ثمة شيء إنساني عميق دعاه إلى أن يغادر سريره، عندما سمع أصوات الرصاص تدوي في المكان، ونداءات الاستغاثة ترتفع من فوق مئذنة مسجد؛ لإنقاذ الأقباط المحاصرين بطلقات الرصاص داخل كنيستهم.

وكأي قصة تراجيدية وجد نفسه في لحظة أمام قدره، كأنه عاش عمره كله من أجل هذه اللحظة بالذات، وقف على ناصية الخطر يتأهب فرصة سانحة، غير آبه بالعواقب حتى وإن كانت ستحيله إلى العالم الآخر.

وبحسابات القوة والمنطق؛ الكفة ليست في صالحه، فبنيته العادية ويداه العاريتان اللتان لم تحملا السلاح منذ 30 عامًا، كانت تشير إلى أن انتصاره درب من الخيال.

وبذلك، أبصرت مصر مشهدًا لا يُرى إلا على شاشات السينما، نفذه رجل خمسيني، كان بينه وبين الموت لحظة، ليكون «قاهر إرهابي حلوان».

سطَّر بطولة المشهد «عم صلاح» كما يسميه المصريون، الذي نال حملة تشويه متعمدة بحجة أن سجله الجنائي غير نظيف.

إلى هنا تنسجم قصة ابن حلوان، صلاح الموجي، مع قصص أخرى مشابهة لمواطنين عاديين، يهرعون للنجدة بدافع الشهامة والمساعدة في لحظة خطر، ولكن، كان دائمًا هناك من أراد تشويه قصصهم. هذا ما تخبرنا به الذاكرة الشعبية المصرية.


«الموجي»: من «بطل» لـ «مسجل خطر»

استيقظ المواطن المصري، صلاح الموجي، على أصوات إطلاق نار على كنيسة «مارمينا» في حلوان جنوب القاهرة، وهرع إلى الخارج، فوجد مسلحًا يتجول في الشوارع ويطلق النار بشكل عشوائي، وكان قد نفذ لتوه هجومًا على الكنيسة.

في ذلك الوقت، كان عدد من سكان المنطقة يختبئون بسبب تبادل إطلاق النار، ومن بينهم الموجي الذي ظل يراقب المشهد عن كثب، حتى اغتنم فرصة سقوط المهاجم وانقض عليه برفقة نجله، إثر إصابة المهاجم بعد إطلاق أحد أفراد الشرطة النار عليه.

وأشار «الموجي»، في لقاء تلفزيوني، إلى أنه كانت بينه وبين المتهم خطوات، حيث كانت فوهة بندقية المسلح موجهة إليه، وخلال لحظات كان يمكنه قتله:

ارتميت بجسدي فوقه، وكان أهم شيء لدي أن أوجه ماسورة بندقيته للأرض.. خلعت خزينة السلاح فقال لي: أنت لا تفهم شيئًا، فضربته بها حتى فقد الوعي.

وانضم عدد من المواطنين إلى الموجي وأحكموا سيطرتهم على المهاجم حتى ألقت الشرطة القبض عليه، بينما خلّد أحد المواطنين بطولة الموجي بعدسة كاميرا هاتفه المحمول.

وانهالت الهدايا والتكريمات على الموجي بعد موقفه في مساندة الأقباط والدفاع عنهم، منها تكريم وزارة الداخلية، كما ثمّنت دار الإفتاء دوره، وعن ذلك يقول: «تكريمي الوحيد هو أن أجد إخواني المسيحيين يحيون في أمان».

لكن فرحة صلاح لم تدم طويلًا، فوجد نفسه في مرمى الاتهامات، وعليه أن يبقى في خانة الدفاع عن النفس، حيث سُرِّبت إعلاميًّا معلومات متعلقة بصحيفته الجنائية، والتي تتضمن قضايا، بينها تعاطي مخدرات، لم تصدر فيها أحكام قضائية، بل يعود تاريخها إلى ما يتجاوز الـ 20 عامًا.

يقول الموجي مدافعًا عن الاتهامات الموجهة إليه: «بعد الحادث ذهبت إلى حجرتي ونمت، ثم أيقظوني على صوت الصحافة والفضائيات تطاردني، أنا لا أستحق التشويه، ولا أبحث عن البطولة.. خلصانة لوجه الله، وما كناش عايزين حاجة».

ويضيف في حوار صحفي آخر: «تركت عملي في أحد المصانع المهمة بالدولة، ورغم ذلك لم أشعر باليأس، ولم أتحول إلى بلطجي أو إرهابي، واستمررت في البحث عن عمل آخر كي أعيش أنا وأسرتي».

والآن، يتلقى الموجي كل مشاعر الحب من طلاب إحدى المدارس الخاصة التي يعمل سائقًا بها، ويقدم كل عام صحيفة الحالة الجنائية للمسئولين، وهي ناصعة البياض، كما تشير آخر صحيفة نُشرت على وسائل الإعلام.

ويبدو أن هناك أطرافًا ضاقت بالشعبية التي حازها الموجي، والبطولة التي أسُبغت عليه؛ خشية أن تُتهم بالتقصير في الحادث الإرهابي، لذلك جرى تسريب أنصاف معلومات عن أن البطل المفترض محض مسجل خطر.

وإلى ذلك،يقول الكاتب عبدالله السناوي إن إعلان نصف المعلومات وإخفاء نصفها الآخر «جريمة أخلاقية»، وتشهير متعمد بمواطن كل ذنبه أنه واجه الموت بشجاعة لإنقاذ أبرياء، مؤكدًا أن الدولة لا يمكن أن تكسب الحرب على الإرهاب بمثل هذه العقلية التي سربت أنصاف الحقائق.

https://www.facebook.com/imate/videos/10155205362608997/

أساطير البطولة في المخيلة الشعبية

البطل الشعبي تصنعه أحلام الفقراء والبسطاء، لتمثل شخصياتهم في المخيلة الشعبية دور المقاومة لفساد سلطة غاشمة أو احتلال فاشي، وخُلّدت بطولاتهم في مواويل وقصص تناقلتها الأجيال، وتغنّت بها في الأفراح والمقاهي والتجمعات العامة.

وعلى مر العصور والأزمان رُسمت صور هؤلاء الأبطال، حيث كرَّست السير الشعبية مبدأ التمرد في قصصهم، وصوّرتهم كفرسان، في مواجهة الروايات الرسمية التي وصمت تحركاتهم بالانتفاضات الغوغائية.

وعربيًّا، ربما كان ذلك التناقض الحاد في المخيلة الشعبية المحلقة والباحثة عن «بطل» في ظل زمن الانكسارات العربية، هي حالة من إعادة التوازن بين واقع الشعب المؤلم وخيالهم الفاضل النبيل. ومن هذه النماذج:

أدهم الشرقاوي: اللص الشريف

رمز البطولة الشعبية المصرية في مواجهة المحتل وأعوانه، ابن البحيرة الذي عاش 23 عامًا فقط، كان خلالها شوكة في حلق الاحتلال الإنجليزي.

نجد أسطورة الثائر الشعبي أدهم «رديف روبين هود» وهو قاطع طريق، ماهر في رشق السهام، وله سجل إجرامي طويل، غير أن المخيلة الشعبية في القرون الوسطى أضفت عليه طابعًا أسطوريًّا، فهو في التراث البريطاني ذلك اللص الشريف الذي يسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء.

تبدأ الحكاية – كما تحكي السير الشعبية – عندما بلغ أسماع الصبي أدهم نبأ مقتل عمه، فبكاه وقرر أخذ الثأر من قاتليه، وانتهى به الأمر في السجن. وتروي الدكتورة عبلة سلطان، حفيدة ابنة عم أدهم الشرقاوي، أنه كان بإمكان أدهم الفرار لكنه سلم نفسه بإرادته، واعترف بجريمته، وحُكم عليه بالسجن سبع سنوات مع الأشغال في سجن أبوزعبل عام 1917.

وبانطلاق ثورة 1919 تمكن الشرقاوي من الهروب من السجن بصحبة عدد من المساجين، الذين نجح بإقناعهم بضرورة الانضمام للثورة ومقاتلة الإنجليز ونهب ثروات الإقطاعيين من أجل الفقراء والمحتاجين. وعندما شاع الرعب بين الإقطاعيين، عززت الحكومة قوات الأمن في المنطقة وأكثرت من دورياتها، وحينها تركه أعوانه خوفًا على حياتهم، أما الشرقاوي فلم يخف، بل ظل ينتقل بين مراكز إيتاى البارود وكوم حمادة والدلنجات. وعقب رحلة الهروب الكبير من القبضة الأمنية قُتل الشرقاوي غدرًا بعد وشاية من أحد المقربين.

وفي المقابل تُصوِّر الرواية الرسمية أدهم الشرقاوى باعتباره لصًا كان يسطو على التجار على قارعة الطريق نهارًا ويسلب محافظهم وما يحملون. كما احتفت السلطات بمقتل أدهم الشرقاوي، ووثقت ذلك مجلة «اللطائف المصورة» عام 1921 التي نشرت صورة أدهم إثر مقتله تقول: «المجرم الأكبر الشقي الطاغية أدهم الشرقاوي بعد أن طارده رجال الضبط والبوليس واصطادوه فأراحوا البلد من شره وجرائمه».

جرأة الشاب المصري مواليد 1897 شهد له بها أعداؤه قبل أصدقائه، جرأة نسجت لها أفلام سينمائية وأحياها الشعب المصري لأزمان طويلة، كما ألهمت شعراء شعبيين صاغوا الحكاية في مواويل، وملاحم غناها أشهر المغنين، أمثال عبدالحليم حافظ ومحمد رشدي اللذين أنشدا الملحمة الشعبية الأهم في مصر التي صورت مشهد موت أدهم الشرقاوي.

مصرع أدهم الشرقاوي
مصرع أدهم الشرقاوي

علي الزيبق: الفارس النبيل

استحضرت سيرة الداهية علي الزيبق في عصر المماليك، كأحد أشهر الشطار والعيارين في السير الشعبية العربية، الذي تحول إلى رمز للأمة يحقق أحلامها في الخلاص من فساد الحكم ولصوص السلطة، وهو ذلك الشاطر المصري المعروف بالمكر والحيلة، وصاحب السيرة الشعبية الأشهر في حكايات «ألف ليلة وليلة».

وصفه الكاتب محمد سيد عبد التواب في كتابه «سيرة علي الزيبق» بـ «الفارس النبيل»، معتبرًا أنه استطاع تشكيل «نوع من الميليشيات الشعبية»، التي كونت معارضة حقيقية ضد الحكام وطبقة الأثرياء.

النص الشعبي يروي سيرة علي بن حسن رأس الغول، نجل السيدة «فاطمة» سليلة أعيان محافظة الفيوم، الذي عاش في أزقة الحواري القاهرية، باحثًا عن الثأر والانتقام لوالده «رأس الغول» الذي اغتاله مقدم الدرك «سنقر الكلبي»، ليحل محله ويغتصب موقعه.

دخل الزيبق في صراع طويل مع رجال الكلبي، بدأه بالتنكر في هيئة خادم استطاع من خلاله الدخول إلى قصر صلاح الكلبي، يتلقف أخباره ويسبقه إلى حيث يذهب ليضرب ضربته ويهرب من بين يديه في سرعة ومهارة، وما أن يختلي به حتي يكشف «علي» عن نفسه، فيوثقه ويعذبه ويتركه لأعوانه مقيدًا، وسريعًا يرجع إلى الكلبي متنكرًا في هيئة طبيب يهودي يعالجه من جروحه، فيذيقه مرارة الذل والعجز، ومرة أخرى يسبقه إلى الحمام وهو في هيئة الطبيب ليدس له الزرنيخ في الصبغة، فيتساقط شعر رأسه وحواجبه، ويصبح الكلبي أضحوكة المصريين.

أُذيع خبر الزيبق بين المصريين، وأصبح بطلًا يذهبون إليه ليرد مظالمهم ويقيم العدل بينهم بالحيلة والمكائد، في ظل لغة العصر السائدة آنذاك من الخداع والمراوغة، كطريقة وحيدة للتعامل مع الحكام.

قاتل الزيبق الولاة الذين كانوا يستفيدون على حساب الناس حتى آخر لحظات عمره، فكان محاربًا شرسًا للطاغية من أجل الشعب الذي لم ينقذه من حبل المشنقة.

أبو زيد الهلالي: حارب قبيلته وناصر الغلابة

ما من ملحمة عاشت وتطورت وعبرت عن احتياجات العرب المنكسرين مثل السيرة الهلالية وبطلها أبي زيد الهلالي سلامة، الفارس الشجاع والسياسي العادل والإنسان الذي يشعر بالفقراء ويرد عنهم المظالم، وفوق ذلك المحب العاشق الذي كابد في سبيل عشقه، حتى قُتل غدرًا.

عاش أبو زيد الهلالي في نهايات القرن الخامس الهجري حياة عصيبة منذ ولادته، فأنكر أبوه «رزق بن نايل» نسبه واتهم أمه «خضرة الشريفة» بالزنا، وطردها من القبيلة، وابنها لم يتجاوز 7 أيام، فتُربيه أمه على الفروسية والحق من الصغر.

حياة أبي زيد مليئة بالمآسي والصعاب والاضطهاد الذي ناله للونه الأسود، فجعلت منه بطلًا يدافع عن المظلوم ويسعى لنصرة الحق، حيث كلفته مبادئه تلك القيام برحلة في أرض نجد، مرورًا بالعراق، ثم بلاد الشام، ثم فلسطين، وصولًا إلى مصر، حتى بلغ بلاد المغرب، وبعض الروايات تقول إنه وصل إلى الأندلس، ليقاتل الغزاة اليونانيين من أجل الشعوب.

السمات الجيدة لشخصية أبي زيد جعلت كل مجتمع عربي يستدعيه عندما يحتاج إلى بطل شجاع ليخلص الناس مما يعانونه، ليكون حلم المقهورين في الانتصار وبطل الملحمة التي يرددها الرواة والشعراء الشعبيون من جيل إلى جيل.

أبو جلدة والعرميط: ياما كسّروا برانيط

سيرة علي الزيبق
سيرة علي الزيبق

أبو جلدة والعرميط هما فلاحان فلسطينيان أسسا نواة خلية ثورية لمقاومة الانتداب البريطاني في فلسطين، وكان لهما صورتان: واحدة تحتفل بهما، وأخرى تعتبرهما سارقين من الشطّار.

وللعرميط جسم ممتلئ متين ذو بأس وقوة، وكان يعمل بالزراعة والفلاحة كسائر عائلته وأهل بلدته.

التمرد أول ما ظهر كان من نابلس، حيث نشأ أحمد المحمود، المعروف بـ «أبي جلدة»، فرّ من الخدمة العسكرية في الدولة العثمانيّة، وعمل عتالًا في ميناء حيفا، وهناك تعرّف على العرميط وباقي رفاقه الذين رافقوه في رحلة مقاتلة الإنجليز ورجالهم من الإقطاعيين، أو في رواية أخرى، لينهبوا ويروعوا الناس.

وفي عام 1932 حينما سئل الشيخ عزّ الدين القسام عن رأيه في أهل الشعراوية في جبل نابلس، الذين يقطعون الأشجار ويسممون الحيوانات وينعتهم الناس بالحرامية وقطاع الطرق، فأجاب: «دعهم يعملون، لأن في عملهم رجولة سنحولها في يوم من الأيام إلى جهاد، هؤلاء أقرب إلى الله، وإلى حب الجهاد من المستكينين».

تأثر أبو جلدة بخطب الشيخ القسّام في مسجد الاستقلال، وعايش مأساة أهالي قرى مرج بن عامر، والأرض التي باعها الإقطاعيون وطُرد منها سكّانها، فقام بتشكيل عصابة عمادها الفلاحون.

اتخذ جماعة الشطار من الجبال مأوى لهم، وتميزوا بالضربات السريعة الموجعة، كانوا يختفون بعدها، ولا يتركون أثرًا كأشباح الليل، وكانوا بدأوا نشاطهم عقب ثورة 1930.

وحين ضيّق البريطانيون الخناق على أبي جلدة والعرميط لجأ الأول إلى الأردن، والتقى الملك عبد الله واستجار به، لكن الملك سلّمه إلى السلطات البريطانية في فلسطين. وفي العام 1934 وقع العرميط في كمين محكم نُصب له، وانتهى به الأمر مع رفيقه أبي جلدة مُدلين على حبال مشانق المحتل.

ذكر الكاتب الفلسطيني نجاتي صدقي في مذكراته أن العرميط طلب من أمّه أن تحضر معها خنجرًا في زيارتها له بالسجن لأنه سيضعه معه في قبره، وسيذبح به الخائن الذي وشى به. وما زال أبو جلدة والعرميط جزءًا من الأهازيج الشعبية الفلسطينية التي ترددها العائلات في الأفراح، تقول إحداها:

قال أبو جـلـدة وأنا الطموني… كـل الأعادي ما يهموني قال أبو جلدة يا خويا صالح… اضرب لا تخطي والعمر رايح وأبو جلدة والعرميط… ياما كـسروا برانيط