عندما نقول اليوم «نسوية» أو «فيمنيزم»، يحضر إلى الذهن إلى جوار كثير من الهزل والنقد الساخر، تصور غائم عن مطالب غير واضحة نابعة من التمرد والرفض. غير أن وراء تلك الكلمة، تاريخ طويل من النضال الذي غيّر وجه العالم، وأورثنا حقوقًا نراها بديهية في عالم اليوم ولولا ذلك النضال لم تكن كذلك.يمكن تعريف «النسوية» بأنها هي تلك الحركات التي تحمل أيديولوجية تسعى للحصول على حقوق المرأة، باختلاف قضاياها ومشكلاتها وتوجهاتها وطبقتها حول العالم بالتبعية لاختلاف البلدان والثقافات والاحتياجات والوقت. وهي حركة سياسية، تجمع بين الفكر والعمل عن طريق المقاومة والتضامن والتعبير. وتعترف النسوية بعدم وجود توازن في علاقات القوى والبنية السلطوية على أساس النوع، وينتج عن ذلك التمييز في مختلف النواحي بين الجنسين.فحتى عام 1800، كانت سيطرة المرأة على ما يخصها هيّنة للغاية، فهي في العادة تابعة لأبيها وأخيها، لا تتلقى التعليم العالي المحظور على الفتيات، أو هي متزوجة وتلد في المتوسط سبعة أطفال، ولا تتلقى هي وأطفالها الرعاية الصحية. ولم يكن للمرأة – حتى المرأة الثرية – حق الملكية أو الاستقلال المادي، فالمرأة لا ترث، ومجال العمل أمامها كان ضيّقًا للغاية لا يسمح لها سوى بالحياكة وبعض الأعمال اليدوية والمنزلية. ومنذ ذلك الوقت، نجحت الحركة النسوية في تحقيق مجموعة من الإنجازات التي نعرض لها.


1. دفع حركة الحقوق المدنية

يعرف كثيرون ما قام به «مارتن لوثر كينج» ضد التمييز العنصري والقوانين الجائرة، وما قامت به روزا لويس باركس الناشطة من أصول إفريقية أمريكية التي طالبت بالحقوق المدنية للأمريكيين الأفارقة، واشتهر دورها عندما رفضت التخلي عن مقعدها في أتوبيس عمومي لشخص أبيض، عاصية بذلك أوامر سائق الأتوبيس، ما عرّضها للاعتقال والمحاكمة.شارك في دفع حركة الحقوق المدنية في أمريكا خلف رمزيها مجموعات من النساء الأخريات نظّمن مقاطعة وسائل المواصلات العامة في مونتغومري عام 1955. ووثّقت دانييل ماكجواير ما فعلته النساء في كتابها «At the Dark End of the Street»، وحكت فيها قيام النساء بنسخ وتوزيع النشرات، وقيادتهن للمقاطعة للاحتجاج على الفصل العنصري بشكل عام، وتعرّض النساء ذوات البشرة السمراء للاعتداء الجنسي من الرجال البيض، وهي المعركة التي بدأتها النسوة قبل سنوات من عمل كينج وباركس، وكان لها الفضل في تعميق العمل النسوي ودوره في ذلك الوقت. وذكرت ماكجواير في كتابها حادثة اغتصاب ريكي تايلور، أم سمراء يبلغ عمرها 24 عامًا، عام 1944، بينما كانت متوجهة لمنزلها بعد صلاتها في الكنيسة، وتتبع 7 رجال بيض لها، وكانوا مسلحين بالسكاكين والرشاشات في عربة شيفورليه، وقاموا باغتصابها، وتركوها متوفاة على الطريق، وكانت هذه القضية السبب في اندلاع حركة كشفت تاريخًا من الاعتداء الجنسي المعتاد من الرجال البيض ضد النساء ذوات البشرة السمراء، وأججت الدعوات المطالبة بالتغيير، حتى مجيء حركة الدفاع عن الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كينج.


2. الحق في التصويت بالانتخابات العامة

بدأ النضال مع أول التماس قدمته ماري سميث إلى النائب في البرلمان البريطاني هنري هانت في عام 1832. وفي التماسها، كتبت ماري أنها تدفع الضرائب بانتظام وتخضع لسيادة القانون، وبالتالي فهي لا ترى سببًا يمنعها من أن تصوت بالانتخابات، وكان الالتماس الذي قابله البرلمان البريطاني بالضحك. استمرت النساء في دفع حركات للمطالبة بحق النساء في التصويت، وقادت الحركة النسوية أكبر انتفاضة شعبية في التاريخ البريطاني، وخرجت ثلاث مظاهرات كبرى في عام 1908 قدرت الصحف والشرطة أعدادها من 250 ألف وحتى 500 ألف متظاهر ومتظاهرة، ووصلت الأعداد إلى 750 ألفًا في يوم الأحد الأسطوري ومظاهرة هايد بارك.

مصرع إيميلي دافيسون أمام حصان الملك جورج الخامس

رافق هذه الأحداث حدث تصدر الصحف العالمية في عام 1913، عندما ركضت إميلي دافيسون أمام حصان الملك في عرض مفتوح، محاولة ربط شارة حركة حق المرأة في التصويت بعنق الحصان، ليصطدم بها الفارس، وتتوفى بعد ذلك بأربعة أيام. وكانت دافيسون قد تلقت تعليمها في كلية رويال هولواي، وجامعة أكسفورد في وقت لم يكن مسموحًا للنساء بتلقي شهادات اجتياز تعليمهن. وانضمت للاتحاد النسائي الاجتماعي والسياسي في عام 1906، ثم تركت عملها بالتدريس وتفرغت للعمل بحركة حق المرأة في التصويت. وقد اعتقلت مرارًا بسبب أعمال تراوحت بين التسبب في اضطراب عام وحرق صناديق البريد وقضت على إثرها فترات قصيرة في السجن.جاءت اللحظة الفاصلة لحركة التصويت النسوية البريطانية عندما منح جورج الخامس موافقته لـ قانون تمثيل الشعب الموافقة الملكية في عام 1918، ومنه الحق لحوالي 8.4 مليون امرأة حق التصويت، وعنده أصبح بإمكان النساء التصويت. ولكن كان ذلك فقط للنساء فوق سن الثلاثين، ولديهن مؤهلات خاصة، ليستغرق الأمر عقدًا آخر لمنح النساء اللواتي تزيد أعمارهن عن 21 عامًا نفس الحق في التصويت مثل الرجال وبنفس شروطهم. وأصبح للمرأة الحق في اختيار من يدير بلدها، ولها رأي فعلي في التشريعات التي تؤثر بشكل مباشر عليها وعلى حياتها اليومية.

3. تعديل قانون الحقوق المتساوية

لن نكون آمنين حتى يتم إعلان مبدأ المساواة في الحقوق.

أليس بول

لم تتمتع المرأة بحقوقها القانونية كمواطن كامل، فكانت المرأة ممنوعة من العمل لدى هيئات المحلفين التي يختارها المدعي العام من أجل تحقيق العدالة الجنائية، ولم تحصل على حقوقها في شراء ممتلكات خاصة أو إبرام عقود الملكية والبيع والشراء. دافعت أليس بول الناشطة في مجال حقوق المرأة عن تعديل الدستور الأمريكي، وحق المرأة في الانتخاب، منذ 1910 حتى 1920، وأسست الحزب الوطني للمرأة لدعم حقوقها، ورافقتها في العمل لوسي بيرنز وعدد من النسويات. وسجلت أليس بول أول تعديل لمبدأ تساوي الحقوق في عام 1923، وفيه: «لا يجوز إنكار حقوق الإنسان بموجب القانون، أو اختزالها من قبل الدولة، أو أية ولاية، على أساس الجنس»، على أنه بمجرد تعديل مبدأ المساواة في الحقوق في الكونجرس، تصبح الحكومة مطالبة بمعاملة النساء والرجال بمساواة كاملة.لم يتم التصديق على التعديل الذي قدمته أليس بول من قبل مجلس حقوق الإنسان حتى أواخر السبعينات، لتبدأ معركة تسببت في تحول هائل بالمجتمع الأمريكي، وأثارت جدلًا حول دور المرأة والطريقة التي ينبغي معاملتها على أساسها، ما دفع عددًا من الولايات لصياغة قوانينها الخاصة بالتمييز بين الجنسين بعيدًا عن الدستور الأمريكي.

4. المساواة في الأجور

لعبت النسوية دورًا هامًا للغاية في تاريخ النضال من أجل المساواة في الأجر. فبحلول عام 1888، احتجت 1400 امرأة على ضعف الأجور وظروف العمل والتمييز ضدهن في أحد مصانع إيست إند في لندن، وذلك لأول مرة، واستمر ذلك حتى جاء عام 1968 وأضربت 187 عاملة في مصنع فورد للسيارات في داجنهام بلندن، وتكرر هذا الإضراب ووصل عدد النساء إلى 850 عاملة داخل المصنع، يحتججن على حقيقة أن العمل الذي يقمن به يصنف على أنه عمل غير ماهر، على الرغم من أنه نفس العمل الذي يقوم به الرجال، ومعه يتقاضى الرجال أكثر من النساء. تركت النساء أماكنهن في العمل وأضربن لمدة ثلاثة أسابيع احتجاجًا على كسب زملائهم الذكور أكثر منهن بنسبة 15%، فتدخلت عضوة البرلمان باربرا كاسل لحل قضية المضربات عن العمل في مصنع فورد، واستخدمت القضية لدفع مطالب النساء بالمساواة في الأجور للبرلمان، حتى إقرار قانون منصف للنساء في ساحات العمل. يعد إضراب العاملات في مصنع فورد السبب الأساسي في إقرار قانون المساواة في الأجور لعام 1970؛ ودخل قانون المساواة في الأجور حيز التنفيذ بعد إقراره بخمسة أعوام، بدافع مستمر من قبل النائبة باربرا كاسل، حتى شهدت السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي نضالاً من جانب النساء والرجال جنبًا إلى جنب مدافعين عن حقوقهم كعمال بغض النظر عن الجنس والعرق والطبقة.ألهمت معركة نساء مصنع فورد الناشطات من أجل تحرير المرأة اللاتي استمررن بعد ذلك في العمل من أجل المساواة في الأجور، وضد التمييز الجنسي في العمل والمنزل. وكان مطلب الأجر المتساوي للعمل المتساوي أحد المطالب الأربعة الأصلية للحركة في المؤتمر الوطني الأول لتحرير المرأة في أكسفورد عام 1970، وذلك بجانب الحق في التعليم والتدريب ورعاية صحية مجانية للأطفال.

5. الحق في العمل بالمحاماة والهندسة

مع اقتراب المرأة الأمريكية من الحصول على حقها في الانتخاب، قامت الجمعية الوطنية الأمريكية لحقوق المرأة بإعادة تشكيل عضواتها، واعتمدت على عصبة من النساء اللواتي منحهن القانون حق الانتخاب لضمان الضغط واستخدام أصواتهن بقدر من الحكمة، وتم تأسيس مكتب المرأة التابع لإدارة العمل لجمع المعلومات عن حالة النساء والدعوة إلى التغييرات الضرورية من وجهة نظرهن. وكان أول تلك التغيرات الضرورية إتاحة الفرصة للمرأة للدخول إلى مجالات عمل مقصورة على الرجال مثل الطب والمحاماة والهندسة، وشارك عديد من المتعصبين لحقوق المرأة بنشاط في ممارسة الضغط من أجل تشريع قانون بذلك.تم إقرار قانون إلغاء التمييز على أساس الجنس في عام 1919، ما يعني عدم قانونية استبعاد المرأة من بعض المهن على أساس الجنس. ومنح هذا القانون للمرأة الحق في العمل بالمهن القانونية والمحاسبة لأول مرة في بريطانيا، واستطاعت دخول مجال العمل المدني والقضائي.ساعدت الحركة النسائية النساء على الخروج من المنزل والتوظيف بأماكن العمل وتوفير التدريب على جميع المهن، وعدّ ربات البيوت في تعداد القوى العاملة ما غير شكل الاقتصاد البريطاني بشكل أساسي، وحفزت الحركة النسائية أصحاب العمل على تقليل الفجوة في الأجور بين الرجال والنساء.

6. حق المرأة في الملكية

مصرع إيميلي دافيسون، خقوق المرأة، إنجلترا
قدمت
بربرا لي سست عام 1856 مشروع قانون يعطي للمرأة المتزوجة حق التصرف في ملكيتها، وأسست من أجل ذلك الحق جريدة «المرأة الإنجليزية» وجمعية تشجيع توظيف المرأة. كان للجمعية دورها النسوي في وقت صعب، حيث كانت المرأة مطالبة بالتخلي عن جميع حقوقها في الملكية والأموال التي تكسبها من عملها إلى زوجها، وكان قانون الملكية وقتئذ يمنح للرجل الحق في السيطرة على أموال زوجته وممتلكاتها، ومعاملة أي أموال تكسبها المرأة كممتلكات خاصة به. سمح قانون الملكية للمرأة والرجل بميراث وتوريث الممتلكات على قدم المساواة في عام 1922 ببريطانيا، وكان التشريع الذي تم الموافقة عليه بعد أربع سنوات من مناقشته بالبرلمان يحفظ للنساء حقهن في الامتلاك والاحتفاظ بما امتلكن والتصرف فيه بنفس شروط الرجال.