في نفس التوقيت من كل عام ومع بدء ماراثون الدراما يبدأ موسم آخر وماراثون موازٍ. الإعلانات أصبحت أكبر من مجرد وسيلة لإخبار الجماهير عن منتج أو شركة أو خدمة أو مؤسسة خيرية.في كل عام ينتظر المشاهد إعلانات بعينها، لمؤسسات بعينها، ليعرف ماذا سيقدمون هذا العام؟ كيف بإمكانهم أن يجذبوا الجمهور هذه المرة؟ من النجوم المشاركون في الإعلان؟ هل ستعلق الأغنيات بذهن المشاهد هذا العام؟ الشركات نفسها تعوّل على موسم الإعلانات الرمضاني هذا٬ حتى لو لم يكن هناك علاقة بين الإعلان الجديد وبين نسب المبيعات٬ لم يعد أصلاً الأمر خاصًا بنسب المبيعات بل بمدى تواجد هذه المؤسسات على الأرض في الواقع بين الناس وخلال حديثهم٬ هذا هو ما تحققه إعلانات الموسم الرمضاني وهذا هو التحدي الذي تواجهه الشركات كل عام.


اتصالات تربح المعركة

كل عام ينتظر المشاهد إعلانات شركات الاتصالات ويتناقل المشاهدون الأغنيات التي تصاحب تلك الإعلانات وتظل في الذاكرة طويلاً كأغنية مستقلة. بالطبع لا زلت تذكر «عشان لازم نكون مع بعض .. عشان شايلانا نفس الأرض» التي كانت شعارًا لإعلان موبينيل 2012. موبينيل نفسها لم تعد موجودة ونحن لا زلنا نذكر الأغنية، الحملات الإعلانية لشركات الاتصالات أصبحت فقرة ينتظرها المتفرج. نجوم وأغنيات وربما استعراضات أيضًا، تتبارى الشركات في صنع إعلان مبهر وجذاب تدفع فيه ملايين كي تحتل الوجدان الجمعي للجمهور.هذا العام يربح إعلان اتصالات السباق. استطاع الإعلان بذكاء أن يجتذب كل الشرائح تقريبًا باستخدامه وجوهًا مختلفة والتعامل معها بخفة دم وحرفية، سميرة سعيد كصوت لا يختلف عليه أحد تقريبًا، ثم استغلال «تريند» أحمد فهمي في أدوار الخائن مؤخرًا. نيللي كريم تتحدث عن النكد الذي أصبح إفيه خاصًا بها وحدها، وتتحدث عنه بخفة دم، ثم تريند آخر هو شيرين رضا، ولا بأس أن نجتذب الجمهور الأصيل فنأتي بعلي الحجار، وبالطبع حصان اتصالات الرابح محمد رمضان. توليفة لم تخب ونجحت في وضع إعلان اتصالات على قمة إعلانات شركات الاتصالات هذا العام.أما شركة أورانچ فقد صنعت إعلانًا لا يمكن وصفه بالجمال. موسيقى الأغنية هي موسيقى فيلم شمس الزناتي لسبب مجهول لا يمكن استنباطه. النجوم المشاركون رغم أنهم محبوبون فعلاً – ظافر العابدين ودنيا سمير غانم مثلاً – إلا أن ظهورهم مائع لم يعلق بالذهن، ثم محمد منير! ألم تنتهِ أيامه منذ أمد بعيد؟ ألا زال أحد يراه مناسبًا للترويج؟ أما إعلان We لم يكن على مستوى إعلانات رمضان، إعلان عادي بلا نجوم أو أغنية أو إبهار، يمكن أن يعرض في أي وقت.أما فودافون فقد صنعت الإعلان الأضخم على الإطلاق٬ نجوم المنتخب ونجوم الدراما ومدحت شلبي٬ سكريبت وأغنيات وتمثيل٬ إعلان ضخم جدًا يليق بشركة عالمية٬ مشكلته أنه أضخم من اللازم ولذلك أعجب الجمهور ولكنه لم يصاحبهم، غير أن هذا الإعلان يحمل ميزة إضافية، وهي أنه صالح للعرض بعد رمضان وطوال مراحل مشاركة المنتخب الوطني في مسابقة كأس العالم لكرة القدم.


مجدي يعقوب كل عام

إعلانات التبرعات قاسم رمضاني مشترك لكل الأعوام السابقة. دخول رمضان في كل عام يعني غصة في الحلق مع كل إعلان عن مستشفى أو جمعية قائمة على التشارك المجتمعي. أطفال دامعون وأسرّة مستشفيات ووجع كبير. وفي كل عام ينتقد الجمهور هذا الكم من النكد.هذا العام – للغرابة – إعلانات المؤسسات الخيرية لا تنتهج نفس النهج؛ إعلانات رصينة مبهجة، نجوم ضاحكون، وأطفال متبسمون. تكرر هذا في إعلان مستشفى أهل مصر، وإعلان جمعية رسالة، وحتى إعلان جمعية مسجد مصطفى محمود، وإعلان مستشفى بهية دون نجوم وبوجوه حقيقية وصدق كبير ودون دراما مبالغ فيها.أما الإعلان الأفضل على الإطلاق٬ والذي يحتل نفس المكانة في كل عام منذ عدة سنوات هو إعلان مؤسسة مركز د. مجدي يعقوب للقلب٬ أغنية رقيقة جدًا تحاكي الستايل القديم للأغنية الأصلية ولا تتحدث عن المرض من قريب أو بعيد٬ أطفال مبتسمون مهندمون يلعبون ويغنون أغنية رقيقة تتحدث عن الحب٬ من يمكن أن يتألم من كل هذه الرهافة؟


إعلانات جديدة وقديمة وأشياء أخرى

إعلانات الكومباوندات وشركات البناء والتعمير ومشاريع الإسكان الفاخر أصبحت شيئًا عاديًا في السنوات الأخيرة. إعلانات جيدة ولكن أن ترقى لمستوى إعلانات ماونتن فيو لدنيا سمير غانم وماجد الكدواني، فوازير ومسابقات وحملة إعلانية مكملة على السوشيال ميديا، هذا هو الجديد.هذا يوضح أن بزنس الإعلانات أصبح مهمًا وحيويًا في ثقافة الميديا الآن٬ يمكنك أن ترى ذلك في استثمار نجاح حملة إعلانات «إيچي بنك»، و«أوفة اللي محدش بيعمله حساب»٬ فتجده هذا العام كبر وأصبح موظفًا محدش بيعمله حساب أيضًا. وأيضًا استمرار استخدام نفس وجه العام الفائت لتكييفات يونيون إير فتجد بطل الإعلان اشترى التكييف ويراقب الفاتورة٬ فالإعلان لا يصنعونه وينسون أمره بل يتابعون مردوده على الجمهور ويستثمرون نجاح الأفكار ويعيدون تدويرها.


التسلية تحكم العالم

الشاهد من كل هذا الحديث أن صناعة التسلية أصبحت تتحكم في كل شيء. فالإعلان كي يفيد المنتج أو الخدمة يجب أن يكون مسليًا. أنت تبيع للجمهور الإعلان نفسه قبل أن تبيع له المنتج. هذا يجعل الإعلان ليس إعلانًا بالمعنى المفهوم ولكن أغنية وتمثيل وتصوير وكادرات وإكسسوارات. الموضوع أكبر من أن تبيع فكرة.هذا العام مثلاً تجد معظم الإعلانات تستغل صعود المنتخب لكأس العالم في صناعة الإعلان – إعلان قطونيل لمدحت شلبي نموذجًا – ولكن هذا يتطلب أيضًا ابتكارًا فالحدث في حد ذاته لا يخدم الإعلان تلقائيًا دون مجهود بل هناك مجهود كبير مبذول حول الفكرة كي يتقبلها الجمهور في إعلان حتى لو كان دقائق قصيرة.التسلية صناعة والإعلانات ضمن صناعة التسلية. ليس هناك أي عيب في الأموال المصروفة في صناعة الإعلان. أنت تشتري المتعة والإبهار قبل أن تشتري المنتج. ولذلك فالحديث عن الأموال «المهدورة» في الإعلانات ليس شيئًا منطقيًا بل استثمار الأدمغة الجيدة القادرة على توليد الأفكار للاستفادة منها في صناعة التسلية بشكل عام هو المنطقي.