إن الناس يباعون ويُسرقون كل يوم، وهم يعلمون ذلك علم اليقين، وإذا أراد علم الاجتماع ألا يكون مجرد زركشة فارغة يترقى بها أساتذته وطلابه، فإن عليه أن يخبر الناس من خلال أعماله كيف يتم ذلك لا أن يردد ذلك على مسامعهم ليل نهار.
جون برنال: العلم في التاريخ

هكذا نقل الدكتور علي فرغلي في بداية دراسته عن «الدولة والمجتمع في مصر: رؤية علمية لفهم التحولات الاجتماعية الثورية» عن عالم الاجتماع جون برنال. بهذه العبارة حدد الكاتب هدف علم الاجتماع وغاية دراسة أي ظاهرة اجتماعية، ألا وهي رفع وعي المسروقين بما يحدث لهم، والإشارة إلى «السارقين» بجلاء ووضوح، وفتح مسارات التغيير وكسر العلاقات الاستغلالية للمقهورين.

الدكتور علي فرغلي هو أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة عين شمس. ويمثل الكتاب الماثل بين أيدينا أطروحته للدكتوراه التي أتمها في تسعينيات القرن الماضي، وطُبعت مرتين قبل أن تصدرها مكتبة الأسرة عام 2016. صدّر الدكتور علي دراسته تلك بمقدمة جديدة يحاول فيها موضعة دراسته في سياق ما بعد ثورة يناير.

يتضح بسهولة من العبارة التي صدّر بها الدكتور فرغلي دراسته، إلى جانب عباراته الأولى في مقدمته، أننا أمام دراسة اجتماعية ماركسية لتاريخ علاقة المجتمع المصري بدولته. وبالفعل، تقوم الدراسة على مقاربة علاقة المجتمع المصري بالدولة في أواخر القرن الثامن عشر وطوال القرنين التاسع عشر والعشرين من خلال مفاهيم المادية التاريخية، ومساهمات العديد من المفكرين الماركسيين بدءًا من الآباء المؤسسين ماركس وإنجلز مرورًا بجرامشي وألتوسير وحتى نيكوس بولانتزاس وجوران ثوربورن.

تقع الدراسة في 550 صفحة، تنقسم إلى بابين ومقدمة وخلاصة. ينقسم الباب الأول إلى ثلاثة فصول، وينقسم الباب الثاني إلى خمسة فصول. وسنحاول في السطور التالية التعرض إليها بشيء من العرض الموجز.


ما الطبقة؟ وما الدولة؟

يقدّم الدكتور فرغلي الدراسة بمقدمة نظرية يحدد فيها موضوع الدراسة وأهم المفاهيم المستخدمة فيها. فيقرر أن لكل «المجتمعات الإنسانية تحولات أساسية في تاريخها» وأن الدولة من «أبرز العوامل الدافعة تجاه هذه التحولات». ويمثل موضوع الدراسة الرئيسي أحد هذه التحولات التي مر بها المجتمع المصري، ألا وهو التحول من نموذج المجتمع «الخراجي» إلى نموذج المجتمع الكولونيالي الرأسمالي في القرن التاسع عشر والعشرين.

يقرر الكاتب في البداية – بعد أن استقرأ توجهات مختلفة – تعريف التكوين الاجتماعي باعتباره «وحدةً جدلية لأشكال من العمل الاجتماعي من فترات تاريخية مختلفة … تندمج كلها في هذه الوحدة الجدلية سواءً على مستوى التنظيم الاجتماعي للإنتاج، أو على مستوى بقية الكل الاجتماعي».

وفي مناقشته لمفهوم الطبقة، قرر بأنها انقسام قائم بين جماهير محددة من الناس في تكوين اجتماعي معين، وهي في ذاتها أنظمة للحركة الاجتماعية التي تنطوي على وعي محدد باتجاهات هذه الحركة. إلا أنه أضاف أن الوعي الطبقي لا يتشكل بمجرد الانقسام، إنما تكتسبه الطبقة داخل البنى التي تجمع بينها وبين الطبقات الأخرى. وكذلك أضاف أن الصراعات الطبقية الداخلية ليست هي السبب الوحيد لتحول أي تكوين اجتماعي، بل كذلك صراعات التكوين مع التكوينات الأخرى المعاصرة له. وأضاف أن دور طبقة معينة شاركت في تحول ما ينتهي بتمام هذا التحول، وتعمل طبقات أخرى على تشكيل التكوين الجديد.

وفصل المؤلف في مناقشته لمفهوم الدولة، فناقشها على أبعاد ستة. أولًا تعريفاتها في التراث السوسيولوجي، ثم العلاقة بين الدولة والحكومة، ثم إسهامات كل من جرامشي وألتوسير وبولانتزاس وثوربورن. وأقر في النهاية أن الدولة لها وظيفتان: التمثيل والتوسط؛ فهي ممثلة لمصالح الطبقة الحاكمة، لكنها تتوسط في الوقت نفسه بين الطبقة الحاكمة وبقية الطبقات.


المجتمع «الخَرَاجي»

بعد هذه المقدمة، ينقسم الكتاب إلى بابين. يدرس الباب الأول المجتمع المصري في فترة ما قبل التحول، والذي وصفه الكاتب – تبعًا لمقاربة سمير أمين – بأنه مجتمع «خراجي». المجتمع الخراجي هو التكوين الذي يتسم بوجود تنظيم سياسي يهيمن على الوحدات الإنتاجية الصغيرة – القروية بالأساس – ولكن من خارجها وليس داخلها كما التكوين الإقطاعي، ويستأثر هذا التنظيم لنفسه بالنتاج الفائض على حاجات المنتجين المباشرين الأساسية، ويتم ذلك في شكل «إتاوة» أو «ضريبة» أو «خراج». وبذلك «استمر التكوين الخراجي المصري ليصل إلى مشارف القرن التاسع عشر» حتى تصاعدت تناقضاته لتصل إلى درجة التفكك وإحلال التكوين الكولونيالي محله.

يناقش الفصل الأول من هذا الباب البنية الاقتصادية للتكوين الخراجي ويستعرض أساليب الإنتاج فيه. فيؤكد أن أسلوب الإنتاج المهيمن هو الأسلوب الخراجي، إلا أن هناك أساليب إنتاجية أخرى ظهرت وتمفصلت مع الأسلوب الخراجي لكن في خضوع للإطار الخراجي الأوسع، كالأساليب المشاعية والعبودية والإقطاعية والسلعية البسيطة.

واستعرض قوى الإنتاج باعتبارها «الإمكانات البشرية والتكنولوجية والتنظيمية التي استطاعت الجماعة المصرية بواسطتها مواجهة الطبيعة من أجل إنتاج القيم المادية اللازمة لاستمرارية هذه الجماعة». تضمنت هذه الإمكانات السكان بتنويعاتهم، وأدوات العمل الزراعي والحرفي، والطابع التنظيمي الفني والاجتماعي للإنتاج كتخصيص قطاعات معينة بأنواع معينة من الإنتاج وهكذا.

في الفصل الثاني، ناقش فرغلي البنية الأيديولوجية للتكوين الخراجي. تتمثل المهمة الرئيسية للبنية الأيديولوجية في تحقيق الوحدة بين أساليب الإنتاج المتعددة في التكوين. تقوم البنية الأيديولوجية على ذلك من خلال عمليات التأهيل والإخضاع؛ تتولى الأولى «الإعداد السيكولوجي والتربوي للعناصر البشرية لشغل المواقع البنائية الأساسية والضرورية لسيرورة عمل التكوين الاجتماعي وكذلك بنينة (أو هيكلة) هذه المواقع». وتتولى عمليات الإخضاع «قولبة الذات الإنسانية في نظام للفكر والعمل يجعل تقبلها للوضع القائم أمرًا خارج مجال النقاش والتفكير»، ولا يعني هذا الإخضاعُ القمعَ بالأساس، بل إن خطابًا أيديولوجيًا ناجحًا يمكنه تحقيق ذلك من خلال مؤسسات تربوية ذات مظهر جمعي محايد، كالأسرة والقضاء والطريقة الصوفية. وتزود هاتان المجموعتان من العمليات الخطابَ الأيديولوجي بقضاياه التي يغزو بها كافة الأنشطة الاجتماعية.

وفي الفصل الثالث تناقش الدراسة البنية السياسية الخراجية وسلطة الدولة وإرهاصات التحول عن النموذج الخراجي. تمثل البنية السياسية نتاج مركزة ونمذجة القوة وبلورتها وممارستها من خلال مؤسسات نوعية متمايزة. يطرح التكوين الاجتماعي الخراجي مجموعة من المهام على هذه البنية بهدف إعادة إنتاج التكوين الاجتماعي. يستعرض الكاتب الوظيفتين التمثيلية والتوسطية وأشكال وعمليات كليهما.

عرض الكاتب في نهاية الفصل مظاهر تحلل سلطة الدولة الخراجية بدءًا من انهيار البنية الأيديولوجية وحتى تدهور وانهيار قوى الإنتاج.


تفكك التكوين الخراجي في مصر الحديثة

يتناول الكاتب في الباب الثاني من الدراسات بدايات تفكك التكوين الخراجي في مصر، ويقسم فترة انتهاء التكوين الخراجي إلى جزءين؛ الأول من عام 1805 إلى 1840 التي حاول فيها التكوين إنقاذ نفسه من خلال مواجهة مشكلات الوحدة والانقسام داخل طبقة الدولة نفسها من أتراك شراكسة ومماليك وخلافه، وكذلك تعديل ميكانيزمات الرقابة الداخلية لأقسام طبقة الدولة الخراجية في جهازها من خلال توسعة النظام البيروقراطي وتغيير نظام الالتزام والإجراءات الأخرى المصاحبة. الجزء الثاني، من الخروج هو الفترة من 1840 حتى 1882 واستعرض آثار هذه الإجراءات التي سبق اتخاذها من إنقاذ بيروقراطي وخلافه على تصاعد أزمة التكوين الاجتماعي، من الأبعاد الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية.

وناقش الكتاب في الفصول الثلاثة التالية تأسيس التكوين الكولونيالي وبنيته الأيديولوجية والسياسية وتحول التكوين مع حركة 1952 وحتى مشارف الألفية الثانية. وختم الكاتب باستخلاصات أساسية، كان أبرز ما جاء فيها أن «الاتجاه العام لتحولات المجتمع الإنساني يكشف عن نوع من الانتقال من نظام علاقات الإنتاج الخالية من الاستغلال – على أسس اجتماعية مقترنة بمستويات محدودة من تطور القوى المنتجة في المجتمع – إلى مستوى علاقات الإنتاج الاستغلالية، المقترنة بتطور متزايد للقوى المنتجة في المجتمعات الطبقية». وبذلك نعود إلى بداية الدراسة عن السارقين والمسروقين وأزلية التناقض بينهما، وأن «العلم ليس شيئًا غير الأمل».