محتوى مترجم
المصدر
العلمي الأمريكي
التاريخ
2015/10/08
الكاتب
فيكتور شتينجر، جايمز ليندزي، بيتر بوغوسيان

تحدثنا في الجزء الأول عن علماء قاموا بازدراء دور الفلسفة في الفيزياء


في مطلع القرن الـ20 تقريبًا قام كل علماء الفيزياء المشهورين في ذلك العصر -ألبرت أينشتاين، نيلز بور، إروين شرودنغر، فيرنر هايزنبرغ، ماكس بورن، وآخرين – بإعادة النظر في التداعيات الفلسفية لاكتشافاتهم الثورية في النسبية وميكانيكا الكم. أما بعد الحرب العالمية الثانية، فإن الجيل الجديد من الشخصيات البارزة في الفيزياء مثل ريتشارد فينمان، موري جيلمان، ستيفن واينبرج، شيلدون جلاشو، وغيرهم، وجدوا هذه التأملات غير منتجة، ومعظم علماء الفيزياء (كانت هناك استثناءات في كل العصور)،اتبعوا نهجهم. ولكن الجيل الجديد استمر في اعتماد المذاهب الفلسفية، أو تحدث على الأقل بالمصطلحات الفلسفية، دون الاعتراف بذلك لأنفسهم.

http://gty.im/163372919

على سبيل المثال، عندما روّج واينبرغ للتفسير ال«واقعي» لميكانيكا الكم، حيث «الدالة الموجية هي الممثل للواقع المادي»، فإنه يوحي أن المكونات التي يدرجها الباحثون النظريّون في نماذجهم، مثل حقول الكم، هي المكونات النهائية للواقع. في مقالة من «العلمي الأمريكي» من عام 2012، يتعمق عالم الفيزياء النظرية ديفيد تونج، إلى حد أبعد من واينبرج زاعمًا أن الجسيمات التي نلاحظها في الواقع في التجارب هي أوهام وأولئك الفيزيائيين الذين يقولون أنها جوهرية مخادعين:

«يقوم علماء الفيزياء روتينيًا بتلقيننا أن اللبنات الأساسية للطبيعة هي جسيمات منفصلة مثل الإلكترون أو الكوارك. وهذا ادعاء كاذب. اللبنات الأساسية للنظريات لدينا ليست جسيمات، بل الحقول: وهي أشياء استمرارية قوامها مثل السائل منتشرة في جميع أنحاء الفضاء».

هذا الرأي فلسفي بشكل حصري، وقبوله دون تمحيص يدل على تفكير فلسفي سيء. ويعبر واينبرج وتونج، في الواقع، عن وجهة نظر أفلاطونية للواقع شائعة بين العديد من علماء الفيزياء النظرية والرياضيات. فيأخذون معادلاتهم ونماذجهم على أنها قائمة ويناظرونها بطبيعة الواقع.

http://gty.im/51241886

في موسوعة ستانفورد للفلسفة على الإنترنت ذات السمعة الطيبة، يعرّف مارك بالاجوار الأفلاطونية على النحو التالي:

الأفلاطونية هي وجهة النظر التي ترى أن هناك [في الواقع المطلق] أشياء مجردة
حيث أن الشيء المجرد هو الشيء الذي لا وجود له في المكان أو الزمان والذي هو بالتالي غير مادي وغير معقول. الأفلاطونية بهذا المعنى هي وجهة نظر معاصرة. ويرتبط ذلك بشكل مباشر بآراء أفلاطون بشكل مهم ولكنه ليس واضحًا بما فيه الكفاية أن أفلاطون أيد هذا الرأي كما هو معرف هنا أم لا. من أجل البقاء على الحياد بشأن هذه المسألة، لا تنسب الأفلاطونية ،إلى أفلاطون عندما نكتبها: (platonism) وليس (Platonism)

لن ننسب الأفلاطوني إلى أفلاطون هنا حيث نشير إلى الاعتقاد بأن الأجسام ضمن نماذج الفيزياء النظرية تشكل مكونات الواقع، ولكن هذه النماذج لا تستند على الفكر الخالص، والأفلاطونية بحرف «P» كبير ننسبها إلى افلاطون، وهي مصممة لوصف وتوقع الملاحظات.

تبنى العديد من الفيزيائيين دون تمحيص الواقعية الأفلاطونية كتفسير شخصي لمعنى الفيزياء. وهذا منطقي لأنه يربط واقعًا يكمن وراء الحواس بالأدوات المعرفية التي يستخدمها البشر لوصف الملاحظات.

من أجل اختبار نماذجهم، يفترض كل علماء الفيزياء أن عناصر هذه النماذج تتوافق بطريقة ما مع الواقع. لكن تلك النماذج يتم مقارنتها مع البيانات التي تتدفق من كواشف الجسيمات في مختبرات التعجيل أو في بؤر التلسكوبات (الفوتونات هي جسيمات أيضا). إنها البيانات – لا النظريات – التي تقرر اذا كان نموذج معين يتوافق بطريقة ما مع الواقع أم لا. إذا فشل النموذج في التوافق مع البيانات، فإنه بالتأكيد لا علاقة له بالواقع. اذا كان يتوافق مع البيانات، فإنه على الأرجح لديه صلة ما. ولكن ما هي هذه الصلة؟ فالنماذج تمثل مجرد رسم عابث على ألواح الكتابة في القسم النظري في مبنى الفيزياء. تلك الرسومات يمكن مسحها بسهولة، أما البيانات فلا يمكن مسحها.

http://gty.im/130325445

في مقاله في «العلمي الأمريكي»، يكشف كراوس أثار التفكير الأفلاطوني على فلسفته الشخصية في الفيزياء، حيث ذكر:

هناك فئة من الفلاسفة، بعضهم موحى لهم لاهوتيًا، الذين يعترضون على حقيقة أن العلماء قد يتجرأون أن يخاطبوا أي إصدار من هذه المسألة الوجودية الأساسية. في مراجعة جرت مؤخرًا لكتابي [كون من لا شيء] من قبل أحد هؤلاء الفلاسفة …. ادعى هذا الكاتب باستخدام لهجة سلطوية واضحة (وهو ما يثير العجب لأن المؤلف لديه بعض المعلومات الأساسية في الفيزياء على ما يبدو) ما يعد ببساطة خطأ: أن قوانين الفيزياء لا يمكنها ديناميكيًا تحديد أي الجسيمات والحقول موجودٌ بالفعل وما إذا كان الفضاء نفسه موجود، أو بشكل أكثر شمولًا، ما هي طبيعة الوجود. ولكن ذلك تحديدًا هو ما يمكن في سياق نظرية الحقل الكمي الحديثة في الزمكان المنحني

التوافق المباشر، الأفلاطوني، مع النظريات الفيزيائية لطبيعة الواقع، كما حدده واينبرج، تونج، وربما كراوس، محفوف المشاكل: فأولا، النظريات معروف أنها مؤقتة. لا يمكننا ان نعرف إذا كان في يوم من الأيام سيتم استبدال نظرية المجال الكمي مع نموذج آخر أكثر قوة لا يذكر الحقول بتاتا (أو جسيمات دقيقة في هذا الشأن). ثانيا، كما هو الحال مع جميع النظريات الفيزيائية، نظرية المجال الكمي هي نموذج واحد — اختراع بشري. نحن نختبر نماذجنا لمعرفة ما اذا كانت تعمل. ولكننا لا يمكننا أبدا أن نكون على يقين، حتى النماذج التنبؤية الدقيقة جدًا مثل مدى توافق الديناميكا الكهربائية الكمومية مع «الواقع». حتى يزعموا أنهم يستخدمون الميتافيزيقا. إذا كانت هناك طريقة تجريبية لتحديد الواقع في نهاية المطاف، سيكون من الفيزياء، وليس الميتافيزيقا. ولكن على ما يبدو ليس هناك طريقة.

من وجهة نظر الذرائعيين (البرجماتيين)، ليس لدينا أي وسيلة لمعرفة ما يشكل عناصر الحقيقة المطلقة. ومن هذا المنظور، يشكل الواقع قيدًا لما نلاحظه. وليس من الضروري وجود تناظرمع النماذج الرياضية التي يخترعها العلماء النظريون لوصف تلك الملاحظات. وعلاوة على ذلك، فإنه غير مهم. ليس على هذه النماذج إلا أن تصف الملاحظات، ولا تحتاج الميتافيزيقا للقيام بذلك. وقد يكون البروز التوضيحي لنماذجنا هو جوهر الرومانسية العلمية ولكنه يلعب دورًا ثانويًا لقدرته الوصفية والتنبؤية. وتعد ميكانيكا الكم مثالًا قويًا على ذلك بسبب فائدتها الواضحة على الرغم من افتقارها لتفسير فلسفي متفق عليه.

وبالتالي فإن أولئك الذين يحملون وجهة نظر أفلاطونية للواقع مخادعين عندما يحطون من قدر الفلسفة. فهم يتبنون عقيدة واحد من أكثر الفلاسفة تأثيرًا على الاطلاق. ما يجعلهم فلاسفة أيضًا.

ليس كل علماء الفيزياء الذين ينتقدون الفلاسفة أفلاطونيون بالكامل، على الرغم من أن العديد منهم يكونون على مقربة منه عندما يتحدثون عن العناصر الرياضية لنماذجهم والقوانين التي يخترعونها كما لو كانت مبنية في نسيج الكون.

ليس كل علماء الفيزياء الذين ينتقدون الفلاسفة أفلاطونيون بالكامل، على الرغم من أن العديد منهم يكونون على مقربة منه عندما يتحدثون عن العناصر الرياضية لنماذجهم والقوانين التي يخترعونها كما لو كانت مبنية في نسيج الكون. والواقع أن اعتراضات واينبرج، هوكينج، ملودينوف، كراوس، وتايسون تكون أفضل عندما تكون موجهة إلى الميتافيزيقا وتفشل في إظهار التقدير الكافي، في رأينا، للمساهمات الحيوية في الفكر الإنساني التي لا تزال قائمة في مجالات مثل الأخلاق وعلم الجمال والسياسة و، ربما الأهم من ذلك، نظرية المعرفة. يدفع كراوس ضريبة كلامية عن هذه المواضيع الهامة، ولكن ليس بالحماس المطلوب.

وبطبيعة الحال، يكتب هوكينج وملودينوف مع قلقهما بشأن الكون – وعندما تعترضهما محاولات ميتافيزيقية لتفسير الأسئلة الوجودية المطلقة، يصبحان صحيحا الرأي تمامًا. الميتافيزيقا ومضارباتها البروتو-كونية، المفسرة على أنها فلسفة، كانت في العصور الوسطى تعتبر خادمة لللاهوت. ويقول هوكينج وملودينوف إن الميتافيزيقيين الذين يرغبون في التعامل مع القضايا الكونية ليسوا مؤهلين علميا بما فيه الكفاية لتقديم مساهمة مفيدة. ولأغراض كونية، ماتت الميتافيزيقا العشوائية، و حلت محلها فلسفة أكثر استنارة وهي فلسفة الفيزياء، وسيختلف القليلون بشأن ذلك، باستثناء علماء الدين.

عادل كراوس انتقاداته الأكثر شراسة في فلسفة العلوم، ونشير إلى أنه كان يمكن أن يكون أكثر إيجابية إن استهدف جوانب معينة من الميتافيزيقا. وقد قام أندرسن بإجراء مقابلة شخصية، لصالح مجلة «ذا اتلانتك»، معه بشأن ما إذا كانت الفيزياء جعلت الفلسفة والدين مهملين. وعلى الرغم من أنها لم تفعل ذلك للفلسفة، إلا أنها فعلت ذلك للميتافيزياء الكونية (والادعاءات الدينية التي تعتمد عليها، مثل حجة «الكلام» البائدة التي تشحذ من اجل ضرورة وجود الخالق). بالتأكيد كان لكراوس محاولات ميتافيزيقية للتكهن بشأن أمور الكون، على الأقل جزئيًا، نظرا إلى أن المقابلة تناولت كتابه عن علم الكونيات.

أيا كانت فروع الفلسفة التي تستحق التقدير، فإن الميتافيزيقا ليست من بينها. المشكلة واضحة ومباشرة

أيا كانت فروع الفلسفة التي تستحق التقدير من الأكاديميين والجمهور، فإن الميتافيزيقا ليست من بينها. المشكلة واضحة ومباشرة. الميتافيزيقا تزعم انها قادرة على ربط نفسها ،إلى واقع — لوصف مقبول للواقع، ولكن ليس هناك طريقة لمعرفة إذا كانت تستطيع ذلك بالفعل.لذلك، على الرغم من أن علماء الفيزياء البارزين الذين ذكرناهم، وغيرهم من نفس المدرسة الفكرية، لهم الحق في أن يذموا الميتافيزيقا الكونية، نحن نشعر أنهم مخطئون جدًا إذا كانوا يعتقدون أنهم قد عزلوا انفسهم تماما عن الفلسفة. أولا، وكما سبق وشددنا على الامر، فإن أولئك الذين يروجون لواقعية الجسيمات الرياضية من نماذجهم هم في الواقع يسبحون في بحيرة الميتافيزيقا الأفلاطونية سواء كانوا يعرفون ذلك أم لا. ثانيًا، أولئك الذين لم يتبنوا الأفلاطونية صراحة، مازالوا يطبقون التفكير المعرفي في تصريحاتهم عندما يؤكدون على أن الملاحظة هي مصدرهم الوحيد للمعرفة.

هوكينج وملودينوف رفضا الأفلاطونية بوضوح عندما قالا، «ليس هناك تصور أو نظرية مستقلة عن الواقع». وبدلا منها، يؤيدون مذهب فلسفي يسمونه «الواقعية المعتمدة على نموذج» ، وهو «فكرة أن النظرية المادية أو التصور للعالم هو نموذج (عمومًا بطابع رياضي) ومجموعة من القواعد التي تربط عناصرالنموذج بالملاحظات.» ولكنهم يجعلون الأمر واضحًا أن «من غير المجدي أن نسأل ما إذا كان النموذج حقيقيًا أم لا، ولكن علينا أن نتسأل فقط ما إذا كان يتفق مع الملاحظات أم لا».

لسنا متأكدين كيف تختلف «الواقعية المعتمدة على نموذج» عن الذرائعية. ففي كلتا الحالتين يشغل الفيزيائيون أنفسهم فقط بالملاحظات، وعلى الرغم من أنهم لا ينكرون أن الملاحظات تمثل نتيجة لبعض الحقائق المطلقة، فإنهم لا يصرون على أن النماذج التي تصف هذه الملاحظات تتوافق تمامًا مع هذا الواقع. وعلى أي حال، هوكينج وملودينوف يتصرفان كما يتصرف الفلاسفة – أو على أقل تقدير، علماء المعرفة – من خلال مناقشة ما يمكننا معرفته عن الحقيقة المطلقة، حتى لو كان جوابهم هو «لا شيء».

يفكر كل من النقاد البارزين في الفلسفة، الذين ناقشنا وجهات نظرهم، بعمق شديد حول مصدر المعرفة الإنسانية. وهذا معناه أنهم جميعًا علماء معرفة. وأفضل ما يمكن أن يقولوه هو أنهم يعرفون عن العلم أكثر من (معظم) الفلاسفة المتمرسين، ويعتمدون على الملاحظة والتجربة وليس محض الفكر – وهذا لا يعني أنها ليست فلسفة. بالتأكيد إذًا، الفلسفة لم تمت. يتم تطبيق هذا التعيين بشكل أكبر على مجالات التفكير والبحث النقية، مثل تلك التي تشكل الميتافيزيقا الكونية.


  • فيكتور شتينجر (1935-2014): أستاذ فخري للفيزياء في جامعة هاواي وأستاذ مساعد في الفلسفة في جامعة ولاية كولورادو. ومؤلف الكتاب الأكثر مبيعا من نيويورك تايمز God:The Failed Hypothesis: How Science Shows That God Does Not Exist. وأحدث مؤلفاته كتاب God and the Multiverse: Humanity’s Expanding View of the Cosmos.
  • جيمس أ. ليندسي: الحاصل على دكتوراه في الرياضيات ومؤلف كتاب God Doesn’t; We Do: Only Humans Can Solve Human Challenges و Dot، Dot، Dot: Infinity Plus God Equals Folly.
  • بيتر بوغوسيان: أستاذ مساعد في الفلسفة في جامعة ولاية بورتلاند وعضو هيئة التدريس التابعة لها في ولاية أوريغون للصحة والعلوم في شعبة الطب الباطني العام. وهو مؤلف واحد من أكثر الكتب مبيعا A Manual for Creating Atheists.