عادل إمام هو أعظم من ترجم الشخصية المصرية، شخصية الفهلوي، أن تدعي القدرة بلا قدرة وتواجه الواقع بنُكتة، من هنا ولدت زعامته.
محمد المهدي

في الثمانينيات، وبينما يواصل «عادل إمام» تصدر شباك التذاكر بأفلامه صانعًا ريادة ستتبلور في العقدين التاليين لتصير زعامة حقيقية ومُتفردة لمُمثل هيمن بحضوره على الساحة الفنية لعقود، ظهر «نصر حماد»!

في كتابه «الشخصية المصرية» يرى د/ محمد المهدي أن أهم أسباب تفوق «عادل إمام» هي ملامحه، هو ليس وسيمًا ولا يملك جسدًا رياضيًّا، لكنه يملك ملامح مصرية فهلوية تتعاطى مع الواقع بالسخرية ورفع الحاجبين ولغة جسد مُتلاعبة لا تدري هل تُهاجم أم تُداهن، تلك الصفات هي ما جعلته قريبًا من الوجدان الشعبي ومرآة صالحة ليعكس عليها المصريون رؤيتهم للذات ومحاولاتها للتحايل على واقع خانق بالفهلوة. لهذا أجاد «عادل إمام» أدوار مثل الحريف الشعبي والصعلوك والمتسول وابن البلد.

عادل إمام من أحد بوسترات اللعب مع الكبار

كان «نصر حماد» مُمثلًا مغمورًا لا يمتلك حظًّا كبيرًا من الموهبة التمثيلية، لكنه يمتلك هبة إلهية فريدة، وهي ملامح تُشبه عادل إمام، ولغة جسد يستطيع أن يُطوعها بمهارة لتلتحم مع تلك الملامح صانعة بارودي أو شخصية بديلة للزعيم.

الممثل المصري نصر حماد

رغم امتلاك «نصر حماد» للملامح ولغة الجسد اللازمة، والتي وصفها كثيرون بأنها سر تألق «عادل إمام»، لكنه بدا مثل تمثال بلا روح، تقليد مُثير للملاحظة والتعجب لكن لا شيء أكثر من ذلك، حضر للساحة الفنية مثل طيف، تقليد مُتقن لشيء أصيل، طارد نسخته الأصلية بالحضور متقمصًا أدوارًا بسيطة في أفلام مثل «القرش» و«خمسة وخميسة» ومسرحيات هابطة، ومثل شهاب مُضيء اخترق بعنفوانه سماء صافية، تألق للحظات وخبا كأنه لم يكن.

الممثل المصري نصر حماد

اختفى «نصر» تاركًا وراءه شائعات لا تزول حول مؤامرة قادها الزعيم لإبعاده قسرًا من الساحة المصرية، وتاركًا كذلك دليلًا حيًّا على تعقيد الموهبة باعتبارها سرًّا شديد الغموض لا يُمكن مقاربته بامتلاك الملامح والجسد اللازم.

تيمة الشبيه.. أن تؤنسن الأصل

مثلت فكرة الشبيه تيمة فنية ثرية نهلت منها السينما والتلفزيون مرارًا، بدءًا من فيلم «أخطر رجل في العالم»، ووصولًا لأفلام مثل «كتكوت» و«لا تراجع ولا استسلام»، الذي صرح فيه الضابط «سراج» في عبارة بارودية تكسر حاجز الإيهام أن تلك التيمة لفرط كونها مُستهلكة لن يتوقع أحد أن نلعبها مرة أخرى، وأن نعتمد على «حزلقوم» ليكون بديلًا عن رجل عصابات دولي.

أحمد مكي وماجد الكدواني من فيلم لا تراجع ولا استسلام

لعب «عادل إمام» التيمة نفسها في مسرحية «الزعيم»، مُجسدًا دورالشبيه المسكين، مثل شبيهه «نصر حماد»، رجل شعبي يمتلك هبة ولعنة أن وجهه يُشبه زعيم البلاد.

عادل إمام من مسرحية الزعيم

في تلك الأفلام ينتهي الأمر بالشبيه المسكين للتفوق على النسخة الأصيلة، ينتصر التقليد والبارودي، فيبدو اللمبي في جسد الضابط «رياض المنفلوطي» نُسخة أكثر إنسانية ونُبلًا، وينقذ «كتكوت» الريفي البسيط مئات الأرواح من قنبلة إرهابية، وينجح فؤاد المهندس في دور «زكي» في أن ينقذ حبيبته من جنون مستر إكس. وبالطبع ينجح الكومبارس «زينهم» في إنقاذ البلاد من بطش حاشية الزعيم الفاسد.

فؤاد المهندس من فيلم أخطر رجل في العالم

اعتمدت تلك التيمة بجانب المواقف الكوميدية التي تكشف المفارقة بين الأصل والصورة، على نجاح الشبيه في النهاية في أنسنة الشخصية الأصلية، ومنحها من طيبة قلبه، ليستطيع عبر احتلال موقعها أن يُجبرها على فعل الصواب.

لكن ماذا لو قدم لنا الواقع تيمة الأصل والشبيه إلى ما لا نهاية؟ تيمة فيها الشبيه يستمد كينونته من كونه شبيهًا وحسب؟ بدون حبكة أو ذروة نهائية؟

لم تخلق الملامح نجومية لنصر حماد لأنه في النهاية كان عليه أن يُقدم نفسه عبر الوسيط نفسه، الكاميرا والقصة والتمثيل، عليه أن يقف مثل «عادل إمام» في مواجهة الكاميرا ويُمثل، كان الوسيط نافذة ظهوره ومقبرته كذلك، لأنه عندما اختبر ممكناته وجد ذاته خلوًا من أي موهبة تمثيلية تمنحه نجومية مستقبلية.

لكن ماذا لو كان هناك وسيطًا جديدًا يُمجد النسخة المُقلدة؟ يمنح التقليد أصالة، دون حبكة هزلية تنتهي بالشبيه وقد قام بإنقاذ الجميع؟!

تيك توك.. عود أبدي من التكرار المُقلد

بدأ «تيك توك» الظهور كوسيط افتراضي في سبتمبر 2016، لكنه بحلول عام الوباء 2020 حقق انتشارًا جنونيًّا، جاوز 315 مليون مرة تحميل، و 1.1 مليار مستخدم شهري بحلول سنة 2021.

إحصائية من موقع Sensortower.com

يقول باحث المعلومات «دانيال كلوج» أن التيك توك يختلف كثيرًا عن مواقع التواصل مثل فيسبوك وإنستجرام، لكونه منصة غير مُصممة بالأساس لتدعيم التواصل بين أفرادها بالتعليقات والنقاشات والرسائل، إنما مصممة لغاية واحدة وهي:

iteration التكرار

أن يشاهد المتلقي محتوى بعينه، فيجاهد لتقليده وتقديم بارودي عنه أو نسخة متخيلة عبر أساليب مثل lipsync أو محاولة التمثيل على شريط صوت أصلي لمشهد أو أغنية.

يعتمد الفيسبوك مثلًا على خوارزمية تجعل حضور المتلقي يتضخم بالبطء والمراكمة، تصنع عددًا من الأصدقاء وتشارك بالتعليقات وبتقديم منشورات ليتعرف عليك التطبيق ببطء ويمنحك القدرة على تكوين قاعدة من المتابعين المعجبين بما تنشره، هذا النمط من الانتشار يحتاج عامًا وأكثر ليُحقق صانع محتوى آلاف المتابعين، أما خوارزمية التيك توك شديدة الديمقراطية والإغراء، يمكنك أن تنشيء حسابك الليلة، وتصنع فيديو للتو، وستتولى الخوارزمية إضافته للمقترحات for you، ولو نجحت نسختك المقلدة من شيء بعينه في الانتشار، يمكنك أن تجاوز مليون مشاهدة في يومين!

تفسر الطبيعة الفريدة للتيك توك النجاح المبهر الذي حظي به في عام الوباء متفوقًا على التطبيقات الأخرى، قام الوباء بمصادرة الواقع نفسه، كل مساحات اليومي والمعيش، الشوارع وأماكن اللقاء وفي النهاية الأجساد نفسها.

للنجاة، كان على الجميع أن يفروا لنمط حياة بديلة، تقليد أو بارودي للحياة الأصلية. باتت تحية الإشارة بديلًا عن العناق، وغرف الزووم بديلًا عن الاجتماعات، والتحديات الافتراضية بديلًا عن النزهات الحقيقية، صنع الوباء بارودي افتراضيًّا عملاقًا يحيا فيه الناس حياة بديلة عن واقع أصيل تمت مُصادرته. 

لهذا لجأ الناس للتطبيق الوحيد الذي يمكن عبره تقمص أغانٍ سعيدة ومشاهد كوميدية وأحوالًا أصلية بالتقليد، بدلًا من الفيسبوك الذي كان ساحة للشائعات وتغطيات مؤذية نفسيًّا لكل ضحايا وأرقام الموتى، يُمكن لأحدهم على تيك توك أن يبدأ الأمر بإعلان أو أغنية لا تجاوز الدقائق، ويندفع خلفه ملايين لتقديم نسختهم من الأغنية نفسها. بعض شركات الاتصالات قدمت إعلانها الدعائي لتغري المتلقين بتقديم نسخهم المقلدة عنه.

عرض السنة دي مش عادي مع اتصالات – YouTube

الأشباه

بعد انحسار الوباء، صار التيك توك مساحة ظهور الأشباه، كل نجم له حضوره الأصيل على الساحة ظهر له ظل، أشباه لنجوم مثل محمد صلاح ومحمد رمضان وعبلة كامل.

محمد صلاح مع شبيهه

ظهر «الحسيني» طالب الصنايع العسكرية مقدمًا نفسه للعالم باعتباره شبيه مطرب التراب «ويجز»، لا يملك الحسيني مثل كل الأشباه، حضورًا أو صوتًا أو أي قيمة يُقدمها، حضر ضيفًا في مواقع إخبارية لا تُحصى، في نهاية أحد اللقاءات بعدما طلب منه المذيع أن يغني مثل «ويجز» ويقلد حركاته يسأله: هل تجيد الغناء بنفسك دون تقليد؟

يقول الفتى ببساطة: لا.

ويجز مع شبيه

قدم «نصر حماد» نفسه في أكثر من 100 عمل فني على مدى عقود ولم ينل النجاح، بينما احتاج «الحسيني» حسب روايته لشهرين وحسب ليُحقق أكثر من مليون مشاهدة، ويظهر فخورًا بتعليق قام به «محمد هنيدي» على فيديو قدمه.

في الثمانينيات كانت السينما هي الوسيط الذي حكم ببساطة على موهبة «نصر حماد» بالفشل، بينما التيك توك في الألفية هو الوسيط الذي حكم على الأشباه بالازدهار، لأنهم يُقدمون الجوهر الذي صُمم التطبيق لأجله، أن يتشجع المتلقي ليخرج من دور التلقي لتقديم نُسخته المقلدة من المحتوى. في دورات أبدية من التكرار.

قدمت «عبلة كامل» أدوارًا بديعة تسيدت فيها لغة جسد مُميزة، يُمكن لشبيهة لها أن تستعيد تلك اللغة في تقليد أغانٍ جديدة لا تعرف عنها «عبلة كامل» شيئًا.

 يُمكننا أن نرى النجوم الذين يبالغون في الظهور في هالة من الكمال والتأنق في نسخ مقلدة أكثر شعبية وارتباكًا وركاكة. هذا ما يعنيه التيك توك، أن يمنحك هبة مشاهدة الشيء الأصيل في تجليات لا تُحصى، في دورات تكرار تستعيده في كل السياقات الممكنة. حتى لو كان أداءً ملحميًّا لأسطورة غنائية مثل «مايكل جاكسون» يمكن استعادته عبر شاب مصري بسيط على سطح أحد المنازل يصنع تقليدًا ركيكًا يصل به لملايين المشاهدات.

(1235) أنتش وأجري | مايكل جاكسون الغلابة – YouTube

حين يسطو البارودي على الواقع

يقول «الحسيني» إنه حقق ذروة تشبهه بويجز عندما رسم شاربًا، ويقول شبيه «محمد صلاح» إن كل من حوله نصحوه أن يطيل شعره ليكون نسخة من اللاعب، بينما يطل شاب أسمر البشرة بتسريحة اللاعب «ساديو ماني» الشهيرة، لا يكتفي الشبيه بتقليد نسخته الأصلية، بل يُصادر جسده طوال الوقت ليصير أسير صورة ممن يُقلده.

ساديو ماني وشبيهه

يحلم الأشباه بتلك اللحظة المثالية عندما تُحقق مشاهداتهم أعدادًا مليونية يسيل لها لعاب الشركات الكبرى، لتستعين بهم في حملاتها الإعلانية، تلك هي لحظة سطو البارودي على الواقع، وتحوله لأصل في ذاته.

نجح تريند «أنتش وأجري» الذي قلد فيه الشاب «هيثم أحمد» مايكل جاكسون في اجتذاب فنانين مشاهير لتقليده، حتى ظهرت أخبار حول شركة اتصالات كبرى سوف تضعه كول تون لمكالماتها، سرعان ما نفت الشركة الأمر وسط تكهنات غير مؤكدة عن تراجعها عندما قابل الرأي العام الأمر بالسخط.

لا يهدف المقال لتقديم إدانة أخلاقية متعالية للأشباه، أو تقديم تباكٍ أخلاقي حول الزمن الذي لم يعد مثل الزمن، إنما يهدف للتأمل المتمهل في سحر الوسيط أو قدرته على تغيير قواعد اللعبة بأكملها في صنع رسالة ما أو تلقيها.

يقول عالم الاتصال «مارشال ماكلوهان» إن الوسيلة أو الوسيط هي أهم عُنصر في عملية الاتصال بأكملها، لأنها تكسو المتلقي والمرسل بطبعها.

هناك نجوم للسينما الصامتة قتلهم شريط الصوت، ونجوم للمسرح قتلهم التلفاز الذي دخل المنازل كلها، وأصوات حديثة مثل المخرج «سبيلبرج» الذي انتقد وسيطًا مثل منصات البث (نتفليكس) باعتبارها تقتل تجربة المشاهدة في قاعات السينما، والتي يُعدها أساس السحر في عملية التلقي. لكن سطوة الوسيط نفسه أجبرت المخرجين الكبار الذين لم يألفوا أبدًا تجربة المشاهدة المنزلية على اللجوء له لإنتاج أفلامهم، مثل تجربة «سكورسيزي» و«ديفيد لينش» مع نتفليكس.

يمنح التيك توك كوسيط فريد من نوعه السلطة للمقلدين أو البارودي أو الأشباه ليمتلكوا فرادة في الواقع لم يمتلكوها مسبقًا.

في مسلسل «نسر السين» والذي عُرِض على اليوتيوب كبارودي عملاق عن الراب سين أو مشهد الراب العام الذي ضم مطربين جددًا سيطروا على الساحة الموسيقية، تتم استعارة «الحسيني» شبيه ويجز ليقوم بدور ويجز نفسه، جوار بطل يقوم بدور ظل لنجوم الراب الحاليين، في لحظة بعينها يُخطئ بطل العمل ويظن الحسيني هو ويجز، ويتصرف الحسيني مثل نجم ويدعم البطل في مسعاه للنجومية. 

عمدة وشبيه ويجز من مسلسل نسر السين

تلك لحظة بعينها تفقد فيها صلتك بالحقيقة، نحن بداخل تقليد للواقع، تظهر فيه شخصية مقلدة لتقوم بدعم شخصية أخرى مقلدة، طبقات كاملة من البارودي لا يوجد فيها أثر للواقع.

كيف يسجننا التيك توك في زمنيته؟

في دراسة بعنوان «Accelerating Dynamics of Collective Attention» يتحدث العلماء عن خطورة تطبيقات مثل التيك توك على المخ البشري، في أنها تُقصر «زمن الانتباه»، وهو الزمن الذي يستطيع خلاله العقل الاستغراق بتركيز في تلقي معلومة بعينها.

أبلغ مستخدمون كثر عن قدرتهم فيما مضى على مشاهدة فيديو مدته 10 : 30 دقيقة، أما الآن فيصعب عليهم مشاهدة فيديو يجاوز خمس دقائق، وذلك بسبب طبيعة فيديوهات التيك توك التي لا تجاوز أحيانًا الدقيقة.

تطبيق تيك توك

يصف بعض الباحثين إدمان تلك الفيديوهات بأنه يشبه دورة الإدمان المعتادة للمخدرات، حيث تمنح لحظة طرد الفيديو القديم لأعلى واستقبال فيديو جديد دفعة من الدوبامين للمخ، لهذا ينفر المتلقي من البقاء طويلًا مع فيديو بعينه، يسارع بطرده لأعلى ليحل محله فيديو جديد، ويستقبل عقله دفعة جديدة من الدوبامين.

يصعب أن تتخيل شبيه ويجز وهو يقدم ألبومًا أو حفلًا كاملًا، وحتى محاولاته لتقليد ويجز في لقاءاته الحوارية لا تجاوز 50 ثانية من الأداء، وهي مدة الفيديو نفسه على التيك توك، يصعب كذلك أن تتخيل شبيه «محمد صلاح» يلعب مُباراة كاملة، أو شبيهة «عبلة كامل» تقدم عملًا فنيًّا، يمنح الوسيط الأشباه النجاح اللازم، لكنه يؤطرهم كذلك بالمدى الزمني الخاص به، مثلما يأسر العقل البشري لملايين المتلقين ويحصره في المدى الزمني نفسه.

الخيط الرفيع بين البارودي والواقع

لا يُفكر أبي في هتلر إلا برجفة، نصف رعب ونصف افتتان، يقول لي بني فكر، أنا المُهرج وهو الرجل المجنون، لكن بقليل من التعديل كان يُمكن أن نتبادل الأدوار.
تشابلن الابن

في عام 1939، بعدما قام هتلر بترويع العالم بغزوه بولندا، قرر «شارلي تشابلن» تصوير فيلم great dictator الذي يُقدم فيه الممثل نفسه كبارودي أو شبيه للطاغية الألماني.

كان الفيلم مغامرة محفوفة بالمخاطر، خاف صناع السينما اليهود أن تؤدي مغامرة كتلك لمزيد من التنكيل بيهود أوروبا، وخاف آخرون من أن يغلق السوق الألماني أبوابه في وجه أفلامهم.

شارلي شابلن من فيلم The Great Dictator

كسا «تشابلن» بأداء أسطوري الحضور المهيب لأدولف هتلر بلعنة أبدية، قوض هالته وعظمته وصادرها في مخيال شعوب كانت ترتعد، لكنها باتت تستمد جلدها وشجاعتها من صورة البارودي، قليل من التشذيب لشارب هتلر وقُبعة تكفي لتحويله إلى مُهرج لا أكثر، يقول ابن تشابلن إن أباه عانى طويلًا بعدها من قدر القرب الذي منحه هذا الفيلم لوجدانه من هتلر، كان الخيط رفيعًا بين الواقع والبارودي، بين الطاغية والمُهرج، فيما بعد سيقول تشابلن إنه لو كان يعلم وقت التصوير بمجزرة الهولوكوست كان سيمتنع عن تمرير مأساة الحكم النازي في صورة دعابة، لكن كثيرين يعتبرون أن تحفة تشابلن هي ما منح القلوب بصيرة لترى هتلر على حقيقته وتتحرر من خوفها، تحول البارودي لأداة مقاومة لبؤس الواقع. ومنح تشابلن الجماهير الخطاب الذي تمنوا أن يسمعوه من هتلر، خطابًا يُمجد الإنسانية والإخاء وينبذ الجنون.

في سياقات بعينها نحتاج للتقليد أو للبارودي، مثل أفلام تيمة الشبيه وتحفة تشابلن لنروض نسخًا أصلية مخيفة باحتلال ملامحها ومنحها قلبًا طيبًا، وفي سياقات بعينها يتغول البارودي والشبيه ليصير نسخة بلا معنى أو غاية من أصل موهوب، نسخة تحيا على دورات أبدية من التكرار أملًا في أن تصنع من نفسها أصلًا في النهاية.