يقوم منهج علم تاريخ الأديان على أساس أن الأديان في الشرق والغرب أسرة كبيرة تنقسم إلى أسر صغيرة، وترتبط كل أسرة فيها بمجموعة علاقات تاريخية ودينية، وترتبط الفرق والمذاهب الدينية بأصولها داخل شجرة الأديان كفرع للأديان الكبرى[1]، وهكذا يصبح لكل دين علاقات تاريخية ودينية بأديان أخرى سواء على مستوى الدين نفسه أو على مستوى العلاقة بين الفرق والمذاهب داخل كل دين والدين الآخر.

في ضوء ما سبق، فقد ظهرت في إطار دراسة العلاقة بين الأديان التوحيدية الثلاثة (اليهودية، النصرانية، الإسلام) بعض النظريات العلمية، لاسيما الاستشراقية، لوصف ودراسة هذه العلاقة بين هذه الديانات الثلاث، وكان من أبرزها نظرية «التأثير والتأثر» التي تحدثت عن وجود علاقة متبادلة من التأثير بين هذه الديانات وفرقها ومذاهبها المختلفة، وأن الدين الأقدم غالبًا ما يكون هو صاحب التأثير على الدين الأحدث من الناحيتين التاريخية والدينية[2]، ما يعني أن الإسلام وقع تحت تأثير كل من اليهودية والنصرانية.

مع ذلك، فإن هناك فرضيات علمية أخرى تقول إن الإسلام، ورغم كونه الدين الأحدث تاريخيًا، كان صاحب التأثير الأكبر والأكثر مباشرة على اليهودية والنصرانية نتيجة اتصالهما المباشر بالإسلام وتأثرهما بطريق مباشر أو غير مباشر بالنقد الإسلامي لهما؛ إذ تبدّى هذا التأثير بشكل واضح في بعض الفرق والمذاهب والحركات الدينية اليهودية حتى في العصر الحديث، وكان أبرزها حركة «اليهودية الإصلاحية» (Reform Judaism)، التي تعد الحركة الدينية اليهودية الأكثر تأثيرًا على اليهود في العصر الحديث[3]؛ نظرًا لما أحدثته من «ثورة دينية» هزت عرش اليهودية التقليدية في العصر الحديث.


نشأة اليهودية الإصلاحية

يعود تاريخ نشأة «اليهودية الإصلاحية» إلى العقد الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي في ألمانيا، لكنها انتشرت انتشارًا كبيرًا وواسعًا في وسط أوروبا وغربها ثم في الولايات المتحدة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، وكان من روادها عدد من الشخصيات الفكرية اليهودية البارزة في ألمانيا وشرق ووسط أوروبا، من أبرزهم المستشرق والحاخام اليهودي الألماني أبراهام جايجر (1810-1874)، والحاخام والمفكر الديني اليهودي الألماني سولومون فورمستشر (1808–1889)، والمفكر الإصلاحي اليهودي الألماني إسرائيل يعقوبزون (1786-1828)[4].

أما عن أسباب ظهور اليهودية الإصلاحية فهي متعددة، يمكن تلخيصها في ازدياد معدلات «العلمنة» في العالم الغربي، وما بدأ يدور في الأوساط اليهودية من «شكوك» حول قدسية وصحة النص التوراتي وما به من تناقضات يرفضها العقل البشري، وهو ما تزامن مع فشل اليهودية كنسق ديني في التكيّف مع الأوضاع الجديدة التي نشأت في المجتمع الغربي ابتداءً من الثورة التجارية وحتى الثورة الصناعية وبعدها، كذلك سقوط «الجيتو» (גטו) (المجتمع الانعزالي لليهود في أوروبا)، وما واكب ذلك من رقي العلم والثقافة في أوروبا، وظهور القوميات المستقلة، وتألق نظريات الحرية الفردية وحقوق الإنسان، علاوة على ظهور حركة الإصلاح الديني البروتستانتينية في النصرانية التي همّشت دور القساوسة والباباوات، وجعلت الكتاب المقدس مطروحًا لكل أحد يفهمه دون الحاجة إلى من يُفسره [5].

يُضاف إلى الأسباب السابقة سبب آخر، وهو وصول اليهود الحسيديم (חסידײם) ( فرقة من فرق المتصوفة اليهود المتشددة دينيًا) باليهودية إلى أقصى درجات البدع والخرافات والظلامية، وهو ما أدى إلى حالة انحطاط ديني كبير في اليهودية، ما دفع نحو ظهور اليهودية الإصلاحية لتخليص اليهودية من براثن الفكر الصوفي اليهودي المتخلف. ففي الوقت الذي كانت تسيطر فيه اليهودية الحسيدية على أفكار وأرواح، بل وأجساد يهود أوروبا وخاصة شرق أوروبا، كانت أوروبا الغربية تخطو نحو نور العلم وظهور القوميات المستقلة، ما دفع عددًا من قادة الفكر اليهودي إلى الثورة والتمرد والمناداة بتيار الإصلاح [6].

كما ارتبطت نشأة «اليهودية الإصلاحية» بنشوء ما يعرف بـ «علم اليهودية» (Wissenschaft des Judentums) في ألمانيا الذي تأثر بالنقد الغربي للكتاب المقدس وقام على أكتاف حوالي خمسين من المثقفين اليهود في برلين عام 1819م؛ إذ دعوا إلى دراسة اليهودية والتاريخ والإرث الثقافي اليهودي بشكل علمي وموضوعي، وهو ما استفادت منه الحركة اليهودية الإصلاحية التي رأت أن هذا العلم يثبت دعوتها إلى إعادة بلورة الدين اليهودي من جديد بشكل يجعله يجاري الزمان والمكان، وبالتالي التخلص من التراكمات التلمودية، وهو مبدأ استفاد منه قادة الإصلاح في مواجهة قادة اليهودية الحاخامية/التقليدية الذين رأوا أن الوحي جاء وانتهى أمره في العهد القديم (المقرا)[7].


اليهودية الإصلاحية والإسلام

اشتغلت العديد من الأبحاث العلمية في الغرب حول ظهور اليهودية الإصلاحية وعوامل نشأتها والتأثير فيها، على علاقتها بالمذهب البروتستانتي النصراني، نظرًا لأنه المذهب الذي ظهر في فترة تاريخية متواكبة تقريبًا مع ظهور اليهودية الإصلاحية، وفي نفس رقعتها الجغرافية أيضًا (ألمانيا وغرب ووسط أوروبا)، إضافة إلى وجود العديد من عناصر التشابه على المستويين العقائدي والتشريعي في كل من هذا المذهب النصراني وحركة اليهودية الإصلاحية.

رغم ما سبق، فقد ظل تساؤلاً علميًا عالقًا حول اليهودية الإصلاحية يتعلق بنشأتها وعوامل ظهورها، وكذلك الإصلاحات أو التعديلات التي طالبت بإدخالها على اليهودية، وهو هل كان النقد الإسلامي لليهودية سببًا في ظهور ونشأة اليهودية الإصلاحية؟ وهو التساؤل الذي يطرح فرضية تأثر اليهودية الإصلاحية بالإسلام.

وبإمكاننا الإجابة على هذا التساؤل بترجيح صحة الفرضية التي يطرحها وذلك لعدة أسباب، يمكن إجمالها على النحو التالي:

1. أن الأثر الإسلامي على ظهور مذاهب وفرق إصلاحية سواء في النصرانية أو اليهودية كان واضحًا جدًا لاسيما على النصرانية البروتستانتينية [8] التي تأثرت اليهودية الإصلاحية بها بشكل قوي جدا نظرًا لعوامل تاريخية ودينية وثقافية مختلفة من أهمها ظهور اليهودية الإصلاحية والنصرانية البروتستانتينية في سياق تاريخي وجغرافي واحد (ألمانيا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين)، وبالتالي فليس بالبعيد أن يكون هناك أثر إسلامي في اليهودية الإصلاحية تسرب أو انتقل إليها من الأثر الإسلامي في المذهب البروتستانتي بالنصرانية.

2. أن بعض قادة اليهودية الإصلاحية ورواد علم اليهودية كانوا من المختصين في الأعمال الاستشراقية النقدية حول الإسلام في الغرب، ومن أبرز أمثلتهم الحاخام أبراهام جايجر صاحب الكتاب الشهير الذي يحمل عنوان «ماذا اقتبس محمد من القرآن؟»، وكذلك المستشرق اليهودي الهنجاري الشهير المختص في الدراسات الإسلامية اجنتس جولدتسيهر الذي أسس كل أبحاثه ودراساته على أسس نقد أسفار العهد القديم [9]، ولا شك أنهما وغيرهما كانوا على اطلاع بالمصادر الإسلامية الدينية المختلفة التي وجهت نقدًا مباشرًا لليهودية، وإمكانية استفادتهم منها سواء لتطوير علم اليهودية أو لتدشين مذهب إصلاحي جديد أمر وارد.

3. أن اليهودية الإصلاحية نحت منحى إيجابيًا تجاه الإسلام واعترفت به وبتراثه، وذلك بشكل ضمني في إطار اعترافها بأن وثائق الأديان الأخرى (الإسلام، والنصرانية) مقدسة أيضًا لكن بشكل أقل من العهد القديم، وكان هذا الاعتراف في إطار تطوير اليهودية الإصلاحية لعدد من الأفكار الانفتاحية على كل التراث الإنساني العالمي، وبالتالي من الممكن أن يكون ذلك من العوامل التي شجعت الإصلاحيين على الاطلاع على التراث الإسلامي والاستفادة من نقده لليهودية.

4. أن هناك بعض العناصر الظاهرة في اليهودية الإصلاحية مثل الاعتراف بأنبياء وكتب كل الأديان التوحيدية، واعتبار أن مصدرها واحد، وكذلك اعتبار أن العهد القديم هو المرجعية الأساسية للفكر الديني اليهودي، كلها نشأت نتيجة النقد الإسلامي لليهودية [10].

المراجع
  1. محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان، دراسة وصفية مقارنة، دار الثقافة العربية، القاهرة، 2002، ص 238.
  2. حسن حنفي: التراث والتجديد، موقفنا من التراث القديم، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، دون تاريخ. ص 78-110.
  3. عبد الوهاب محمد الجبوري، مقدمة في الفرق الدينية اليهودية القديمة والمعاصرة، شركة دار الوراق، لندن، 2008.، ص25-26.
  4. מיכאל מאיר: "רפורמה "، מאמר בהאנציקלופדיה העברית כללית יהודית וארץ ישראלית، חברה להוצאת אנציקלופדיות، כרך 31، ירושלים 1974.עמ׳187.
  5. عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، مرجع سابق، المجلد الرابع، الجزء الثاني، الباب العاشر، ص 218.
  6. حسن ظاظا، الفكر الديني الإسرائيلي، معهد البحوث والدراسات الإسلامية، جامعة الدول العربية، القاهرة ، 1971، ص 313.
  7. نفس المرجع ، ص 50-51.
  8. للمزيد من التوثق، انظر مثلاC.Wolf, Luthur and Mohammedanism, The Moslem World .Vol. XXXI.1941. ومحمد أبو زهرة، محاضرات في النصرانية، مطبعة المدني، القاهرة 1966، وأمين الخولي، صلة الإسلام بإصلاح المسيحية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1992.
  9. زالمان شازار، تاريخ نقد العهد القديم من أقدم العصور حتى العصر الحديث، ترجمة أحمد محمود هويدي، مراجعة محمد خليفة حسن، المشروع القومي للترجمة، وزارة الثقافة، القاهرة، 2000، ص 187-190.
  10. أحمد البهنسي، القراؤون والاصلاحيون اليهود، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت 2019، ص 125.