يهتم علم الوراثة بدراسة آليات انتقال الصفات الجسدية من جيل إلى آخر في الكائنات المختلفة، من خلال آليات الوراثة، يمكن للاختلافات بين الأفراد أن تتراكم وتتسبب في تطور الأنواع من خلال الانتخاب الطبيعي لبعض الصفات الظاهرية على حساب صفات أخرى.


كيف قام البشر بتفسير توارث الصفات

كان للعلماء عبر الزمان محاولات عدة لتفسير كيفية انتقال الصفات الجسدية من جيل إلى جيل، كافتراض «ثاوفرسطس Theophrastus» أن الأزهار المذكرة تتسبب في نضج الأزهار المؤنثة وتحولها إلى ثمار (1) أو ما افترضه «أبقراط Hippocrates» بتكون ما يشبه البذور في مختلف أجزاء الجسم ومن ثم تنتقل إلى الأجيال الجديدة عند الإخصاب (2) وغيرهما، لكن تلك الافتراضات كلها لم تتجاوز حد التكهنات غير المبنية على دليل.خلال القرن الثامن عشر استطاع أنطوني فان ليفينهوك (الذي يعتبر أحد مؤسسي علم الأحياء الدقيقة microbiology) أن يرصد ما وصفه بأنه «حيوانات دقيقة animacules» في السائل المنوي للبشر وبعض الحيوانات (3) وادعى بعض العلماء أنهم قاموا برؤية بشر صغيري الحجم في السائل المنوي للإنسان، وأن كل ما تقوم به الأنثى هو احتضان ذلك البشري الصغير داخل الرحم حتى ينمو (4)، وفي المقابل ادعت مدرسة أخرى من العلماء أن الإنسان المستقبلي موجود حقيقة في البويضة التي تحملها الأم منذ البداية، وأن كل ما تقوم به الحيوانات المنوية هو تحفيز نمو تلك البويضات، حيث يعتقدون أن الأم تحمل بويضات تحوي في داخلها أجنة مذكرة وأخرى مؤنثة، وبذلك يكون جنس الجنين محددا قبل الإخصاب ولا دور للأب في تلك العملية (5).

يعود الفضل في التأسيس لفهمنا الحالي لعملية الوراثة وارتباطها بالجينات إلى «جريجور مندل Gregor Mendel» حين قام بنشر ملاحظاته عن نبات البازلاء الذي يقوم بزراعته وكيفية توارث بعض الصفات من جيل لآخر، وقد قدمت مساهمة مندل أساسًا نظريًا لكيفية أن الصفات قابلة للتوريث، وكيف يمكن توقع ظهور صفات محددة من جيل لآخر (6).


توريث العوامل فوق الجينية

أثبتت الأبحاث منذ فترة أن تأثيرات بعض العوامل البيئية فوق الجينية على التعبير الجيني عن بعض الخصائص يمكنها الانتقال من الآباء إلى الأبناء، وأحد أهم الأمثلة على تلك الظاهرة الجين الذي يطلق عليه agouti والذي يكون مرتبطا بمجموعات الميثيل في الفئران البنية، بينما تكون الفئران التي لا يكون الجين فيها مرتبطا بجموعات الميثيل صفراء اللون وتعاني من السمنة برغم التطابق الجيني بينها وبين قرائنها البنية النحيلة.

وقد أثبتت التجارب أن تغيير النمط الغذائي للأمهات الحوامل، يؤثر على نسبة الفئران البنية والصفراء بين المواليد، حيث تؤدي زيادة كميات حمض الفوليك في النظام الغذائي للأم أثناء الحمل إلى زيادة عدد الجراء البنية، بينما يؤدي التعرض لمركب بيسفينول أ Bisphenol A إلى زيادة عدد الجراء الصفراء (7). كذلك تشير الأبحاث التي أجريت على البشر الذين عاش أجدادهم في فترات المجاعة في كل من السويد (8) وهولندا (9) إلى أن التغيرات الصحية وفوق الجينية الناتجة عن المجاعة قادرة على الانتقال للأجيال التالية لمدة ثلاثة أجيال على الأقل.


دراسة جديدة

يعود الفضل في التأسيس لفهمنا الحالي لعملية الوراثة وارتباطها بالجينات إلى جريجور مندل Gregor Mendel

في أوضح إشارة إلى أن التجارب الحياتية لشخص يمكنها التأثير على الأجيال التالية، جاءت نتائج الدراسة التي أجريت على عدد من ضحايا الهولوكوست كخطوة جديدة في طريق فهمنا لكيفية توريث العوامل فوق الجينية.

حيث جاءت نتائج الدراسة التي أجراها الفريق البحثي بمستشفى جبل سيناء في نيويورك New York’s Mount Sinai hospital، بقيادة «ريتشل يهودا Rachel Yehuda» على 32 رجلا وامرأة من اليهود الذين تعرضوا إما للاحتجاز في أحد معسكرات التعذيب النازية، أو التعذيب أو شاهدوا زملاءهم يتعرضون للتعذيب أو كانوا مضطرين للهروب والاختباء خلال الحرب العالمية الثانية. كما قام الفريق البحثي بتحليل الجينات الخاصة بأبناء هؤلاء الأفراد موضع البحث الذين من المثبت أنهم أكثر قابلية للتعرض للاضطرابات النفسية مقارنة بأبناء العائلات اليهودية الأخرى التي كانت تعيش خارج أوروبا خلال الحرب.

من غير الواضح كيف تنتقل الوسوم فوق الجينية من الآباء للأبناء، حيث أن المعلومات الجينية في الحيوانات المنوية والبويضات من المفترض ألا تتأثر بالبيئة

تقول يهودا:«تلك التغيرات الجينية في الأطفال لا يمكن تفسيرها إلا بتعرض آبائهم للمحرقة». كان الفريق البحثي مهتما بشكل خاص بجزء معين من الحمض النووي حيث يتواجد أحد الجينات المختصة بتنظيم هرمونات التوتر، ومن المعروف أن هذا الجين يتأثر بالتعرض للصدمات والأذى النفسي، ولذلك كان من المنطقي البحث ومراقبة ذلك الجين بالتحديد، لأنه لو تم التأكد من انتقال ذلك التأثير الناتج عن الصدمة النفسية المرتبطة بما تعرض له الآباء في حياتهم، يمكننا القول بأن العوامل فوق الجينية قابلة للتوريث.

بالبحث وجد العلماء أن الوسوم فوق الجينية متواجدة في الحمض النووي لكل من الآباء والأبناء في نفس المكان مرتبطة بنفس الجين موضع البحث، بينما لم يتم ملاحظة ذلك الارتباط في مجموعة التحكم أو أبنائهم. بالمزيد من التحليل قام الفريق باستبعاد وجود تلك الوسوم فوق الجينية بسبب صدمة عايشها هؤلاء الأطفال بأنفسهم،وقالت يهودا:«تبعا لمعلوماتنا، فإن ذلك البحث يقدم أو إثبات لإمكانية انتقال تأثيرات التوتر العصبي الذي يتعرض له الآباء متسببا في تغييرات فوق جينية إلى الأبناء»، ومن غير المعلوم إذا كانت التغيرات الجينية التي أظهرتها الدراسة سوف تؤثر على صحة الأطفال بشكل دائم (10).

لا يزال من غير الواضح كيف تنتقل تلك الوسوم فوق الجينية من الآباء للأبناء، حيث أن المعلومات الجينية في الحيوانات المنوية والبويضات ليس من المفترض أن تتأثر بالبيئة، وكان من المعتقد أن الوسوم فوق الجينية في الحمض النووي يتم محوها تمام بعد الإخصاب، إلا أن البحث الذي تم نشره بواسطة عظيم سوراني Azim Surani وزملائه من جامعة كامبريدج أظهر أن بعض الوسوم فوق الجينية تتفادى عملية المحو بعد الإخصاب (11).

يقول البروفيسور «ماركوس بيمبري Marcus Pembrey» أستاذ علم وراثة الأطفال أن تأثيرات الهولوكوست على الجيل الثاني كان موضع بحث لسنوات عديدة، وكان التحدي الحقيقي هو إثبات أن تلك التأثيرات المنتقلة من جيل لآخر ليست ناتجة عن التأير الاجتماعي للآباء فقط أو عن وراثة الجينات بشكل عادي، وأضاف:«إن الورقة البحثية التي نشرتها يهودا حققت بعض التقدم، ما حصلنا عليه هنا يشكل بدايات فهمنا لكيفية استجابة جيل ما للتجارب الحياتية للجيل السابق له، هو صقل لطريقة استجابة جيناتنا للعالم»

المراجع
  1. Male and female in Theophrastus's botanical works
  2. The Hippocratic Treatises, "On Generation," "On the Nature of the Child," "Diseases IV"
  3. Antoni van Leeuwenhoek’s Amazing Little “Animalcules”
  4. Hartsoeker's Homunculus Sketch from Essai de Dioptrique
  5. Individual Development and Evolution: The Genesis of Novel Behavior
  6. Psychology: The Science of Behavior
  7. Nutrition and the Epigenome
  8. Change in paternal grandmothers' early food supply influenced cardiovascular mortality of the female grandchildren.
  9. Persistent epigenetic differences associated with prenatal exposure to famine in humans.
  10. Holocaust Exposure Induced Intergenerational Effects on FKBP5 Methylation
  11. A Unique Gene Regulatory Network Resets the Human Germline Epigenome for Development