أربع أطفال كل دقيقة، بواقع 240 طفلًا كل ساعة، و5760 طفلًا يوميًا، وأكثر من 21 مليون طفل سنويًا. هذه هي معدلات الإنجاب في مصر وفق إحصائيات للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

لا يكاد الحديث عن مشكلة الزيادة السكانية في مصر ينتهي، حتى يبدأ مجددًا بوتيرة أعلى وبجدية أكبر تظهر إلى العلن في أحاديث مسئولي الدولة وفي جملة من الحملات التوعوية بأهمية «تنظيم النسل» والتأكيد على أن الزيادة تهديد للأمن القومي.

حلول كثيرة اتبعتها الدولة ووزارة الصحة وكل الجهات المعنية مجتمعة، من مؤتمرات وندوات وحملات توعية؛ إلا أنها لم تفلح في خفض معدلات الزيادة السكانية خاصة في القرى والنجوع في الصعيد التي تنظر إلى الأبناء على أنهم «عزوة»، ولجأت تاليًا إلى تنفيذ التجربة الغربية بابتداع قوانين تُجبر المواطنين على تحديد النسل، عبر منع خدماتها عن الأطفال الذين يُنجبون زيادةً على ما حددته في أتون القانون.

البعض يرى أن ذلك أمر غير منطقي مُعللين أن البشر ثروة اقتصادية، وأن الدولة عليها أن تجد الطرق السليمة والآمنة لاستثمار الطاقات البشرية في عملية التنمية والارتقاء بالمجتمع، بينما فريقٌ آخر يرى أن القانون يُحرم ما حلل الله.


فتاوى تحكمها سياسات الدولة

جعل الله النسل أسمى أهداف الحياة الزوجية التي شرعها بين عباده، ودعا إلى حفظها لقوله تعالى:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْـسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا. (سورة النساء – آية 1)

بما يُشير إلى أن الله – عز وجل – حظر على الزوجين تدبير موانع تعمل على توقيف النسل توقيفًا تامًا، لأن الحياة تحتاج إلى الأجيال المتتابعة والمواكب البشرية الكثيفة، لكنّه أباح للأفراد تنظيم النسل بطرق سليمة في بعض الأحوال دفعًا للضرر عن الوالدين أو عن الأولاد، دون أن يكون ذلك مفروضًا بقانون من الدولة، باعتباره أمرًا فرديًا لا يجوز فيه التعميم أو التحديد.

لكن بعض المجتمعات ألزمت شعوبها بتحديد النسل، كالصين، التي تمنع الأزواج من إنجاب أكثر من طفل واحد، غير أنها جنت عواقب وخيمة لالتزامها ذلك، فعانت من اختلال النسبة بين الشيوخ والشباب بين أفرادها، مما اضطرها إلى التراجع عن القانون، ناهيك عن قبولها لهجرة الأجانب إليها.

اليوم مصر تتخذ ذات السبيل في إقرار قانون لتحديد النسل، ومنع الخدمات الاجتماعية عن الأسر التي يزيد عدد أولادها على اثنين تدريجيًا، حتى تلاشيها مع وصول عدد الأولاد إلى ستة!

وفي هذا الإطار ولأن التحديد يتنافى مع شريعة الله في خلقه، دأبت الدولة وحكومتها على الإيعاز للعلماء بالخروج بفتاوى من شأنها أن تُعزز نظرتها في تحديد النسل لتتمكن وفق ما تدعي من المضي قدمًا في مجال التنمية، وقبل أيام خرج علينا د. شوقي علّام، مفتي الجمهورية، ليؤكد أن تنظيم النسل جائز شرعًا، وأن لجوء الزوجين إلى إحدى وسائل تنظيم عملية الإنجاب بما يتناسب مع ظروفهما الاقتصادية والاجتماعية لا ينطبق عليه التحذير من قتل الأولاد خشية الإملاق، باعتبار أنهم لم يتكونوا بعد، مشددًا أن تنظيم النسل لا تأباه نصوص الشريعة وقواعدها، قياسًا على «العزل» الذي كان معمولًا به في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم.

وقال علّام في حوار على قناة «الناس» الفضائية:

إن الزيادة السكانية الهائلة في مصر تتطلب علاجًا حاسمًا لتفادي الأزمات الاقتصادية المترتبة عليها.

نافيًا أن تتعارض عملية تقنين الإنجاب مع المشيئة الإلهية، بل إنها تتسق مع بعض النصوص الشرعية التي تدعو إلى رخاء الإنسان وتحقيق استقراره.

يؤكد المفتي أن تنظيم النسل بسبب الخوف من حصول المشقة والحرج بكثرة الأولاد والتكاليف غير منهي عنه شرعًا، كونه يأتي من باب النظر في العواقب والأخذ بالأسباب، وتابع أن عملية الإعالة لا تتعلق فقط بالجانب المادي، بل تتعداه إلى التنشئة الدينية والعلمية والأخلاقية وكذلك التنشئة الجسدية، وهو ما يزيد المشقة على الأبوين بتوفير العناية المادية والمعنوية لأبنائهم خاصة الأسر كبيرة العدد.


مشروع «اثنين كفاية»

لم يفتأ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يذكر الزيادة السكانية الهائلة وخطورتها على عملية التنمية، حتى أنه وصفها في المؤتمر الوطني الرابع للشباب بالإسكندرية 2017 بأنها بالإضافة إلى الإرهاب أكبر خطرين يواجهان مصر، وقال:

مطالبًا الأسر بالتفكير الجيد قبل الإنجاب، تجنبًا لظلم الأولاد بحرمانهم من الرعاية والعناية اللازمتين خاصة في ظل ضعف موارد الدولة وعدم كفايتها مع الزيادة المضطردة.

واستجابة لدعوة الرئيس، بدأت الحكومة العمل على التمهيد لبعض الإجراءات الخاصة بخفض معدلات المواليد، بدءًا من تدشين حملات قومية لحث المقبلين على الزواج والمتزوجين حديثًا بضرورة تنظيم النسل والاكتفاء بطفلين، وانتهاءً بطرحها لقانون بعنوان «اثنين كفاية»، والذي يقضي بذلك ويُحذر من تقليص خدمات الدولة الاجتماعية والصحية بدءًا من الطفل الثالث إلى حين أن تنتهي بالطفل السادس – بحسب القانون – وذلك بهدف السيطرة على حالة الانفجار السكاني.

يستهدف مشروع «اثنين كفاية» مليونًا و148 ألف سيدة، ويعمل على تنفيذ 342 ألف زيارة من أجل التوعية المباشرة ورفع وعي السيدات في الفئة العمرية بين 15 – 45 عامًا، بمفهوم الأسرة الصغيرة وضرورة المباعدة بين الولادات من أجل ضمان حياة صحية واجتماعية أفضل لأطفالهن، كما يستهدف تطوير وتجهيز 70 عيادة تنظيم أسرة داخل الجمعيات الأهلية، وتخصيص 100 مليون جنيه من صندوق إعانة الجمعيات لنشر مبادرة 2 كفاية في المحافظات الأكثر كثافة سكانية ومنها الجيزة، وبنى سويف، وقنا، والمنيا، وأسيوط، وسوهاج، والبحيرة، وأسوان، والفيوم والأقصر.


بين التأييد والرفض

إن الزيادة السكانية تقلل فرص مصر في التنمية.

انقسم المصريون إلى فريقين بين مؤيد لآليات الحكومة في تنظيم النسل وخفض الزيادة السكانية، وبين معارض له واعتباره مخالفًا لسنة الله في خلقه ولشريعة الإسلام التي تُشجع على زيادة النسل.

المؤيدون كانوا ممن تولوا وجهة نظر الدولة، اعتبروا أن بعض المعتقدات الدينية الخاطئة كانت سببًا في حالة الانفجار السكاني التي أصبحت عليها مصر في السنوات الأخيرة، حيث أشارت «آمنة نصير» عضو مجلس النواب إلى أن الأحاديث النبوية التي يستند إليها الإسلاميون في الدعوة للإكثار من النسل، ومنها قوله – صلى الله عليه وسلم:

تناكحوا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة.

كان في وقت كان فيه المسلمون بضع مئات، وبيّنت أن تلك المعتقدات جعلت السكان مليارات، وأضافت أن عملية تقنين الإنجاب كان معمولًا بها في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم – حيث كان العزل. وطالبت أصحاب الخطاب الديني بالموازنة بين الأحاديث النبوية ومستجدات العصر، مستندة في مطالبتها تلك إلى قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم:

إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا.

أما المعارضون وغالبيتهم من المواطنين العاديين، فهم يرفضون فكرة تطبيق قانون إجباري على حياتهم لتحديد النسل، مؤكدين أن أزمة مصر لا تكمن في عدد السكان فقط، وإنما في الإمكانات المتاحة في الدولة، وأجمعوا على أن الحل في التوعية.

فالبعض ظروفه الاجتماعية والصحية والاقتصادية تسمح بإنجاب عدد أكبر من الأطفال، وآخرون لا يمكنهم ذلك، وقال البعض إن تطبيق القانون لن يمنع المواطنين من التحايل عليه، بعدم تسجيل الأبناء للتهرب من الغرامة المالية، وقال آخرون إن الدين والعادات والتقاليد والثقافة المصرية ترفض هذه القوانين.