كعادة تلك المناسبات؛ الرغبة في التواصل الدعائي مع حشود الناخبين تطغى على اعتبارات البروتوكول الأمني، يتقدم المحبون تباعًا صوب سياسييهم المفضلين، يحني السياسي رأسه منتظرًا أن تلقاها باقة من الورود، ينقضي المشهد بعد ثوانٍ، قبل أن يحمل الحرس المرافق باقة الورد جانبًا تمهيدًا لاستقبال آخر، لكن الأمر لم يمر بنفس السهولة في ذلك اليوم الموافق 21 مايو/ آيار 1991.

عندما تقدمت تيموزي رجارتنام لتحية رئيس الوزراء الهندي السابق راجيف غاندي، ثم ضغطت على زر كانت تخفيه أسفل ملابسها، مطلقة حمم الحزام الناسف الذي كانت ترتديه، قبل أن يُعلن التلفاز الوطني مقتل ابن المرأة الحديدية الهندية أنديرا غاندي. قصة تيموزي أو نادو كما تُعرفها وسائل الإعلام تعود قبل ذلك إلى زمن بعيد، حينما قرر المستعمر البريطاني استقدام عمالة رخيصة من عرقية التاميل الهندوسية للعمل في مزارع البرجوازيين السنهاليين البوذيين الذين يشكلون الأغلبية العرقية في سيرلانكا.

أثبت التاميل الهندوس كفاءتهم قبل أن ينجحوا في بناء نقابات عمالية، مهّدت لهم الطريق نحو الترقي الاجتماعي في الوظائف الحكومية خصوصًا في قطاعي التعليم والخدمات.

قبيل رحيل الاستعمار البريطاني بدأت ملامح التمايز العرقي تظهر بجلاء، بين أغلبية سنهالية بوذية تمثل 70% من التكوين السكاني، و15.5% من التاميل الهندوس، أما المور المسلمون والمسيحيون الكاثوليك فقد تقاسموا النسبة الباقية مناصفةً. وما إن تشكّلت أول حكومة وطنية بعد الاستقلال عام 1948 حتى بدأت الأغلبية السنهالية في تجفيف مصادر قوة الأقلية التاميلية، عبر مسارين أولهما: حرمان مليون تاميلي من حق التصويت، وثانيهما، إقرار القانون العام بجعل السنهالية لغة رسمية، وجعل إتقانها شرطًا مُسبقًا للالتحاق بالسلك الإداري، بما يعني في شطره الآخر قصر الوظائف العامة على السنهاليين وحرمان التاميل الذين لا يجيدون سوى لغتهم المحلية إضافة إلى لغة المستعمر الإنجليزي.

قلة من السياسيين السنهاليين أدركت حتمية تخفيف التوتر الطائفي الذي يلوح في الأفق، وعلى رأسهم رئيس الوزراء سولمون بندارنيكا، الذي وقّع اتفاقًا مع زعيم التاميل كليفانيام، يجري بمقتضاه منح الأقلية التاميلية الحق في تشكيل مجالس محلية في مناطق كثافتهم السكانية، فضلًا عن استمرار اعتماد التاميلية في أجهزة الدولة دون التخلي عن بند دستوري يجعل السنهالية لغة رسمية وحيدة. نشطت المعارضة السنهالية المتشددة بقوة تجاه ما عدّته تنازلًا هوياتيًا من رئيس الوزراء، وهو التشدد الذي أخذ منحى دمويًا عام 1959 حينما طلب راهب بوذي يُدعى تالدوي سومارامه لقاء رئيس الوزراء، وحينها باغته بأربع رصاصات قاتلة من مسدس كان يخفيه أسفل زيه الديني.

كان اغتيال بندارنيكا فاتحة للنكوص عن التزامات التهدئة مع الأقلية التاميلية التي وجدت نفسها من جديد عام 1972 في مواجهة دستور جديد يمنح اللغة السنهالية والديانة البوذية وضعًا استثنائيًا في هوية الدولة. تشدد سنهالي قابله تطرف تاميلي عبّر عن نفسه في تجاوز مطالبه الأولية المتمثلة في حماية الهوية اللغوية إلى المطالبة بالانفصال وتشكيل دولة مستقلة في الشطر الشرقي.

كان اندلاع الحرب حتميًا عام 1983 عندما تمأسست المطالب الانفصالية في إطار حركي يُدعى نمور التاميل، يمتلك دعمًا من مليون متطوع، فضلًا عن ظهير هندي في ولاية تاميل نادو التي وفّرت معسكرات التدريب وموّلت النمور بالسلاح. ولم تجد الحكومة المركزية في كولومبو بدًا من تجريم الانتماء إلى حركة النمور، وعزل كل تاميلي مُعترض على السياسة العامة المُمكنة للسنهاليين البوذيين من الوظائف العامة وتجريده من حقوقه المدنية.

لم تكد تمر أربع سنوات من القتال حتى تحولت الحرب الأهلية السيرلانكية إلى ملف إقليمي، خصوصًا بالنسبة إلى الجارة الهند التي تعرضت مكانتها الإقليمية إلى هزة عام 1962 عندما تكبدت خسارة فادحة أسفرت عن مقتل 1400 جندي وأسر 4000 في النزاع العسكري الحدودي مع الصين على منطقة أكساي تشين، ولم يكن مقبولًا لساستها من حزب المؤتمر خسارة امتداد حيوي في سيرلانكا المرتبطة عضويًا بالشق التاميلي الهندوسي بالديموجرافيا الهندية.

كانت نيودلهي متورطة في تدريب التاميل عسكريًا، إلا أنها استجابت رغم ذلك إلى دعوة رئيس الوزراء السيرلانكي جي جياوريندي عام 1987 للوساطة في التوصل إلى اتفاق سلام شامل، تقوم الهند بمقتضاه بإرسال 48 ألفًا من جنودها كقوات حفظ سلام، وتتولى أيضًا سحب سلاح متمردي التاميل رضاءً أو جبرًا، وهو ما وافقت عليه الهند، وصاغته في اتفاق وقع عليه مسئولو البلدين، وعُرف باسم اتفاق «كولومبو». الهند أدارت ظهرها لحلفائها البيولوجيين في سيرلانكا، وانحازت للحكومة السنهالية البوذية، ولقاء ذلك تحصّلت على ثمن حيوي بجعل ميناء ترينكو مالي وكافة الموانئ الأخرى تباعًا غير خاضعة للاستخدام العسكري من قبل أي دولة أخرى، وهو الوصف الذي تُقصد به الصين حصرًا.

وإزاء ذلك تحوّلت القوات الهندية بالنسبة لنمور التاميل من حليف مُفترض إلى خصم عسكري توجّب قتاله. بدأ نمور التاميل رحلة فرار طويلة تجاه الغابات. وحينما يعودون للقرى، لا يكون ذلك إلا بغرض قنص جندي هندي أو تفجير شاحنة عسكرية. سيرلانكا للهند كانت كفيتنام للولايات المتحدة، مقبرة أودت بحياة ألفي جندي هندي، وأعادت صياغة الصورة الذهنية للهند في إقليم شرق آسيا كقوة استعمارية. في الأخير كانت كلفة البقاء مضاعفة، فشرعت نيودلهي في سحب قواتها، إلا أن ذلك لم يحل دون انتقام التاميل على يد الفتاة الانتحارية تيموزي التي لم تغفر لأحد الجنود الهنود جريمة اغتصابها، فذهبت لتفجير نفسها في مُرسله، رئيس الوزراء راجيف غاندي.

أطلق رحيل آخر جندي هندي موجة من العنف الذي طال ابتداءً مسلمي المور القاطنين في مناطق نفوذ التاميل، والذين أظهروا انحيازًا مبدئيًا للنهج الحكومي في ضمان السلامة الإقليمية، وعبّر كبار قياداتهم عن تأييدها للأحزاب الكبرى؛ الحزب الوطني المتحد، وحزب الحرية. انحياز لم يقبل به التاميل، الذين دفعوا بزمرة من مقاتليهم إلى حيث يقيم المسلمون شعائرهم الدينية في مسجد إقليم كاتنكودي، وهناك فتح المسلحون النار فأردوا 147 مُصليًا، وكانت تلك فاتحة لنزوح زهاء 80 ألف مسلم من قراهم خوفًا من تعرضهم للانتقام.

بعد أعوام ثلاثة سيدفع الجمهورية السيرلانكية بيرامادسا حياته ثمنًا للحرب الأهلية بتفجير انتحاري نفّذه مقاتل تاميلي، ولن تمضي ثلاثة أعوام أخرى قبل أن يرتكب التاميل مجزرة راح ضحيتها 100 مدني في انفجار استهدف البنك المركزي بشاحنة حملت نصف طن من المتفجرات. تحولت البلاد بأسرها إلى ساحة قتال مفتوحة خلال عقد التسعينيات الذي شهد سقوط أزيد من 10 آلاف قتيل، مما دفع الحكومة إلى قبول الوساطة النرويجية التي تمخّض عنها اتفاق لوقف إطلاق النار في 2001، مقابل تخفيف الحصار الحكومي على مناطق التاميل في الشرق والشمال.

لم يستمر مسار التهدئة أكثر من أربع سنوات، حينما انعقدت الانتخابات العامة التي أسفرت عن فوز ماهيندرا راجابكسا برئاسة الوزراء عام 2004 ثم رئاسة الجمهورية بعد عام. التزم راجاباكسا باتفاق التهدئة شكليًا، بينما مضى في الوقت نفسه لحصار التاميل دبلوماسيًا وماليًا، حينما خاطب عواصم 32 دولة لتصنيف نمور التاميل منظمة إرهابية، وأعلن انتهاء الوساطة النرويجية وشرع في حملات قصف جوي مكثفة طالت المدنيين. عادت الأمور للمربع الأول بتفجير جديد أودى بحياة وزير الخارجية لاكشمان كاريجمار، والأعوام اللاحقة للصراع ستكون الأسوأ من حيث الكلفة البشرية على الإطلاق.

إزاء المسلك الذي اتخذه راجباسكا علقت الولايات المتحدة مساعدتها العسكرية والمالية إلى سريلانكا، ولم تتردد الصين في ملء الفراغ الأميركي بمليار دولار من المساعدات، فضلًا عن هدية عسكرية مكونة من 7 طائرات F7. في حين التزم الحليف الباكستاني بتدريب طياري القوات الجوية السريلانكية، لم يتوقف الدعم الصيني هنا، إذ استخدمت بكين حق النقض في مواجهة المحاولات الأميركية في مجلس الأمن لاتهام راجباسكا بجرائم حرب. دعم عسكري ودبلوماسي صيني والمحصلة انتصار حكومي سيرلانكي ساحق باغتيال زعيم الحركة فيلوبلاي برابهاكاران عام 2009، لتنتهي بذلك أطول حرب أهلية في آسيا دامت 26 عامًا وأسفرت عن سقوط 90 ألف قتيل، سقط نصفهم في السنوات الأربع الأخيرة من القتل.

توقفت الدماء ولم تتوقف اللعبة الجيوبوليتكية، إذ حصدت الصين ثمار دعمها لنظام راجباسكا بالحصول على موطئ قدم في ميناء هامبانتونا الإستراتيجي بعد أن ضخ بنك اكزيم الصيني 1,4 مليار $ في الميناء مثّل ربع الاستثمارات الصينية التي تدفقت إلى سريلانكا في الأعوام من 2005-2014، وهو الأمر الذي استنفر الهند بعد أن تطور النفوذ البحري الصيني من تأمين ممر إضافي على طريق الحرير إلى جوار المحطات البنجالية والباكستانية والنيبالية، إلى حد دخول غواصة صينية إلى ميناء كولومبو دون سابق إنذار، فاندفعت نيودلهي إلى دعم مايثريبالا سيريسينا في مسعاه لرئاسة الجمهورية، وعندما فاز لم تتأخر بكين بدورها في الرد على دعايته المناهضة للاستثمار الصيني، بإجباره على بيع أصول ميناء هامبانتونا لمدة 99 عامًا بعد عجزه عن سداد الديون.

وبينما تتهيأ كولومبو لتجاوز ماضيها، والانصراف إلي تلمس موقعها كقوة صغيرة بين عملاقيين آسيويين، يأبي حاضرها إلا أن يكون متسقًا مع ماضيها العُنيف، وإن اختلفت أطراف المواجهة وهويات الضحايا، في الأولى ذهب مسلمون ضحايا لهجمات المتطرفين البوذيين المنتسبين إلي جماعة BSS التي نتج عنها تدمير 24 مسجدًا وما لايقل عن 160 محلًا تجاريًا في 2018 إثر شائعة عن وضع التجار المسلمين حبوبًا لمنع الحمل في طعام البوذيين لخفض نسبة مواليدهم، وهي الشائعة التي نفتها الحكومة قبل أن تعلن حالة الطوارئ وتفرض حظرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي الثانية سقط ثلاثمائة قتيل في تفجيرات استهدفت دور عبادة مسيحية وفنادق فاخرة، بينما تُشير أصابع الاتهام الحكومية إلى جماعة التوحيد الوطنية الإسلامية المتطرفة، وهو الاتهام الذي ما زال يخضع لتحقيق مكثف، تشترك فيه أجهزة عالمية، لمعرفة الصلات الدولية لتلك الشبكة المحلية المحدودة التي لا يُرجح قيامها منفردة بتلك الهجمات الإرهابية.

وفي انتظار الكشف الحكومي الكامل لتفاصيل العملية الإرهابية، يبقي المؤكد أن التاريخ السريلانكي زاخر بفصول من العنف الدامي الذي صاغ حقبة ما بعد الاستقلال. عنف اشتبك فيه القومي والديني، الخبرة الاستعمارية والأجندة التحررية، المحلي والإقليمي، والجيوبوليتيك بالدماء، على نحو يندر أن تئن من وطأته خبرة موازية.

المراجع
  1. المشكلة الطائفية في سريلانكا، ستار جبار الدليمي، قسم الدراسات الإستراتيجية، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد.
  2. الهند ما بعد غاندي: تاريخ أكبر ديمقراطية في العالم، راماتشندرا جوها.
  3. Superpowers and small States, US,China and India vie for Influence In Sri Lanka, Polly Diven, Grand Valley State University
  4. How Beijing won Sri Lanka's civil war, The Independent, May 2010