لو انهمك الآباء في العمل بينما استمر الأطفال في قضاء حياتهم في اللهو، فغالباً سينتهي الأمر بالأحفاد وهم يتسولون.
مثل شعبي ياباني

كيف يمكن أن تستمر الحياة والعمل متوقف؟ يبدو السؤال درامياً بعض الشيء، محيراً وغريباً… بالطبع يمكن للعمل أن يتوقف لبعض الوقت، يمكن للبشر أن يحظوا ببعض النوم، يمكن للأزواج الالتقاء في المنزل بعد يوم طويل من العمل، يمكن للأصدقاء أن يتحادثوا بطريقة ما أو يتواصلوا بطريقة ما، وبل يمكن قضاء يوم العطلة في حديقة ما تحت الشمس.

هكذا يمكن أن تسير حياة البشر على وتيرتها الطبيعية، لكن ماذا لو أن هناك نطاقاً في ذلك العالم يقدس العمل إلى حد الموت، ويرى أن بعض هذه الأمور السابقة يمكن تسميتها بالحماقة وتضييع الوقت، أو ينظر إليها في بعض الأحيان على أنها رفاهيات يمكن تجاهل وجودها في الحياة، بما في ذلك النوم!

دعونا ندخل إلى عمق القصة تدريجياً… سيتطلب الأمر بعض الأسئلة البسيطة، قبل أن نطرح الأجوبة.

لنبدأ بالسؤال الأول: كم ساعة يمكنك أن تعمل دون توقف؟
لنضع الإجابة جانباً حتى نبدأ الفصل الأول من القصة…

نحن نحب العمل… حتى الموت!

من الشائع والطبيعي أن تحمل ثقافة المجتمعات بعض العادات والظواهر، والتي تتحول بشكل تدريجي إلى جزء من شكل الحياة الطبيعي، وحتى يصبح الأمر أكثر اعتياداً وقبولاً تخرج مسميات يتفق عليها المجتمع بصورة لا واعية، ويرددها بشكل متكرر، حتى يصبح الاسم والظاهرة شيئاً واحداً، قد يرتبط ذلك في الأذهان بالحديث عن البطالة، العنوسة، بالميل المستمر إلى الحزن وإحداث المشاكل، وغيرها من الظواهر النفسية والمجتمعية، لكن وفي جزء آخر من العالم، هنالك من أطلق تسمية على ظاهرة أصبحت تحمل طابع التكرار، حتى صار ضحاياها بالمئات سنوياً، ألا وهي ظاهرة «البقاء في العمل حتى الموت».

لنرجع بالتاريخ قليلاً إلى الخلف. انتهت الحرب العالمية الثانية في 1945، اختفت هيروشيما وناجازاكي من الأرض وأصبحتا جزءاً من التاريخ، لكن الإشعاع المتخلف عن الانفجارات ظل باقياً في أرجاء اليابان، خمس سنوات كانت زمناً كافياً لتستعيد اليابان قدرتها على خلق الوظائف والعودة إلى العمل من جديد، ليبدأ السجل الفعلي في الظهور.

سُجلت أول حالة من حالات ما يُعرف باليابانية باسم «كاروشي» أو العمل حتى الموت، في الفترة ما بين 1950 و1960، حيث كانت اليابان تحاول استعادة شتاتها من جديد بعد أن وضعت الحرب أوزارها.

تحول الأمر بصورة دراماتيكية وكأنه خرج فجأة عن نطاق الاجتهاد في العمل لزيادة الإنتاج،ليتحول إلى ما يشبه الكابوس

كاماندا (34 عاماً) يعمل في أحد متاجر الأطعمة السريعة، تهاجمه الأزمة القلبية بعد أن عمل لمدة 110 ساعات خلال أسبوع واحد، لم يكن هناك ما يُوحي بأن كاماندا يعاني من أزمة صحية سابقة قد تقوده إلى ذلك المصير.

يوشيدا (22 عاماً) تعمل ممرضة، هاجمتها الأزمة القلبية بعد أن عملت 34 ساعة متواصلة، بشكل متكرر 5 مرات خلال شهر واحد، وليس هناك ما يوحي بأي إصابات مرضية سابقة.

استمر عداد الضحايا في التصاعد بصورة مستمرة وسريعة، وبات بإمكانك أن تنظر نحو الشاشة لتشاهد الرقم الذي يمثل أعداد الضحايا وقد وصل إلى 10.000 في العام الواحد، ولن تشعر حينها بالاندهاش، ففي الشاشة المجاورة والتي تحمل عدد ساعات العمل خلال العام، سيفاجئك رقم 3000 ساعة من العمل قد تم خلال عام واحد، كمعدل للفرد الواحد في مقر العمل.


لا تفعل الشيء نفسه وتنتظر تغير النتيجة!

بدأ الاقتصاد الياباني في النمو بشكل واضح في السنوات التالية لمرحلة التعافي بعد الحرب، واستمرت وتيرة الأمر كما هي، وأصبحت «كاروشي» عُرفاً بين جنبات المجتمع الياباني، فصارت الظاهرة تحمل اسماً يتداوله الناس، وصار من المعتاد أن يحضر أحدهم جنازة قريب أو صديق، وعندما يُسأل عن سبب وفاته، تكون الإجابة «أزمة قلبية أو انتحارًا بسبب ضغط العمل».

لم تتوقف الظاهرة ولم تنخفض أعداد الوفيات السنوية. نما الاقتصاد الياباني لكنه وبصورة مفاجئة وعلى الرغم من كل تلك القرابين البشرية، لم ينجح في التفوق على كثير من أقرانه، فاليابان هي الأقل إنتاجية بين السبع الكبار في الاقتصاد حول العالم.

فعلى الرغم من كل تلك النتائج التي تبدو محبطة بالنسبة للتضحيات البشرية التي تُقدم بصورة مستمرة، فإن حوادث كاروشي مستمرة حتى هذه اللحظة، بنفس المعدلات تقريباً، بل والأدهى من ذلك أن انتشارها الأكبر صار بين صغار السن. فقد كشفت دراسة عن أن 45% من الفئة العاملة في اليابان يموتون إما بالانتحار أو نتاج أزمات صحية بسبب تلك الظاهرة، وأن 39% من هذه الفئة تقل أعمارهم عن 29 عاماً.

وعلى الرغم من الإعلانات المستمرة التي تخرجها الحكومة اليابانية لتطالب الشركات بتقليل ساعات العمل، إلا أن ثمة تساؤلات غامضة في ذلك الصدد،فقانون العمل حتى الآن في اليابان يسمح للشركات بتوقيع عقود عمل مع الموظفين، يجبرهم على العمل لعدد غير محدد من الساعات الإضافية دون تحديد مقابل مادي معين، وهو ما يعني أن الحكومة تقدم المطالبات للشركات لكنها لا تغير من القانون، والذي هو بالأساس وسيلة الردع الأولى.

لكننا وحينما نقرر أن نطرح التساؤلات الخاصة بثقافة اليابان تجاه العمل، سنجد أن العمل كفعل يتخذ صورة أشبه بالقداسة لدى الكثيرين هناك، فالثقافة المُستقاة من الأمثال الشعبية تشجع على العمل، حتى مع صغر السن، كما أن الأرقام توضح أن 63% من اليابانيين يشعرون بالذنب حيال طلب الحصول على إجازة، أي أن العمل – وفي جوهره- قد أصبح لدى الكثيرين مطلوباً لذاته وليس لكونه وسيلة لكسب الرزق.

ومن هنا يأخذنا ذلك الفصل نحو خندق أكثر عمقاً، فالبشر لم يُخلقوا لكي يعملوا وحسب، لكنك بمجرد أن تقرر أن تحول حياتك إلى ذلك النمط، فثمة باب آخر بتساؤل آخر قد يظهر أمامك!


لتذهب الحياة الاجتماعية إلى الجحيم!

دعونا ننتقل إلى السؤال الثاني:

إن كنت ممن يتجاهلون الزواج ويرون فيه معضلة اجتماعية، فقد تكون أسبابك متعلقة بالقدرة المالية أو غياب الشريك المناسب، لكن ماذا لو أن كل تلك العوامل متوفرة، لكنك تعوزك الرغبة فقط؟

تكشف الأرقام والإحصائيات عن مجموعة من الظواهر المجتمعية في اليابان، لكن الملاحظ أن جميعها تكشف عن تدهور مخيف في النمط الاجتماعي للحياة الأسرية في اليابان، فما لا يقل عن 31% من اليابانيين، قد تخطوا مرحلة الثلاثينيات دون أن تكون لديهم أي رغبة في الزواج أو حتى ممارسة الجنس.

في حين كشفت دراسة أخرى أن ما يقارب 25% من الرجال في اليابان يستمرون دون زواج حتى سن الخمسين، لتبدأ بعض التساؤلات عن ماهية الأسباب التي تدفع الكثيرين في اليابان للعيش في ذلك النوع من العزلة الاجتماعية الاختيارية.

يرى بعض الخبراء أن المقدرة المالية على الزواج، تعد واحدة من العوامل التي تعيق الزواج وتكوين الأسر، لكنه عامل يبدو مؤقتاً، مرتبطاً بفترة معينة من الحياة وهي بدايات الشباب وما بعد الدراسة، لكن من غير المنطقي قول، إن ذلك العامل قد يُبقي ملايين الأشخاص دون زواج حتى الخمسين من العمر، فالادخار من أجل الزواج في دولة متقدمة كاليابان، لم يستغرق أكثر من ربع قرن.

من العوامل الأخرى التي تظهرها الدراسات، هو تحول النساء في المجتمع الياباني إلى الاستقلالية الكاملة، والتي ترتبط بنسبة كبيرة بالأمور المادية، فبعض النساء اللواتي وُجهت لهن أسئلة عن سبب وصولهم إلى نهاية الثلاثينيات من العمر دون زواج، كانت الأجوبة تدور في أفق أنهن يشعرن بأن الحياة صارت مستقرة بعد الحصول على وظيفة جيدة وحياة مستقلة مادياً، وتدريجياً صار العمل والنجاح فيه هو ما يسيطر على التفكير وعلى نمط الحياة بشكل كامل.

بينما ترى شريحة أخرى من النساء العاملات أنهن لن يقبلن سوى بزوج يمتلك نفس القدرة المادية التي يمتلكنها بأجورهن، وعدا ذلك فلن يكون الأمر مناسباً.

وفي قلب التنقيب في تلك المعضلة، تظهر بعض العوامل التي قد تكون غير بادية بصورة واضحة، فعلى سبيل المثال تحتل اليابان المركز الخامس عالمياً كأكثر الدول مشاهدةً للمواد الإباحية، كما يظهر أن فئات كبيرة من الشعب الياباني يرون في المواد الإباحية بديلاً مناسباً للحياة الاجتماعية بمفهومها المتعارف عليه، وينطبق ذلك على الرجال والنساء بشكل عام.

هناك عامل آخر يلعب دوراً هاماً في هذه القصة، وهو علاقات زنا المحارم في اليابان، والتي على عكس العديد من البلدان لا تُصنف كجريمة، ولا تستوجب تحقيقاً قضائياً أو عقوبة ما، وبقليل من البحث، تتشابك الخيوط معاً.

فقد صرّح ساتورو سايتو رئيس قسم العلوم الاجتماعية في معهد طوكيو للأبحاث النفسية بأن حالات زنا المحارم في اليابان، ليست أكثر من الدول الأخرى، لكنها – في نفس الوقت- تعتبر نمطاً مقبولاً به في اليابان. وقد صرّح ساتورو بأن ذلك يرتبط بكثرة اهتمام الرجال بأعمالهم وقضاء الكثير من الوقت فيها، وهو ما يمكن رؤيته بوضوح في الأزمة السابق طرحها، بالإضافة إلى إحصائية أخرى تكشف عن أن 50% من اليابانيين المتزوجين يتعاملون مع الزواج بصفته علاقة تخلو تماماً من الجنس.

في الوقت نفسه الذي تبدو فيه الحياة الزوجية في اليابان تحمل مفاهيم مشوهة لدى البعض، بسبب واقعها الممتلئ بالأزمات، فقد أظهرت الإحصائيات أنه ما لا يقل عن 40% من الرجال المتزوجين في اليابان يمارسون الخيانة الزوجية، في حين سجّلت نسب الخيانة الزوجية التي تقوم بها النساء المتزوجات أكثر من 21%.

ومن هنا يمكن التفكير في أن المجتمع الياباني في سنوات ما بعد الحرب، انتقل بسرعة مخيفة ومهولة من النموذج التقليدي البعيد عن الصورة الحداثية الأوروبية إلى النموذج الأكثر مادية، وهو نموذج تتكسر فيه الروابط الاجتماعية بصورة مخيفة أكثر من الطبيعي، ويصبح فيه العمل وكسب المزيد من المال، ضرورة أساسية تستحوذ على مجريات الحياة بالكامل.

فكيف يمكن أن تكون صورة المدينة الهاربة من جحيم القنبلة النووية إلى جحيم المادية القاتلة بعد عشر سنوات من الآن؟