هل تتحول الديكتاتورية إلى علم له منهجه وأدواته؟ وهل الديكتاتور شخص يتحرك وفق منطق ورؤية؟ وهل تستعين الديكتاتورية بعلوم مختلفة كعلم النفس والاقتصاد لترسيخ وجودها وإطالة أمدها في السلطة؟ وما هي الأداة الأقوى للديكتاتورية الاقتصاد أم الأمن؟ وما هي علاقة الديكتاتورية بالبيروقراطية؟

أسئلة كثيرة يطرحها كتاب «الاقتصاد السياسي للديكتاتورية»* للباحث الكندي رونالد وينتروب، وهو أكاديمي مختص في الاقتصاد. فرغم أن الديكتاتورية هي أكثر الأنظمة التي عرفتها البشرية حضورًا في الحكم، فإنها الأقل اهتمامًا في مجال الدراسة المنهجية، رغم التشابه الكبير بين الديكتاتوريين على مر التاريخ.

الكتاب فكرته رائدة، فهو محاولة لإضفاء العلمية على الديكتاتورية باعتبار أن لها قواعد ومنهجية يمكن قياسها وفهم آلياتها في التحكم. واختار وينتروب أن يبدأ بالعلاقة بين الديكتاتورية والاقتصاد، لذا جاء الكتاب مليئًا بالمعادلات والرسوم البيانية لإشاعة أجواء المنهجية على تلك العلاقة.

والحقيقة أن الديكتاتورية كنهج سلطوي يتحرك وفق رؤية وقواعد، ترتبط بأهداف وغايات، فالديكتاتور ليس رجلًا عفويًا في فكره وممارسته، ولكن ربما تمتع بذكاء كبير ومعرفة واسعة، ومن الخطأ النظر بسطحية إلى الجانب «البهلواني» في الديكتاتور، سواء في حركاته أو كلماته؛ لأنها قد تكون خادعة.

يوجد نوعان من الديكتاتورية؛ الأول: شمولية، وتتسم بالتدخل الحكومي الهائل في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، وهو تدخل تحفزه أهداف أيديولوجية، والتدخل هنا ليس ضد الفعل فقط ولكن ضد الفكر أيضًا. أما النوع الثاني، فهو ديكتاتورية القمع الناعم حيث تكتفي السلطة بقمع مواطنيها دون التوغل في شئونهم الحياتية.


أدوات الديكتاتورية

إذا أراد الديكتاتور أن يحافظ على استمراره، فلا بد له أن يخلق مؤسسات تدير عمليات القمع ومؤسسات أخرى تعيد عملية توزيع الثروة والموارد. طبيعة التحكم في تلك المؤسسات يحدد شكل الديكتاتورية، واستخدام الديكتاتورية للأداة الاقتصادية يفترض أن الديكتاتورية تتمتع بقدر من الرشاد لتختار أفضل الطرق للهيمنة. فالديكتاتورية عادة تستخدم أداتين لبناء قوتها السياسية والحفاظ عليها: أولاهما القمع، فتزيل أي تهديد من المعارضة وذلك بجعلها خارجة عن القانون، وهذا يستنزف جزءًا من موارد الدولة الاقتصادية. أما الأداة الثانية فهي العطايا، وتستنفد هي الأخرى الموارد، فالديكتاتورية مُكلِّفة اقتصاديًّا.

والقاعدة تقول إن كمية الولاء التي يتمتع بها الديكتاتور تشبه السلعة في النظام الرأسمالي، تكون ثابتة على المدى القصير، لكنها قابلة للتغير على المدى الطويل، لذا يسعى الديكتاتور من خلال العامل الاقتصادي إلى خلق اعتقاد مزيف لدى المواطنين بأنه الأفضل لحماية مصالحهم، وهذا يضيف عبئًا اقتصاديًّا جديدًا على الديكتاتورية يتمثل في تكلفة التواصل مع الجماهير لإقناعها بالمشاريع التي ينفذها.

ويمزج الديكتاتور بين القمع وبناء الولاءات. القمع يكون من خلال اللجوء إلى الأجهزة الأمنية، أما بناء الولاء فيلعب الاقتصاد دورًا حاسمًا في خلقه واستمراره من خلال العطايا والهبات. وإذا كان القمع يفرض قيودًا على الحريات، يحتم على الديكتاتور أن يتعامل حتى مع أجهزته الأمنية بنوع من الحذر البالغ، وأحيانًا ينشئ أجهزته القمعية ثنائية الهيكل، وبينهما تنافسية، ليضمن خضوعها الدائم له وإنجازها لمهامها المكلفة بها،فإن بناء الولاء يتأتى بمنح الامتيازات التي تفترض أن يمتلك الديكتاتور كثيرًا من الموارد تحت يديه ويتصرف فيها بلا قيد أو رقابة.

هنا تأتي إحدى معضلات الديكتاتورية مع الاقتصاد، فهل من الواجب على الديكتاتور العمل على تحقيق التنمية الاقتصادية ليتحكم في قدر هائل من الموارد تُمكنه من خلق الولاءات؟ أم يلجأ إلى الضرائب والمصادرات؟ وما هو تأثير كلا النهجين على التوسع في القمع وبناء الأجهزة الأمنية؟

في ديكتاتورية القمع الناعم، يلاحظ الكاتب أن التحسن في الأداء الاقتصادي ينتج عنه زيادة في الولاء وانخفاض في مستوى القمع السياسي، لدرجة أن الديكتاتور قد يفوز في انتخابات حرة، لكن هذا يقوِّض الديكتاتورية مع الزمن ويسمح بنشوء مراكز قوة داخل الدولة، كما أن تحسن حال المواطن مقابل السلطة يمنحه هامشًا للاعتراض، وعندها يكون مأزق الديكتاتورية وخياراتها الحرجة بين السماح بالديمقراطية أو النكوص من جديد إلى القمع، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي، فيزداد الاحتقان الشعبي، فيلجأ الديكتاتور إلى مستويات أعلى من القمع، وهكذا تنتج الديكتاتورية نفسها بفعل العامل الاقتصادي.

والخطأ الكلاسيكي لديكتاتورية القمع الناعم هو تجاوب الديكتاتور مع سوء الأحوال الاقتصادية بتخفيض مستوى القمع، فعندها تتدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية معًا، وتصاب البلاد بما يشبه الفوضى وتصبح الفرصة مهيأة للتغيير السياسي.


هدايا الديكتاتورية

منذ خمسمائة عام قبل الميلاد كان الإمبراطور الروماني يمنح الجيش العطايا، ويمنح مجلس الشيوخ المزايا، أما الشعب فنصيبه الخبز والسيرك؛ الخبز ليبقى حيًّا، والسيرك ليلهو. أما الديكتاتور، فينطلق ليمارس سلطته بلا قيد. والعطايا شائعة في الديكتاتوريات منذ القدم، وهناك طبيعة تبادلية للهدايا، فللهدية وظيفة سياسية، بل يصل الحال ببعض الديكتاتوريات إلى اعتبار كل عمل تقوم به هو هدية للشعب تستوجب الشكر عليها، وأن على الشعب أن يدفع مقابلها ولاءً للزعيم. ومن ناحية أخرى، ترسخ الهدية فكرة ملكية الديكتاتور لأصول الدولة مواردها.

وفي إطار الأنظمة العسكرية يكون الاعتماد على هيئة الضباط للاحتفاظ بالسلطة، وأظهرت التجارب التاريخية أن النظم العسكرية لا تمتلك القدرة على السماح بالمشاركة السياسية داخل أطرها، وفي حال تشكيلها لتنظيمات مدنية فإنها لا تسمح لها بمشاركة حقيقية.

ورغم امتلاك الأنظمة العسكرية لأدوات القمع وتحكمها في كثير من الموارد فإن تلك الأنظمة تكون غير مستقرة لأسباب متنوعة، لعل أهمها هو رغبتها في زيادة الميزانية العسكرية خاصة مرتبات الضباط وحوافزهم، وكذلك ميزانية التسلح، لذا تكون غالبية أهداف الديكتاتورية العسكرية تعظيم منافع الجيش من موازنة الدولة، وربما حصرت تلك الاستفادات المادية في طبقات معينة من الضباط دون أخرى، فتدمر بذلك التماسك العسكري والانضباط الذي يميزها، وتفتح الباب أمام انقلاب عسكري جديد يهدف إلى إعادة هيكلة موازنة الجيش من جديد لإرضاء الفئات العسكرية المهمشة في الانقلاب الأول. ومع توالي الانقلابات والانقلابات المضادة يضطر العسكريون إلى الانسحاب طواعية تاركين الحكم لمدنيين، ولكن ذلك الانسحاب يكون – غالبًا – مصحوبًا بمكافأة كبيرة للجيش تُرضيه وتُقنعه بالعودة إلى ثكناته وإعادة التماسك بين مكوناته.

والجيش هو المتلقي الرئيسي لهدايا الديكتاتور، وقد كانت المعادلة غير المكتوبة بين الديكتاتور والجيش منذ الإمبراطور الروماني كلودياس أن المنح مقابل قسم الولاء للحاكم. ومع تزايد المنح، تحولت الإمبراطورية إلى جهاز إداري بشع لجمع الضرائب والمصادرات لتوفير الموارد للديكتاتور ليمنح جزءًا منها للجيش ليستمر في طاعته، وتحولت المنح في بعض الديكتاتوريات إلى إقطاعات ومخصصات لقادة الجيش أرهقت الاقتصاد وخلقت المجاعات.


اقتصاد الأوامر

الموازنة تفرض قيدًا على الديكتاتور، لذا تلجأ الديكتاتورية إلى زيادة مستوى القمع في ظل ضعف الموارد والإيرادات كبديل عن تحصيل الولاء، وهنا تنكمش الديكتاتورية لتدير القمع فقط، فتصبح سيطرتها على السلطة مهددة، بعدما فقدت قدرتها على الاستثمار في بناء الولاء، وتلجأ بعض الديكتاتوريات خاصة الشمولية إلى احتكار الوظائف التي توزع كعطايا على إبداء الولاء للديكتاتورية، ويلاحظ هنا أن تراكم السلطة للديكتاتور يقود إلى استخدام السلطة في الحصول على المال للاستمرار في تحصل القوة والسلطة، فتتخذ المؤسسة الاقتصادية للديكتاتورية أشكالًا متنوعة في التجارب المختلفة، وعندها يتحول الديكتاتور إلى “قاطع طريق مستقر” هدفه تحصيل الإيرادات لتحقيق القوة التي تحقق الهيمنة والانفراد بالسلطة.

وقد لجأت بعض الديكتاتوريات إلى الاقتصاد المخطط لتحقيق التنمية وتوفير الموارد، فاستبدلت قوى السوق بنظام التخطيط الاقتصادي المركزي. وإذا أخذنا في الاعتبار طبيعة المعلومات التي ترفعها الهياكل الإدارية للسلطة التي تكون غالبًا مضللة ومزيفة، فإن الخطط الاقتصادية والمشاريع تأتي بعيدًا عن احتياجات المواطنين ومتطلبات التنمية، فتستثمر الديكتاتورية في المكان الخطأ وبطريقة كارثية، فتقمع الأسواق وتسبغ البيروقراطية على النشاط الاقتصادي، ولا يبقى أمامها إلا القمع لمواجهة إحباط التنمية وقسوة المعيشة.

وفي ظل هذا المناخ يظهر اقتصاد الظل والرشوة والفساد والسوق السوداء لتكون الفاعل الرئيس في الاقتصاد الديكتاتوري، فمثلًا الإنتاج في النظام السوفيتي كان يتم من خلال جهاز بيروقراطي واحد، وكان تنظيمه يخضع إلى الأيديولوجية الشيوعية، وفي ظل هذا النظام يحدث اختلال بين النمو والكفاءة من الناحية الاقتصادية، وتميل المؤسسات إلى الضخامة في التوظيف الذي يرتكز في الأساس على الولاء وليس المنافسة، وتغيب قضية تعزيز الإنتاجية إلى تعزيز الثقة التي تعد المدخل الرئيسي للترقي الوظيفي، فتختفي الكفاءات مقابل نمو المحسوبيات والرشاوى والأقدمية، وينمو التنافس بين البيروقراطيات للحصول على الثقة فتهوي الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية إلى مستوياتها الدنيا.

ومن ناحية الأوامر تلجأ الديكتاتورية إلى إعادة توزيع الدخل والثروة بما يحقق لها الانفراد بالسلطة، كما تلجأ إلى الاحتكار للمشاريع والموارد العملاقة والاستيراد والوكالات التجارية في الدولة لتبقى الأنشطة الاقتصادية المهمة في قبضتها.

هل الديكتاتورية مفيدة اقتصاديًّا؟ طرح الكتاب هذه الإشكالية مع نجاح بعض الديكتاتوريات في تحقيق قدر من النمو الاقتصادي مقارنة بفشل أنظمة ديمقراطية في هذا الجانب. ورأى الكاتب أن الديكتاتورية تتمتع بميزة، وهي قدرتها الواسعة على التصرف سواء بالصواب أو الخطأ مقارنة بالديمقراطيات التي قد تصاب بالشلل في حالة الانقسامات والصراع الحزبي.

ورغم ذلك، فإن النظم الديكتاتورية يظل اقتصادها بلا ميزة، فالديكتاتوريات طاردة للاستثمارات، واستخدام الانضباط وخفض الأجور مع العمال أضعف كفاءتهم وإنتاجيتهم، كما أن غالبية المستفيدين من النمو الاقتصادي الديكتاتوري كانت الطبقة العسكرية والأمنية والحزبية، وهو ما يعني نشأة نخب مغلقة للغاية محتكرة للسلطة والنشاط الاقتصادي.


* الكتاب صادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة في طبعته الأولى 2017 في (540) صفحة بترجمة جلال البنا وإبراهيم أحمد إبراهيم.