دعنا، استكمالاًللمقال السابق، نبدأ من التعقد. فالممارسة العلمية هي عملية غاية في التعقد تتضمن مراجعات متكررة للبيانات و للقوانين المبنية عليها و للاستنتاجات النهائية، كما تتضمن خوض اختبارات متتالية بأشكال مختلفة على مدى زمني واسع لتفنيد كل معاييرها، أضف لذلك كم التعقيد الذي تواجهه التجارب السريرية و التجارب مزدوجة التعمية، بل إن الكشف عن دواء جديد – مثلاً – يأخذ مدة قد تصل لـ 15 عامًا كي نتمكن من تجريبه على البشر.

حينما تتولى البرامج الصباحية و صفحات الترويج للعلوم على الفيسبوك مهمة توصيل العلم للناس، يتحول العلم لمجموعة من العناوين المطرزة بجمل مثيرة

يتم نشر عشرات الآلاف من الأبحاث العلمية سنوياً و لا يُقبل منها إلا نسبة لا تتجاوز الـ 4%. لكن كل هذا يتحطم تماماً حينما تتولى البرامج الصباحية و صفحات الترويج للعلوم على الفيسبوك مهمة توصيل العلم للناس، حيث يتحول العلم لمجموعة من العناوين المطرزة بجمل مثيرة من نوعية: «تصيبك القهوة بالسرطان»،«يمكن للشيكولاته أن ترفع من معدلات الطلاق»، «الرجال أكثر قبولاً للانتحار من النساء»، «انتبه، ابتسامة الصباح في وجه زوجتك تقلل معدلات إصاباتها بالاكتئاب من 20 إلى 3 % فقط» !، تصل تلك الجمل لك على أنها حقائق علمية مثبتة لا جدال فيها، فالجمهور عادة لا يتوقف لفهم ما تعنيه نتائج إحصائية غاية في التعقد، و لا ما تعنيه كلمة «علم» كمنهج معرفي مبني على التشكك المتتالي، كل ما يتعلمه من عناوين كتلك هو أن هذا الكائن الفانتازي الذي ندعوه «العلم» يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الـ Morning Text له تأثير نوعي على درجة تقبل الأنثى لمهر أقل من المتوقع بمعدل ألف جنيه لكل 80 رسالة نصية.

تطور الأمر في النهاية ليصبح ما أحب أن أسميه «مشكلة قد»، حيث يلتف الكثير من مروجي العلوم حول ما تقدمه بعض الدراسات العلمية من احتمالات منطلقين لصياغة الخبر العلمي بطريقة «قد»، اكتشاف علمي جديد «قد» يساعد في علاج نهائي للسرطان ، اكتشاف علمي جديد «قد» يساعد على التخلص من مرض السكر، اكتشاف علمي جديد «قد» يكشف عن أصل الكون. الجمهور لا يعرف ما تعنيه تلك الـ «قد» فهو يتعامل مباشرة مع الخبر على أنه ما يقوله العلم، تتكرر تلك النوعية من الأخبار العلمية القافزة لاستنتاجات غاية في البعد، ثم يظل مواطن ما لمدة 20 سنة يقرأ و يسمع كلاماً عن علاجات نهائية للسرطان فيتساءل في النهاية: هل العلم فاشل؟ هل يكذب علينا؟ هل سوف نظل 20 عامًا أخرى نستمع لهم؟ .. هنا يتسبب الترويج للعلم في فقدان الثقة فيه.


شعبنة العلوم كأداة لفرض سلطة

لا شك أن استخدام العلم كأداة لترويج موقف سياسي أو ديني هو مشكلة غاية في الوضوح و الأهمية، فالعلم – كما قلنا – هو نقطة قوة يمكن الاعتماد عليها دائماً. دعنا مثلاً، كمواطنين لا يعرفون الكثير عن العلم، نبدأ في بحث قصير على الويب عن مشكلة الاحتباس الحراري لكي نفهم ما يعنيه ذلك المصطلح و الدلائل العلمية على وجود تلك المشكلة. لنفترض أن ذلك له علاقة بالتصويت في الانتخابات القادمة، سوف تجد على الويب مئات النتائج المتضاربة و التي يخدم كل منها وجهة نظر مختلفة. في كل مرة يتم تبسيط المعلومة العلمية بشكل مختلف و بتطعيم مختلف و باستخدام جائر لجهل المواطن بما تعنيه النتائج الإحصائية فيؤكد البعض أن الاحتباس الحراري حقيقة علمية، و يرد البعض بجمل رنانة من النوع: «ماذا تقصدون أيها السادة؟ هل يمكن أن نصنع قراراً سياسياً بهذا الثقل بناءً على نتائج إحصائية؟ كفى أرجوكم».

دعنا نراقب الصفحات التي تروج لـ «مع/ ضد المثلية» و استخدامهم المتضارب لنفس المعلومات العلمية بطرق متباينة بحيث يتخذ كل طرف مما يدعي أنه «حقيقة علمية» منطلقاً لدعم كل ما يروج له من قضايا، رغم أن الحقائق العلمية قد تدعم اتجاه ما على حساب الآخر، كدعمها لنظرية التطور في مواجهة كل الجدل الزائف الذي تقدمه أفكار مهترئة لا ترقى لأن تكون فرضيات علمية كالتصميم الذكي. إلا أن هذا النوع من الاستعراض يُخرج العلم من القضية تماماً لتصبح حرباً تضيع فيها الحقائق و تنتصر فيها اللغة المستخدمة و أسلوب تقديمها و مدى وسامة مقدم البرنامج أو تديّنه !

يعد استخدام تبسيط العلم للترويج للإلحاد أو للإيمان عائقًا رئيسيًا أمام توصيل العلوم للعامة، حيث نصل في النهاية، كمواطنين في البيوت، لنتيجة من اثنتين: تقول الأولى أن هناك تعارضاً بين الدين و العلم و هو ما يخيف الجمهور، خاصة في المجتمعات النامية، من كلمة «علم» ذاتها، من الكيمياء و الفيزياء و البيولوجيا، و يساعد انتشار الخرافات من دجل و شعوذة في تلك المجتمعات مقترناً مع المشكلات السابقة على إفقاد العلم كل قوة ممكنة أمام الناس، فيصبح العلم كفر و الاستطباب بزيت قنديل أم هاشم هو البديل المتاح. و تقول الثانية أن وظيفة العلم هي شرح النصوص المقدسة و التأكيد على صحة ادعاءاتها جميعاً و كأنها كتب فيزياء نووية، هنا يصبح شرب بول البعير لعلاج الالتهاب الكبدي الوبائي هو العلم الجديد. و في المقابل يروج ريتشارد دوكينز و لورانس كراوس للإلحاد باسم العلم بينما يضغط سام هاريس على الحتمية الجينية كأنها جوهر العملية العلمية !

أضف لذلك أن عملية الترويج للعلم على أنه هذا المشروع الغاية في السهولة و الذي يمكننا من بناء «علوم» كاملة استناداً إلى أبحاث منفردة تساعد دائماً على انتشار العلوم الزائفة التي تنهل من صحة و جيوب مواطني المجتمعات النامية خاصة تلك التي تعاني قلقاً سياسياً و اقتصادياً، فتنتشر البرمجة اللغوية العصبية على أنها علاج الأحلام للاكتئاب و الضغوط العصبية و تمكينك حفظ 5 كتب في أقل من 48 ساعة، و تنتشر علوم الطاقة و البيوجيومتري على أنها فرصة لخلق إنسان جديد قادر على هزيمة الفشل بدون بذل أي جهد، و ينتشر الإعجاز العلمي في الكتب المقدسة كوسيلة للترويج السياسي أو الديني لتوجهات بعينها في محاولة مضنية للتحكم في العلم و محتواه بحيث تخضع كل نظرياته لرأي رجال الدين.


تبسيط العلم

عملية الترويج للعلم كمشروع غاية في السهولة يمكننا من بناء «علوم» كاملة استناداً إلى أبحاث منفردة، تساعد دائماً على انتشار العلوم الزائفة
إذا لم تستطع شرح فكرتك لطفل في السادسة فأنت لم تفهمها بعد

ينسب هذا الاقتباس الشهير لأينشتين، كما يقول رذرفورد أنه «من المفترض أن يكون من السهل شرح قوانين الفيزياء لنادلة في حانة»، بينما في الجهة الأخرى يقول ماكس فيبر، السوسيولوجي الألماني و أحد مؤسسي علم الاجتماع المعاصر، أن «الإحتياج إلى الانتشار الشعبي الضروري قد لا يتسنى دائماً التوفيق بينه و بين الاحتياج إلى تحديد المفاهيم على أدق وجه ممكن مما يجعل من الضروري تجنبه».

اتفق هنا مع الرأي القائل بأن تبسيط العلم و المعارف المتخصصة في العموم هو أمر ممكن، بل هو ضروري، ذلك لأننا نحتاج دائماً أن نخلق نقاط تواصل بين العوالم المعرفية المختلفة، حتى يتسنى لكل شخص إعطاء رأي في كل نشاط بشري، العلم – كأي نشاط بشري – يجب أن يخضع لنقد العامة كما يخضع لنقد المتخصصين، لا حاجة لنا في متخصص يعرف من الرياضيات الكمومية ما يعرف و يتخذ من تلك المعارف سلطة يمكنه أن يمارسها على البعض ممن لا يعرفون أي شيء عما تعنيه كلمة «كوانتم». كذلك، فلأن الإنسان عدو ما يجهل، سيؤدي الفصل الكامل بين التخصص و العامة إلى تكوين رفض تدريجي تجاه ذلك التخصص قد يتصاعد سياسياً فيما بعد ليحد من الإنفاق على نشاطه البحثي.

لكننا حينما نناقش تبسيط العلم فنحن لا نتحدث فقط عن التقنية المستخدمة في عملية التبسيط، بل يخرج ذلك ليناقش المشروع القائم على الأرض، الكتب، المجلات، الوثائقيات، البرامج الصباحية، فيديوهات براين كوكس، رقصات بيل ناي، منشورات صفحة IFLS ، و تويتات نيل ديجراس تايسون. هنا يجب الاعتراف أننا، في اليوم الذي أصبح العلم فيه استعراضًا مسرحياً أو «شو» إمتاعي، حينما تحول لكتاب تفسير، حينما ظهر زغلول النجار و علي منصور كيلاني في مجتمعاتنا و في ظهير كل منهم عدد مجنون من شباب و شابات الوطن العربي المقتنعين بأن أبحاث القراءة على الماء و نظرية أبواب السماء هي أمور علمية، هنا يجب أن نعترف أننا نواجه مشكلة في أثناء محاولاتنا لإيصال العلم لهم. مشكلة عرضت بعض جوانبها بوضوح في مجموعة النقط السابقة، و يجب أن نبدأ على الأقل بالإشارة لوجودها و تأمله و محاولة إيجاد حلول، خاصة في فترة يمر فيها العالم بحالة من التطرف و التوتر، لا يجب أن يدخل خلالها العلم ليصبح سلاحاً في يد كل طرف، فنحن لا نود أن نفقد الثقة في أفضل منهج معرفي وصلنا إليه كبشر.