مهلاً توقفي! يا لك من محظوظة فهذا الأسبوع هناك خصومات وعروض ذهبية لن تتكرر قريبًا على كافة المنتجات لدينا… قولي وداعًا لقائمة مشترياتك القديمة، فالأمر يستحق! فكلما اشتريتِ عبوتين من منتج واحد ستحصلين على الثالث بنصف الثمن!

فخٌ يوقعك فيه أصحاب المتاجر دون مقاومة منك، عروض وخصومات تدفعك لشراء ما هو فوق حاجتك، وأشياء ربما لا تحتاجين إليها في مطبخك على الإطلاق، عملاً بالمثل الشعبي الدارج «يزيد ولا ينقص». تعودين إلى منزلك وقد اشتريتِ بضعف الميزانية التي قد وضعتِها لنفسك لكنك سعيدة بالإنجاز الذي حققته، فمن مثلك الآن لديك خزين يكفي شهرين كاملين!

في مشهد آخر، تهاتف صديقاتها لتخبرهن بما أنجزت وتحثهن على الذهاب إلى ذلك المتجر والاستفادة من تلك العروض، ثم تقرر أن تحضر عزومة غذاء لهن، فتعد من الأصناف ما لذ وطاب لتتباهى بقدراتها الخارقة على الطبخ، وما يفيض تلقِي به في سلة القمامة. ليست وحدها من يفعل ذلك فملايين البيوت والمطاعم حول العالم تلقي في مكبات القمامة يوميًا أطنانَا من الوجبات الغذائية.


أرقام وإحصائيات عن التبذير الغذائي حول العالم

إن كمية الغذاء التي يتم التخلص منها في القمامة مذهلة، بينما يزداد عدد سكان العالم وعدد الجياع منهم.

تيم فوكس، مدير قسم البيئة والطاقة في مؤسسة المهندسين الميكانيكيين بلندن.

يشير تقرير بريطاني صادر عن «مؤسسة المهندسين الميكانيكيين» إلى أن ما يعادل نصف المواد الغذائية المنتجة عالميًا تُلقى في القمامة، إذ يتعرض بعضها إلى التلف نتيجة سوء التخزين والصرامة الشديدة من قبل الكثيرين في الالتزام بموعد الصلاحية وترفعهم عن شراء المنتجات التي يقترب موعد انتهاء صلاحيتها. ووفق التقرير، فإن هناك ما يبلغ 4 مليارات طن من الناتج الغذائي العالمي ينتهي به المطاف في مكبات القمامة.

فيما يُبدد الفرد الواحد سنويًا وفق تقديرات رسمية في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا ما يعادل 250 كيلو جرامًا من الأغذية. فيُفقد مع ذلك الهدر الغذائي حميع الموارد الطبيعية المستخدمة في تكوينه وتجهيزه ونقله وتسويقه، إذ يمثل المهدر سنويًا من المياه بسبب الفاقد من الأغذية، في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، حوالي 42 كيلو مترًا مكعبًا. بينما يُقدر الهدر الغذائي في تلك المنطقة في مرحلة الاستهلاك بنسبة تبلغ 34%،معظمها في المناطق الحضرية، ويحدث قدر كبير من هذا الهدر أثناء العطل الدينية وحفلات الزفاف واللقاءات العائلية وفي قطاعات الضيافة كالمطاعم والفنادق.

ووفق استطلاع جديد صادر عن شركة أبحاث السوق «يوجوف للرأي»، فإن حوالي 32% من الهدر الغذائي في الإمارات العربية المتحدة ومصر والمملكة العربية السعودية يتمثل في بقايا الطعام التي تتخلص منها المطاعم، علاوة على الطعام الفائض الذي يتم طهيه في الاحتفالات والمواسم وخاصة شهر رمضان. بينما يتمثل 48% من الغذاء المهدر في الطعام الفائض عن الحاجة في المنزل.

في الوقت الذي يبلغ فيه حجم التبذير الغذائي والمخلفات الغذائية السنوية في دولة الإمارات نحو 4 مليارات دولار (ما يعادل نحو 14.69 مليار درهم)، فإن حجم التبذير الغذائي في تونس وفق آخر أرقام أعلن عنها المعهد الوطني للاستهلاك التونسي في 22 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، يبلغ 193 مليون دولار (ما يعادل 572 مليون دينار تونسي)، إذ يلقي التونسيون 113 ألف طن من الخبز سنويًا، وللأسرة الواحدة بمعدل سنوي يصل إلى 42 كيلو جرامًا، كما أن 67% من المطاعم الجامعية تلقي ببقايا الطعام في القمامة. وقد أشار المعهد إلى أنه يتم إلقاء 300 مليون خبزة بقيمة تبلغ 100 مليون دينار، علاوة على إلقاء ثلث الأطعمة في سلات القمامة خلال شهر رمضان.

الأمر نفسه في الجزائر، إذ ترمي العائلات الجزائرية حوالي 3 أطنان من الخبز يوميًا في القمامة خلال شهر رمضان، فضلاً عن تكاليف مستلزمات العيد التي تصل إلى 200 مليار دينار، وهو ما يعادل 1.8 مليار دولار وفق ما توصلت إليه الجمعية الجزائرية للتجار،عبر عمليات حسابية وأرقام حصلت عليها من هيئات شريكة لها.


من المتسبب: المنتِج أم البائع أم المستهلك؟

رغم أن التبذير هو صفة إنسانية، توجد حيث يعيش الإنسان منذ قديم الأزل، فإنها توحشت في عصرنا الحديث، وذلك بفعل التطور المشوه لمنظومة القيم الاجتماعية والاقتصادية التي تحكمنا حاليًا.

1. السلوك الاستهلاكي وهوس الشراء القهري

أن تشتري لا لشيء سوى لتعديل مزاجك، أن تضيفي لمطبخك كميات متنوعة وكبيرة فوق حاجة أسرتك من الأجبان والبهارات والتوابل واللحوم والخضار، رغم إدمانك أنتِ وأسرتك لوجبات مطاعم الـ«الفاست فود».

في بعض الأحيان لا يمكن تفسير ذلك سوى برغبة قهرية للتسوق تجعلك تجدين متعتك في الشراء والتسوق وبخاصة إذا كنتِ من المغرمات بالطبخ. تعرف تلك الحالة باسم «أونيومانيا». وهو مصطلح يُعرّف بأنه «شعور ملح بالشراء لتحقيق سعادة اصطناعية ومؤقتة، تنتهي بانتهاء عملية الشراء. ربما يكون نتيجة لفراغ عاطفي أو شعور بالقلق أو خوف من الرفض كوسيلة لتجنبه أو التخفيف من ضغطه الداخلي». غالبية المصابين بهذا الاضطراب هن من النساء، فهو آلية تساعدهن على تحسين أمزجتهن، ويصنف هذا الاضطراب ضمن قائمة الإدمان الطويلة والتي يطلق عليها «إدمان التسوق».

إلى جانب ذلك، فلدى العملاء المختلفون تفضيلات متنوعة تؤثر على سلوكهم الشرائي للمواد الغذائية، إذ يفضل الكثيرون انتقاء الخضروات والفواكه التي لا يشوبها أي شائبة، فضلاً عن البعد عن المنتجات التي توشك أن تنتهي صلاحيتها.مثل هذا السلوك الاستهلاكي في كثير من الأحيان يساهم في هدر الطعام لأن كثيرًا من المواد الغذائية قد تبقى على الرفوف حتى انتهاء صلاحيتها، الأمر الذي يجبر الباعة وأصحاب المتاجر على إلقائها في سلات القمامة.

2. الفشل الإداري في المطاعم والفنادق

ثمة أخطاء عديدة تقع فيها بعض المطاعم والفنادق والتي قد تتسبب بدورها في هدر الطعام، كأن يكون هناك مشاكل في التخزين والتبريد في ظل الظروف الجوية السيئة، أو مشاكل في التجهيز والتعبئة. فضلًا عن ذلك فإن كثيرًا من المطاعم والفنادق تفرط يوميًا في إعداد العديد من الأصناف المختلفة كي تجذب الزبائن لها بقائمة كبيرة ممتدة ومتنوعة من الأطعمة.

وغالبًا ما يكون هناك سوء تقدير لدى المطاعم بين ما تنتجه وما يُستهلك فعليًا، إذ يعتقد بعض المديرين لتلك المطاعم أنه بإنتاج الطعام بدفعات كبيرة مرة واحدة يقلل من قيمة التكاليف المنفقة في إعداده، لكن الواقع يعكس غير ذلك وهو ما يتسبب في إهدار كميات مهولة من الأطعمة يوميًا.

3. السلوك التسويقي لدى متاجر المواد الغذائية والسوبر ماركت

كلمات تسويقية رنانة كـ«حصريًا… مجانًا… عروض بسعر الجملة… هدية» كفيلة أن تغير خطط المشترين، وعلى تلك الطريقة تعتمد متاجر بيع المواد الغذائية في بيع منتجاتها. ذلك الإفراط في التسويق للمواد الغذائية يتسبب في شراء الناس ما هو فوق حاجتهم حتى لا يفوتهم تلك العروض، وغالبًا ما ينتهي المطاف بالفائض عن الحاجة في سلة المهملات إذا ما انتهى تاريخ صلاحيته دون استخدام. أما من حيث الإفراط في العرض، فقد تنقضي مدة صلاحية المنتجات على الرفوف دون أن تجد مشتريًا لها نظرًا لكثرتها.

4. التباهي في المناسبات الاجتماعية

يرتبط الطعام في مجتمعاتنا العربية بالمناسبات الدينية والاجتماعية، فإلى جانب التبذير الغذائي الشديد الذي يحدث في رمضان والأعياد والذي يترتب عليه هدر لكميات ضخمة من الأطعمة، فإن المناسبات الاجتماعية تتسبب في الأمر نفسه، إذ تتعلق تلك المناسبات بكل تفصيلة متصلة بحياة الإنسان وحتى وفاته!

فمنذ أن يولد الطفل يعد الأهل الولائم احتفالاً بقدومه، وما أن يمر الحول تبدأ الكثير من الأسر في عمل أعياد الميلاد لأطفالهم بكميات كبيرة من الحلويات والمشروبات، كذلك الأمر عند النجاح في المدرسة والتخرج في الجامعة، فضلاً عن العادات الغذائية المرتبطة بالزواج من حنة ووليمة طويلة.

عادة ما تتفنن كل دولة في طقوسها المختلفة لكنها تشترك في نقطة الإسراف والبذخ وإعداد كميات ضخمة من الأطعمة والتي تكون في العادة أكبر بكثير من حجم المدعوين. حتى العزاء لا يخلو هو الآخر من الولائم. وهكذا يتسابق الناس فيما بينهم في مظاهر التبذير الغذائي أيهم قدم المائدة الأكبر وأيهم قدم أصنافًا أكثر،ذلك الإسراف والتباهي يعرف باسم «الهياط» في السعودية بمعنى فعل ما لا يمكن، لا لشيء سوى للفت الأنظار وجذب الانتباه. ولعل من أغرب العادات في الوطن العربي والتي تنم عن إسراف وتبذير غذائي لا معقول، أن يقدم للضيف ذبيحة كاملة كي يأكلها بمفرده في السعودية وغلي الأوراق النقدية مع القهوة.


الخلاصة، أن ظاهرة التبذير الغذائي تتمثل خطورتها في ارتباطها بعوامل أخرى شديدة الأهمية، فمع إهدار الغذاء تُهدر كافة المواد المستخدمة في إنتاجه من ماء ومواد أخرى وتسويق ومجهود في إعداده، ولهذه الظاهرة انعكاسات سلبية على الاقتصاد والبيئة تجعل من الأهمية بمكان توعية الناس بمدى خطورة تلك الممارسات الخاطئة، والتي قد لا يلقون لها بالاً ولا يعرفون مدى تأثيرها الحقيقي على أرض الواقع.