من أجمل ما خطت يد ماركس في مخطوطات باريس هذه الجملة: «إن العامل لا ينتج سلعًا بل ينتج ذاته»، وهذه الجملة لا ينبغي أن تكون مع الأعمال الصناعية بل يجب أن تمتد إلى الأعمال الفكرية. إن الأفكار والكتب والروايات التي تنتج ما هي إلا امتداد لذواتنا وسبب وحيد في بقاء ذكرنا في هذا العالم، وهذا هو الأمر الذي توصل إليه جلجامش في رحلته لمعرفة سر الخلود في ملحمته الشهيرة والملهمة.

تجسد الأعمال الفنية التاريخية الرائعة التي كتبها الدكتور وليد سيف نقلة كبيرة في الأدب العربي التلفزيوني، فالرجل صاحب القلم الرشيق استخدم بدهاء شديد قصص الماضي في نقد الحاضر وخرج بالشخصيات التاريخية من كتب التاريخ المغلقة إلى دنيا الواقع المحسوس، فكان يقدم مادة فكرية دسمة لكل مشاهد في شهر رمضان لا تحتوي على التاريخ فقط بل على الفكر والسياسة، وهذا الكاتب الكبير خط قانونًا ينير دربه في كتابة مسلسلاته هو أن كل عمل تاريخي هو دراما معاصرة بالأساس؛ أي أنه يكتب تاريخ الماضي باعتباره جزء من الحاضر.

تجسد الأعمال الفنية التاريخية الرائعة التي كتبها الدكتور وليد سيف نقلة كبيرة في الأدب العربي التلفزيوني

فكرة أن يتكلم الكاتب عبر شخصيات تاريخية هي فكرة انتشرت في عصر الأنوار، مثل مسرحيات شكسبير الذي تخيل كل الحوارات الدرامية بين مسرحياته التاريخية الرائعة التي من أشهرها مسرحية «يوليوس قيصر» التي تحتوي على جملة «حتى أنت يا بروتس» التي تحولت إلى مثل عالمي، وهي جزء من حوار من خيال شكسبير. وأيضًا مثال آخر: هيغل عندما كتب كتاب «حياة يسوع»، وكتب فيه على لسان يسوع الناصري: «لا شك أنه فرض عليكم أن تحبوا أصدقاءكم وأمتكم، ولكن إلى جانب هذا سمح لكم أن تكرهوا أعداءكم والغرباء، أما أنا فأقول لكم احترموا الإنسانية حتى في أعدائكم، وإن لم يسعكم أن تحبوهم فتمنوا الخير على الأقل لهؤلاء الذين يلعنونكم واصنعوا البر للذين يكرهونكم … اعمل وفق قاعدة تريد لها أن تكون قانونا للناس جميعًا، تلك القاعدة الأساسية للأخلاق ومضمون جميع الكتب المقدسة عند كافة الشعوب»؛ وهنا لم يكن المتحدث عيسى بن مريم بل كان إيمانويل كانط، ولكن هيغل حاول إعادة إنتاج مسيحية كانطية يبشر فيها كلمة الله بفلسفة إيمانويل كانط النقدية عوضًا عن أن يبشر بشريعة موسى.

يقول الدكتور وليد سيف في حوار مع الجزيرة نت: «ليس ثمة مؤرخ قادر على التبرؤ من تحيزاته العقدية والسياسية والفكرية ليدعي الحيدة المطلقة. فالواقع التاريخي الخارجي لا ينعكس في وعيه بصورة آلية، وإنما يتوسط بينه وبين الوقائع محتوى وعيه وموقفه الفكري والسياسي ومنهجه التحليلي ومنظوره المعرفي. ومن ثم فإن صورة الوقائع التاريخية في وعيه هي نتاج التفاعل بين منهجه التأويلي ونموذجه التفسيري، وبين مادة الوقائع التي ينزل عليها تأويلاته، ومن هنا تتعدد قراءاتنا لنفس المادة التاريخية بتعدد خلفياتنا الفكرية والعقدية والمعرفية والسياسية. الماضي ليس قصة ناجزة ساكنة ثابتة، وإنما هو قصة متجددة متنوعة».

تتعدد قراءاتنا لنفس المادة التاريخية بتعدد خلفياتنا الفكرية والعقدية والمعرفية والسياسية. الماضي ليس قصة ناجزة ساكنة ثابتة، وإنما هو قصة متجددة متنوعة
د.وليد سيف – شاعر وكاتب ومؤلف مسرحي فلسطيني أردني

مسلسل صقر قريش هو عمل أنتج في أواخر عام 2002م وبدأ عرضه في رمضان من ذلك العام، يتحدث المسلسل عن سيرة عبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية في الأندلس، وعن تكوُّن الدولة العباسية وتكوُّن الإمارة الأموية في مغرب العالم الإسلامي.


البداية

أرى أن الكاتب الدكتور وليد سيف متعاطف مع بني أمية كما هو حال أهل الشام، فالبيت الأموي هو الذي أخضع العالم تحت سلطة أهل الشام.

يختار الكاتب أن يبدأ القصة من قصر الخلافة في رصافة هشام بن عبد الملك، حيث يأتي مشهد يظهر استجداء بني العباس العطاء من الخليفة هشام بن عبد الملك، وأن الخليفة نهرهم وقال: خذها من ابن الحارثية، ابنك الذي يروج أنه سيأخذ ملكي وملك بني أمية. ثم ما يلبث أن يرق قلب هشام على أبناء محمد بن علي بن عبد الله بن العباس فيعطي لهم ويجزل العطاء عندما ناشدوه الرحم.

وأرى أن الكاتب الدكتور وليد سيف لم يكن موفقًا في هذه البداية أو أنه أراد أن يظهر سماحة بني أمية وأنهم يحلمون إذا غضبوا، فالبداية الحقيقية كان يفترض أن تكون بعد مقتل الإمام زيد بن علي بسيوف بني أمية بعد الفتنة في الكوفة؛ وهذه المأساة الكبرى التي أدمت قلب العالم الإسلامي وتسببت في تعبئة الناس على هشام بن عبد الملك والبيت الأموي.

وبلغ من سخرية بني أمية من مشاعر أنصار زيد بن علي أنهم صلبوه ثم أمروا بعض منافقيهم أن يسخروا منه ومن أتباعه الذين كانوا يلقبونه بالمهدي، فأنشد الأعور الكلبي:

صلبنا لكم زيدًا على جذع نخلة :: ولم نر مهديًا على الجذع يصلب

ولذلك أنشد شاعر الدعوة العباسية سديف بن ميمون قصيدته الشهيرة:

أصبح الملك ثابت الأساس :: بالبهاليل من بني العباس لا تقيلن عبد شمسٍ عثارا :: واقطعن كلّ رقلة وغراسواذكروا مصرع الحسين وزيدٍ :: وقتيلا بجانب المهراس والقتيل الذي بحران أمسى :: ثاويا بين غربةٍ وتناس

إنني أرى أن الكاتب دكتور وليد سيف متعاطف مع بني أمية كما هو حال أهل الشام، فالبيت الأموي هو الذي أخضع العالم تحت سلطة أهل الشام.


أبو مسلم الخرساني قائدًا للثورة الإيرانية الأولى

أشار الدكتور وليد سيف بكل عبقرية عبر شخصية أبو مسلم الخرساني لتجربة الثورة الإيرانية الإسلامية المعاصرة التي فجرها الإمام الخميني

من أميز الشخصيات التي رسم معالمها هذا المسلسل هي شخصية أبو مسلم الخرساني. فقد كان الكاتب موفقًا جدا في الكتابة عن الشخصية وطبيعتها النفسية والذهنية حتى يخيل لك أنك تستمع لأبي مسلم الخرساني بنفسه. ولكن من الملاحظ أن الكاتب مرر كثيرًا من الأفكار السياسية الدسمة عبر شخصية أبي مسلم الخرساني. ففي كثير من المقاطع لم يكن المتحدث هو أبو مسلم الخرساني بل كان الكاتب الدكتور وليد سيف معبرًا عن قناعاته في الثورات وإنشاء الدول وطبيعة الأمم. كذلك كان هناك تحليل بديع على لسان أبي مسلم عن مآلات الصراع في البيت الأموي والتوقع أن المسألة ستخرج من بيت الخلافة المرواني، بيت عبد الملك بن مروان، إلى بني عمهم محمد بن مروان.

ولكن المقطع الأكثر روعة في رأيي كان هو مقطع الحوار التخيلي الذي كان بين أبي سلمة الخلال وأبي مسلم الخرساني عن ذهنية الموالي ودوافعهم للانضمام للثورة العباسية. في هذا المقطع كان الدكتور وليد سيف يشير بكل عبقرية لتجربة الثورة الإيرانية الإسلامية المعاصرة التي فجرها الإمام الخميني والتي كانت ولا زالت ترغب في انتزاع قيادة العالم الإسلامي من العرب والترك بحجة حقوق الأئمة.


تبرير خلاعة الوليد بن يزيد

من الغرائب فعلا محاولة كاتب المسلسل الدفاع عن خلاعة الوليد بن يزيد، وتحميل مسؤولية مجونه لعمه هشام بن عبد الملك، واعتبار الكاتب مجون الوليد بن يزيد وتهتكه كان مؤامرة من عمه ليجد مبررًا لخلعه عن ولاية العهد ودفعها لابنه معاوية بن هشام الذي كان نجيبًا. وهذه القصة أصلا من استنتاج الكاتب، فهشام بن عبد الملك لم يكن يحتاج ليسيء لكل الأسرة الأموية بانتشار أخبار خلاعة يزيد بن معاوية حتى يعزله عن ولاية العهد، ومجون الوليد بن يزيد لم يكن يُصدق، حتى أنه راود أخاه سليمان عن نفسه فكاد أن يقتله ويفتك به. وأما مسألة الدفاع عن الوليد بن يزيد فهذا رأي لمّح له من المؤرخين القدماء عبد الرحمن بن خلدون، وصرح به من المعاصرين الدكتور عبد الحليم عويس.


كيف رأى الكاتب تكوين الدولة العباسية؟

من أجمل المشاهد في المسلسل هي اللحظات التي كان فيها الكاتب يتكلم على لسان أبي مسلم الخرساني عن كيفية نشوء الدول، حين يقول أن أهون الأشواط هو دخول مرو، وأن على الدعوة عندما تتحول إلى دولة أن تضع السيف على رؤوس أهل الريبة والشك كما جرت سنن الأولين الذين قوضوا دولة وأسسوا دولة، وأنه ينبغي الإبقاء على جزء من الماضي في بطن الحاضر حتى يقوم أهل الدولة بالحجامة والفصد فيخرجوا الدم الفاسد القديم ويبقوا على الدم النظيف الجديد.

غالبًا هذا الكلام هو رأي الدكتور وليد سيف كتبه على لسان أبي مسلم الخرساني. ويقال أن الدكتور في شبابه كان منتميًا لمجموعة اسمها «سرايا الجهاد» تمزج بين الفكر اليساري الماوي والإسلام (حسب كتاب «أنا سلفي» للأستاذ محمد أبورمان).


عبد الرحمن بن معاوية هاربًا من سيوف المسودة

كان رأي الكاتب في كيفية نشوء الدول أن على الدعوة عندما تتحول إلى دولة أن تضع السيف على رؤوس أهل الريبة والشك

من أجمل حلقات المسلسل هي تلك الحلقات التي تحكي عن كيفية هروب عبد الرحمن الداخل من العباسيين. والمُشاهد يشعر أن الكلمات والشخصيات التي التقى بها عبد الرحمن الداخل أثناء هروبه هي شخصيات معاصرة خصوصًا شخصية ذلك التاجر العجوز وولده الثوري. فذلك التاجر قام بعلاج عيني الأمير الأموي دون أن يعرفه، وكان فيما يبدو متعاطفًا مع بني أمية بينما كان ولده ثوريًا ناقمًا على بني أمية متهمًا لهم أنهم أس المصائب التي حدثت وتحدث للأمة، وكان التاجر يقول لولده: كنت مثلك فترة الشباب لكنني اليوم أدرك أن ما تقوله ليس صحيحًا. وكأن الكاتب يتحدث متعجبًا لماذا دوما يكون صغار السن من أتباع المنهج الثوري، وكبار السن من محبي الاستقرار.