اختلفت الخريطة السياسية في مصر منذ 25 يناير/كانون الثاني 2011، فمنذ رحيل مبارك مرت مصر بمنعطفات كثيرة ومتغيرة كان الثابت فيها هو مؤسسة الأزهر.

وقد تعالت موجة الثورة ووصلت إلى الأزهر، فقد كان من الصعب انتشار الروح الثورية هناك.

وهنا كان على شيخ الأزهر أن يُدرك اللحظة الفارقة في تاريخ هذه المؤسسة، بعد قمع دام أكثر من 60 عامًا. فكانت البداية باستقبال رموز، ما كانت تطرق باب مكتبه لو ظل نظام مبارك في الحكم؛ بدايةً بقيادات جماعة الإخوان المسلمين، ومرورًا بخالد مشعل، القائد السابق لحركة حماس، وانتهاءً بفتح حوار مع المثقفين الليبراليين بشأن المبادئ السياسية.

وكانت الخطوة الأكثر أهمية وبداية المناداة العلنية بمنحه المزيد من الاستقلال؛ هي إصدار وثيقة الأزهر في 2011، تلك الوثيقة التي أعلنها الشيح أحمد الطيب بمشاركة مجموعة من المثقفين من مختلف المدارس الفكرية، والتي أكد من خلالها التزام الأزهر بالمنهج الوسطي. وجاءت المادة العاشرة صريحة وواضحة حينما نص فيها قائلًا:

تأييد مشروع استقلال مؤسسة الأزهر وعودة هيئة كبار العلماء واختصاصها بترشيح واختيار شيخ الأزهر، والعمل على تجديد مناهج التعليم الأزهري؛ ليسترد دوره الفكري الأصيل وتأثيره العالمي في مختلف الأنحاء.

ولم يكن دعم التوجهات الليبرالية لوثيقة الأزهر من أجل الموافقة على توجه الدولة نحو النظام الديني والقيمي المعتدل، أو دفع المجتمع نحو مسار أكثر تدينًا. بل كان الواقع السياسي يشهد تدافعًا سياسيًّا بين قوى الإسلام السياسي. فكان عليهم دعم مبادئ الأزهر التي يرونها أكثر مرونة من مبادئ جماعتي الإخوان المسلمين والسلفيين.

ومع نهاية 2011 وبداية 2012 انتخب مجلس الشعب المصري. وقبل انعقاد جلسته الأولى ببضعة أيام أصدر المجلس العسكري الذي كان يُدير البلاد آنذاك تعديلات على القانون 103 المتعلق بالأزهر؛ الأمر الذي منحه وضعًا شبه مستقل.

ونصت المادة الرابعة من الدستور على أن الأزهر «هيئة إسلامية مستقلة جامعة» ويختص دون غيره بالقيام بجميع شؤونه. كما أعادت التعديلات هيئة كبار العلماء، وأصبح من حقها انتخاب شيخ الأزهر واختيار المفتي. كما نص دستور 2012 على أن يؤخذ رأي هيئة كبار العلماء حول المسائل المتعلقة بالشريعة الإسلامية.


الأزهر والإخوان

لم تكن علاقة الأزهر مع الإخوان المسلمين علاقة تصادمية، حيث كانت الخلافات بينهما دومًا سياسية الطابع، وليست عقائدية، واتضح ذلك من دعم الإخوان لهيئة كبار العلماء، ودعم استقلالية الأزهر.

وبعد وصول ممثل الجماعة محمد مرسي لسُدة الحكم. وبالرغم من عدم وجود صراع قوي بين المؤسسة الدينية والرئاسة، فإن الطيب لم يكن متوافقًا مع قرارات النظام الجديد. الأمر الذي جعله يقف على الحياد.

ولم يستطع الطيب الاستمرار والمحافظة على حياده بعد وصول الشارع المصري لحالة من الاحتقان السياسي اعتراضًا على سياسات مرسي. ووصل الأمر لعزل مرسي في أحداث 3 يوليو/تموز 2013، وظهر الطيب بجانب وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي، ليعلن خارطة الطريق لبدء فترة سياسية جديدة، وحاول أن يبرر الطيب ظهوره في ذلك المشهد بأنه لم يكن دخولًا للعبة السياسية فقال:

ولا شك أن موقف الطيب أثر على مصداقية الأزهر، على الأقل عند من هم ضد التوجه العسكري. وجُرَّ الأزهر للدخول في اللعبة السياسية بشكل أكثر فاعلية من ذي قبل. كما أن الطيب حاول أن يُحسن صورته بعد الأحداث، فدعا إلى حوار وطني لجميع الأطراف. الأمر الذي لم يلقَ رواجًا أو صدى عند السلطة آنذاك.[1]


فترة حكم السيسي

كان واضحًا أن علينا الاختيار بين قرارين مريرين.

قاد النظام السياسي في مصر المؤسسة الدينية للصراع القائم بينه وبين جماعة الإخوان، واكتشفت المؤسسة الدينية أنها جُرت للعبة السياسية. وأصبح الأزهر مطالبًا بوجود مكثف وظاهر في جميع القرارات السياسية والسياسات العامة للسلطة.

ولكن سرعان ما تصاعدت الصراعات بين الرئاسة والأزهر. وكان أبرز ملامحها؛ السيطرة على المساجد وتوحيد الخطبة وقضية تجديد الخطاب الديني.

وبالرغم من أن أنصار جماعة الإخوان إلى حد كبير خارج المؤسسة الدينية، فإن هذا لا يمنع أن لها بعض الأنصار في الداخل. وقد عمد السيسي إلى تتبعهم وإقالتهم من مناصبهم، كما سعى إلى إنهاء تأثيرهم في المناهج الدراسية. وأسكت العديد من الحركات الطلابية داخل صفوف الأزهر.

ولم تتوقف مؤسسة الرئاسة عن المناداة بما أسمته «تجديد الخطاب الديني»، وكانت الكلمة عمومية وفضفاضة؛ فلا يُعلم المقصود منها، هل هم تنظيم داعش، أم الإخوان المسلمون، أم المتشددون داخل صفوف الأزهر، أم أن المقصود مزيج من هؤلاء جميعًا.

وجاء موقف المؤسسة الدينية غير واضح من فكرة تجديد الخطاب الديني، فكان من الصعب تلبيتها بالمعنى الفضفاض الذي عرضه الرئيس، وفي الوقت نفسه لا يمكن تجاهله.

وهنا تصاعد الخلاف بين شيخ الأزهر أحمد الطيب ووزير الأوقاف محمد مختار جمعة. فبينما سعى الوزير متلهفًا لإثبات نفسه في عيون النظام، كان الأزهر يرد بأنه من الأفضل ترك مسألة التجديد في عهدة الخبراء داخل الأزهر نفسه، فعلى سبيل المثال رأى أن مسألة توحيد خطبة الجمعة سوف تتسبب في تجميد الخطاب الديني وليس تجديده.

ما بين محاولة استخدم الأزهر كأداة مفيدة في ترسيخ الأنظمة السياسية القائمة، وبين اعتباره ساحة حرب لمواجهة الأفكار المتطرفة والعنف، وبين نظرة الجماهير له باعتباره الصوت الأمين المعبر عن الدين. سعى الأزهر نحو حيازة الاستقلال ولو بشكل محدود، فتارة يختبئ تحت مظلة الدولة، وتارة أخرى يُعارضها. وبين هذا وذاك، يظل الأزهر هو المعادلة الأكثر تعقيدًا في المشهد السياسي في مصر.

المراجع
  1. ناثان ج. براون، الأزهر في حقبة ما بعد الثورة، مؤسسة كارنيغي للشرق الأوسط، سبتمبر 2011، لبنان. ص 16.