاك، بل كان وفيًا لشيء واحد فقط، هو عطشه الذي لا يُروى إلى الثروة وكُرهه للناس الذي يخلقون هذه الثروة. وأضاف ماركس:

كان فقيرًا كأيوب حين دخل الوزارة للمرة الأولى في عهد لويس فيليب، ولكنه خرج منها وهو من أصحاب الملايين… وفي بوردو، عام 1871، كان أول إجراء اتخذه تيير لإنقاذ فرنسا من الإفلاس المُحدق بها هو تخصيص 3 ملايين لنفسه مرتبًا سنويًا.

خدع تيير وحكومته البارسيين، وأوهموهم بأنهم يستعدون لمواجهة البروسيين، وهم في حقيقة الأمر كانوا أبعد ما يكونون عن هذا الفعل. فلم يكن من الممكن الدفاع عن باريس سوى بتسليح عمالها وتنظيمهم في قوة عسكرية فعالة، وتدريبهم على الفن العسكري، ولكن تسليح باريس كان يعني تسليح الثورة، بل إن انتصار باريس على البروسيين، كان يعني بالضرورة انتصار العامل الفرنسي على الرأسمالي الفرنسي. وحينما كان على حكومة تيير الاختيار بين الواجب الوطني والمصالح الطبقية، لم تتردد في اختيار الأخيرة.

وكان أول ما فعله تيير هو القيام بجولة أوروبية لاستجداء حكامها للوساطة والصداقة، مُطمئنًا إياهم على مستقبل البلاد، وواعدًا بقمع الثورة والثوار. وفي الوقت نفسه كان وزراؤه يتشدقون بالعبارات الكاذبة حول عدم قبول الاستسلام، وعدم التنازل عن أي شبر من الأراضي الفرنسية.

إلى أن جاء يوم 28 يناير/كانون الثاني 1871، حيث أعلنت الحكومة بشكل رسمي استسلامها لبروسيا، ونزع سلاح الفرنسيين، ودخل البروسيون ليحتلوا جزءًا من باريس، لتظهر النوايا الحقيقية لحكومة تيير، وتبدأ رسميًا الحرب الأهلية في فرنسا.

بات ثوار باريس هم العقبة الرئيسية أمام استتباب الحكم لتيير، لذلك تحرك في مسارين متوازيين:

1. سارع بإجراء انتخابات لجمعية وطنية جديدة (برلمان) –وفقًا لاتفاقية الاستسلام- وذلك بغرض البت في أمر السلم والحرب، وحرص على أن يكون تشكيل هذه الجمعية متوافقًا مع اتجاهاته السياسية، وتعمد إجراء هذه الانتخابات بسرعة ودون علم معظم الباريسيين وسكان فرنسا.

2. سعى إلى تجريد باريس من سلاحها. وجدير بالذكر أن المدفعية العسكرية التي كانت تمتلكها باريس حينئذ، لم تكن ملكًا للدولة، لذلك لم تُسلّم ضمن اتفاقية الاستسلام؛ لأن الباريسيين هم من أنشأوها من تبرعاتهم الخاصة. وتجريد باريس من سلاحها كان يعني عمليًا القضاء على الثورة.


عاشت الكومونة!

دوت هذه الصحية في باريس في صباح يوم 18 مارس/آذار 1871، بعد محاولة فاشلة من قبل حكومة تيير في الاستيلاء على مدفعية الحرس الوطني في باريس، بعدها استولى العمال على بلدية باريس، وأعلنت اللجنة المركزية للحرس الوطني استلامها للسلطة وإقامة الكومونة:

إن بروليتاريي باريس أدركوا، إذ رأوا إخفاقات الطبقات الحاكمة وخيانتها، أنه قد أزفت الساعة التي يترتب عليهم فيها أن ينقذوا الوضع بأن يأخذوا بأيديهم إدارة الشئون العامة… لقد أدركوا أن هذا الواجب الآمر مُلقى على عاتقهم وإن حقهم الأكيد أن يجعلوا أنفسهم سادة لمصائرهم الخاصة ويأخذوا السلطة الحكومية في أيديهم.

تشكلت الكومونة من أعضاء المجالس البلدية الذين اخُتيروا بالاقتراع الشامل في مختلف دوائر باريس. كانوا مسئولين وكان يمكن إلغاء التفويض الممنوح لهم في أي وقت كان. وكانت أكثريتهم، بطبيعة الحال، من العمال أو من ممثلي الطبقة العاملة. ولم يكن يُراد بالكومونة أن تكون هيئة برلمانية فقط، بل هيئة عاملة تتمتع بالسلطتين التشريعية والتنفيذية في الوقت نفسه.

وكان أول مرسوم أصدرته الكومونة يقضي بإلغاء الجيش الدائم والاستعاضة عنه بالشعب المسلح، وكذلك تم تجريد الشرطة من كافة وظائفها السياسية. وكان كافة الموظفين في الكومونة يؤدون الخدمة العامة لقاء أجرة تساوي أجرة العامل، واختفت جميع الامتيازات والعلاوات التي كان يتقاضاها كبار موظفي الدولة مع اختفاء هؤلاء الموظفين.

وبعد أن أزالت الكومونة الجيش الدائم والشرطة، وهما أداتا الحكم المادي في يد الحكومة القديمة، اتجهت إلى أداة الدولة الروحية، قوة الكهنة. حيث قامت بفصل الكنيسة عن الدولة، ومصادرة جميع الكنائس لكونها هيئات تملك الأموال. وعاد رجال الدين إلى الحياة المتواضعة كأفراد بسطاء. وصارت جميع المؤسسات التعليمية مجانية بالنسبة للجميع، ووُضعت خارج تأثير الكنيسة والدولة.

وهكذا لم يعد التعليم المدرسي في متناول الجميع فحسب، بل إن العلم نفسه تحرر كذلك من القيود التي فرضتها عليه الأوهام الطبقية والسلطة الحكومية، وفق تعبير ماركس. وفقد الموظفون القضائيون استقلالهم الصوري. وشأنهم شأن سائر موظفي المجتمع، صار يتم انتخابهم بصورة مكشوفة، ليكونوا مسئولين وعُرضة للخلع.

وفي 16 إبريل/نيسان 1871، أمرت الكومونة بإعداد قوائم إحصائية بالمصانع التي أغلقها أصحابها، ووضع الخطط لتشغيلها من قبل العمال الذين كانوا يعملون فيها والذين كان عليهم أن ينتظموا في جمعيات تعاونية، ووضع الخطط أيضًا لتوحيد هذه الجمعيات في نقابة واحدة كبرى.

وفي 20 إبريل/نيسان، ألغت الكومونة العمل الليلي بالنسبة للخبازين، وكذلك مكاتب الاستخدام التي كان يديرها بصفة احتكارية -منذ عهد الإمبراطورية الثانية- موظفون تُعينهم الشرطة، وهم من أشد مستثمري العمال استغلالاً؛ وقد نقلت هذه المكاتب إلى بلديات دوائر باريس.

وعلى ذلك، نجد أن الكومونة لجأت إلى وسيلتين أساسيتين:

1. عينت في جميع الوظائف –الإدارية والقضائية والتعليمية– أشخاصًا منتخبين على أساس حق الاقتراع العام، وأقرت في الوقت نفسه حق إلغاء تفويض هؤلاء الموظفين بقرار من منتخبيهم في أي وقت.

2. لم تدفع لجميع الموظفين، كبارًا وصغارًا، إلا الأجور التي يتقاضاها العمال الآخرون. وكان أعلى مرتب تدفعه الكومونة على العموم هو 6 آلاف فرنك (مع العلم أن مرتب تيير في ذات الوقت بلغ 250 ألف فرنك شهريًا). وبهذه الطريقة أقيم حاجز أمين في وجه الركض وراء المناصب الرابحة والوصولية.

استمرت محاولات تيير الفاشلة في إخضاع باريس عسكريًا، إلى أن وقّع معاهدة الصلح مع بسمارك في مايو/آيار 1871. وكان بسمارك قد هدّد حكومة تيير بشكل مباشر:

وانحصرت شروط بسمارك في تقصير مواعيد دفع الغرامة الحربية، وفي احتلال حصون باريس من قبل البروسيين إلى أن يرضى بسمارك عن الأوضاع في فرنسا بشكل عام. ومقابل ذاك، عبر بسمارك عن استعداده للإفراج عن جيش نابليون من الأسر لمساعدة تيير في سحق باريس، بل وتعزيز قواته بجنود إضافية عند الحاجة.

وبالفعل نجحت قوات تيير في دخول باريس في 21 مايو/آيار 1871، أما البروسيون الذين كانوا في الحصون الشمالية والشرقية فقد سمحوا لقوات تيير بالتقدم عبر الأراضي شمالي المدينة، وهي الأرض التي كانت محرمة عليهم بحسب اتفاق وقف إطلاق النار، لذلك احتفظ عمال باريس بقوة ضعيفة فقط هناك.

نتيجة لذلك كانت هناك مقاومة ضعيفة فقط في النصف الغربي من باريس، الجزء الثري من المدينة، بينما اشتدت المقاومة وأصبحت أكثر عنادًا كلما اقتربت قوات تيير من الجزء الشرقي، مدينة الطبقة العاملة.

أمضى الجيش الفرنسي 8 أيام وهو يذبح العمال، وكان يطلق النار على المدنيين بمجرد رؤيتهم. قاد العملية المارشال «ماكماهون»، الذي سيصبح فيما بعد رئيسًا لفرنسا. أعدم عشرات الآلاف من أعضاء الكومونة والعمال على وجه السرعة (حوالي 30 ألفًا) وسُجن 38 ألفًا آخرين وتم ترحيل 7 آلاف بالقوة.


الباريسيون الحالمون

إما إعادة الإمبراطورية، وإما قبول شروط الصلح التي أمليها بلا قيد أو شرط.

خلال استعراضه لتجربة الكومونة، كان ماركس يبرز الأخطاء التي وقع فيها ثوار باريس، وكذلك فعل فريدريك إنجلس في تقديمه لكتاب ماركس، كما أن ليون تروتسكي قد أفرد مقالاً كاملاً نشره عام 1921 بعنوان: «دروس من كومونة باريس».

يُجمع المفكرون الثلاثة على أن إعلان الكومونة جاء متأخرًا ستة أشهر؛ لأن عمال باريس كانت لديهم إمكانية الاستيلاء على الحكم منذ الرابع من سبتمبر/أيلول 1870 حينما سقط نابليون، بدلاً من تسليمه إلى حكومة تيير، وهو ما كان ليسمح للبروليتارية في باريس بأن تضع نفسها وبضربة واحدة على رأس العمال في الدولة كلها في صراعهم ضد الثورة المضادة.

ويرى تروتسكي أن ذلك ربما يعود إلى افتقاد عمال باريس إلى عنصر التنظيم، وغياب الحزب الثوري، الذي إن وُجد في فرنسا في سبتمبر/أيلول 1870 لكان تاريخ فرنسا كلها، ومعه تاريخ الإنسانية كلها، قد أخذ منعطفًا آخر. من جهة أخرى، فإن إجراءات الكومونة في الاستيلاء على الحكم افتقدت إلى الحزم والقوة، وكما ذكر إنجلس، كان من الضروري تركيز كامل السلطة في أيدي الحكومة الثورية الجديدة تركيزًا دكتاتوريًا يتسم بأقصى درجات الصرامة.

وكان الإفراج عن رجال شرطة تيير -خلال محاولتهم المستمرة لدخول باريس وتجريدها من سلاحها- وفتح أبواب المدينة على مصاريعها لينسحبوا منها بسلام، أكبر حماقات الكومونة؛ لأن هؤلاء الرجال هم من عادوا مجددًا إلى المدينة، وأعدموا رجالها.

أما الغلطة السياسية الكبرى، فكانت عدم استيلاء الكومونة على «بنك فرنسا»، حينما واتتهم الفرصة. فلو وقع البنك في أيدي الثوار لفاق ذلك في أهميته عشرة آلاف من الرهائن، ولأرغم البرجوازية الفرنسية كلها على الضغط على حكومة تيير لعقد صلح مع الكومونة.

نجح ثوار باريس في تخليد أحلامهم في ذاكرة التاريخ، وتركوا كوابيسهم ماثلة أمام ثوار المستقبل، الذين لم يتخلوا عن الحلم، ولكنهم عانوا من كوابيس الماضي، وكأنهم لم يقرأوا التاريخ يومًا.

المراجع
  1. محمد السيد سليم، تطور السياسة الدولية في القرنين التاسع عشر والعشرين، (القاهرة: دار الفجر الجديد للنشر والتوزيع، 2008)، ص 137.