في الخامس من يوليو/تموز 2013، بث التلفزيون التركي خطابًا لرئيس الوزراء التركي، آنذاك، رجب طيب أردوغان، أدان فيه ما سمّاه انقلابًا عسكريًا على الرئيس الأسبق محمد مرسي، واصفًا الانقلابات العسكرية بتعارضها مع الديمقراطية التي لا تُبني إلا من خلال صناديق الاقتراع.

من اسطنبول، وقبلها بيومٍ واحد، وفي لقاءٍ مع الصحفيين، قال وزير الخارجية حينها، أحمد داوود أوغلو: «لا يمكن الإطاحة بأحد من منصبه الا من خلال الانتخابات التي تعتبر إرادة الشعب، وإنه من غير المقبول الإطاحة بحكومة جاءت إلى السلطة من خلال انتخابات ديمقراطية عبر وسائل غير مشروعة، بل والأكثر من هذا: عبر انقلاب عسكري».

منذ ذلك التاريخ، مثّل الموقف التركي، رسميًا وشعبيًا، موقف الرفض مما وقع في الثالث من يوليو (تموز) في القاهرة من إزاحة الرئيس محمد مرسي بعد تظاهرات الثلاثين من يونيو التي طالبت بانتخاباتٍ رئاسية مبكرة. ترافق مع كل ذلك اعتصام رافضي عزل الرئيس في ميداني رابعة العدوية والنهضة لأكثر من أربعين يومًا، وهي الاعتصامات التي انتهت بمجزرةٍ بشعة قُتل فيها أكثر من ألف معتصم، ووصفتها منظمة هيومن رايتس ووتش بالمذبحة الأبشع في التاريخ المصري الحديث.

في أعقاب فض الاعتصامات، بدأت السلطات المصرية ملاحقة مؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي، وبدأت السلطة القضائية تجهيز المحاكمات لهؤلاء الموقوفين وتجهيز قضايا أخرى سيُضاف إليها العشرات بل المئات من المعارضين، بتهمٍ تتعلق بالتجمهر وقطع الطرق وإتلاف الممتلكات العامة والخاصة، فكان التحرك البديل لكثير من هؤلاء هو الاتجاه صوب مطار القاهرة الدولي.. لمن استطاع إلى ذلك سبيلًا.

السودان.. قطر.. تركيا.. ماليزيا.. مثّلت هذه الدول وجهةً لأغلب مطاردي النظام كمنفى لهم بعد عمليات القمع والقتل المتلاحقة، قبل أن تشتهر هذه الوجهات الأربع وتنتبه السلطات لذلك فتبدأ التضييق على إجراءات السفر إلى هذه الدول بطلب تصريحٍ أمني للسفر والسؤال في المطارات حول أسباب السفر، خصوصًا المسافرون إلى تركيا.


قوافل المهاجرين

إذا كنت تريد السفر ليلًا أو نهارًا، من القاهرة أو الإسكندرية أو الغردقة، لا ريب في أنك ستجد طائرة تُقلّك إلى تركيا، فمنذ أواسط ونهايات عام ٢٠١٣، لم تتوقف قوافل الهاربين من مصر إلى تركيا، سواء أولئك الذين قصدوها منذ اليوم الأول، أو الذين وصلوا إليها بعد مرورهم بمحطات ماليزيا والسودان.

تشير آخر الإحصائيات التي يمكن الاعتماد عليها، أنه بنهاية عام ٢٠١٦، كانت قد وصلت أعداد المنفيين في تركيا إلى سبعة آلاف مصري، لكن العاملين في مجال السياحة والإقامات يشيرون إلى أن العام الماضي والحالي شهدا تزايدًا في قدوم المصريين المقيمين في دول الخليج إلى تركيا لعمل إقامة لمدة عامين، يستفيدون منها في حال تدهور الحال بهم في البلدان النفطية التي يقيمون فيها. وإلى جانب ذلك، تستقبل تركيا عشرات الطلبة الذين يدرسون في جامعاتها، إما بنظام المنحة المقدمة من الحكومة أو من خلال الجامعات المدفوعة، يضاف إليهم أعداد من العاملين في مجالات التجارة والسياحة والإنشاءات والعمالة اليدوية، التي كانت تقصد تركيا قبل هذه الأيام.

ما إن تخرج من محطة مترو «شيرين ايفلار» وتضع قدمك في ميدانها المليء بالباعة الجائلين، لا تنقطع عن أذنك اللهجة المصرية، حتى أنك قد تستطيع أن تفرق أي لهجةٍ مصرية هذه: سكندرية؟ دمياطية؟ قاهرية؟ تعد هذه المنطقة التابعة إداريًا لبلدية باهشلي ايفلار، تجمعًا كبيرًا لعدد من المصريين المقيمين في مدينة اسطنبول، حالها، كحال مناطق باشاك شهير المعروفة بسكانها المنتمين للطبقة البرجوازية المتدينة في اسطنبول، وتعتبر أحد الكتل التصويتية لحزب العدالة والتنمية الحاكم.

ميدان شيرين أفلار
ميدان شيرين أفلار، اسطنبول

ولا تختلف مناطق «بيلك دوزو» و«جمهوريات مهلسي» و«هراميدري» التابعة لبلدية «اسنيورت»، عن «شيرين ايفلار» و«باشاك شهير» من حيث وجود تجمعات واضحة ومعروفة للجالية المصرية في اسطنبول. كما أن منطقة الفاتح الشهيرة تعد أيضًا وجهة لكثير من المصريين الراغبين في الاقتراب من وسط المدينة وكذلك الاستقرار بحي متدين. ومؤخرًا، تعرف الشباب المصري المقيم في اسطنبول على منطقة «افجلار» بأحيائها المتنوعة المطلّة على بحر مرمرة، حيث تُعد تكلفة السكن في هذه المنطقة أقل كُلفة من «الفاتح» و«شرين ايفلار» وبالطبع «باشاك شهير»، وأقرب لوسط المدينة من منطقة «اسنيورت».

خارج اسطنبول، يدرس عدد من الطلاب المصريين في مراحل دراسية مختلفة من الجامعة، في العاصمة أنقرة، ومدينة كارابوك التي تبعد عن أنقرة ١١٥ كيلو متر، وقيصري الواقعة بين أنقرة وقونيا. وتتنوع مراحل دراسة هؤلاء الطلاب بين البكالوريوس والدراسات العليا.


الطريق إلى بلاد الأناضول يبدأ بباب اللوق

تبدأ رحلة الراغب في السفر إلى تركيا من سفارة أنقرة في القاهرة الواقعة بمنطقة باب اللوق التابعة لحي السيدة زينب، وذلك لسكان القاهرة، أما سكان الأقاليم فعليهم أن يقصدوا القنصلية العامة لتركيا بالإسكندرية إلا إذا كان الراغب في السفر أقل من عشرين عامًا أو أكثر من خمسة وأربعين عامًا، فلن يكون عليه سوى الحصول على تأشيرة إلكترونية وتذكرة ذهابٍ وعودة.

بعد الوصول إلى تركيا، يحصل المواطن المصري على حق الإقامة مدة ثلاثين يومًا قابلة للتجديد لمدة عامٍ أو عامين، لكن عليه أن يجهز أوراقًا معتمدة، بدءًا من ترجمة جواز سفره والحصول على رقم ضريبي وتأمين صحي بالمدة التي يرغب في الإقامة خلالها، ومبلغ ستة آلاف دولار أمريكي في حسابه الشخصي في أحد البنوك التركية، كما يتوجب عليه إحضار عقد إيجار منزل موثق من المُحلّف، وإثبات إقامةٍ في العنوان نفسه من دائرة «النفوس».

بعد اكتمال الأوراق والحصول على موعد لتقديم طلب الإقامة، يحضر صاحب الطلب لدائرة الهجرة في المدينة التي يقيم فيها، وتتم عملية مراجعة الأوراق في جلسة قد لا تتجاوز الخمسة عشر دقيقة، وبالتأكيد على قبول الأوراق، ينتظر الراغب في الإقامة من ١٥ إلى ٣٠ يومًا، وتصله بطاقة إقامته على العنوان المسجل في عقد الإيجار.

تخص هذه العملية الراغبين في الحصول على إقامة قصيرة، عام/عامين، وهو نوع الإقامة الذي تلجأ إليه الغالبية العُظمى من المقيمين المصريين هنا، لكن هذه الإقامة لا تسمح لحاملها بالعمل أو التجارة إلا بعد الحصول على إذن عمل وتأمين اجتماعي، تُحول بعدها صفة الإقامة إلى إقامة عمل، ويتمكن الطلاب الدارسون في الجامعات التركية من الحصول على إقامةٍ بمدة الدراسة.

لا يُعتبر المقيمون المصريون في تركيا لاجئين بالمعنى المُتعارف لمفهوم اللجوء، حيث لا تُعطي الدولة أية مساعدات لهم، بل يحصلون على الإقامة ومصادر الدخل طبقًا لما يمتهنون من أعمال في القطاعات الخاصة، سواء في التجارة أو الوظائف في الشركات العربية العاملة في تركيا، كما أن أسباب التواجد على الأراضي التركية ليست وحدها فقط الهروب من الملاحقة الأمنية في مصر، ففي تركيا مصريون كُثر يعملون في السياحة والتجارة والعمالة اليدوية من أجل الحصول على مصدر دخل مُجزٍ بعد تدهور الحالة الاقتصادية في مصر.

على المستوى الحكومي، لا يُعتبر هناك اهتمامٌ خاص بالجالية المصرية إلا ببعض قادة جماعة الإخوان المسلمين، حيث حصل عدد منهم على جنسياتٍ وجوازات سفر تركية بشكل استثنائي بعد التواصل مع الحكومة. كما أن السلطات التركية لا تضيّق على أنشطة الجماعة أو مؤيدوها في تركيا، فقبل أسابيع، أُشهِرت رابطة الإعلاميين المصريين في الخارج بعد صراعات داخلية بين العاملين في القنوات المعارضة التي تبُث من تركيا. وتُبث من اسطنبول ثلاث قنواتٍ مصرية، هي «مكملين» و«الشرق» و«وطن»، وتتبع قناة «وطن» جماعة الإخوان المسلمين بشكل شبه رسمي، ويدير قناة الشرق المعارض المصري أيمن نور ويواجه هذه الأيام ادعاءاتٌ بفصلٍ تعسفي لبعض العاملين بعد اعتراضهم على تردي حالتهم المالية داخل القناة، إلا أن قناة «مكملين»، تقول إدارتها، تدار بشكل رئيسي من مجموعةٍ لا تتبع أية جماعة أو حزب.


آرابشا كونوشيورموسون؟

على المستوى الشعبي، يعرف الأتراك مصر جيدًا، ويعرفون رموز حضارتها، كما يتابع عدد لا بأس به ممن التقيتهم من الأتراك الوضع السياسي في مصر. يعرفون ما جرى في الثالث من يوليو (تموز)، يتعاطف كثيرٌ منهم مع جماعة الإخوان المسلمين، ويتضامنون معهم بسبب المجازر التي ارتكبت بحقهم. مشهدٌ عادي، أن تجد ملصقًا على سيارة أجرة يحمل شعار رابعة، وشاهدت عددًا من المحالّ في منطقة الفاتح تعلق صورًا للرئيس المعزول محمد مرسي. أسهم في ذلك نشاط حركات الإسلام السياسي في تركيا، بدءًا من الرئيس الراحل نجم الدين أربكان ثم حزب السعادة الذي يُعد الفرع التركي من جماعة الإخوان المسلمين، ثم بعد ذلك حركة العدالة والتنمية المعروف تأثرها بفكر الجماعة. وأسهمت الدعاية والتضامن الرسمي مع المعارضة المصرية في تضامن قطاع كبير من الشعب، فأردوغان كان قد بكى ضحايا رابعة ولا يتوقف الرجل حتى اليوم عن تضامنه مع الرئيس محمد مرسي ومطالبته الدؤوبة بالإفراج عنه.

«قاهرة، اسكندرية، بيراميد»، بسهولةٍ يستذكر محمد ما يعرفه من معالم مصر، «لديّ رغبةٌ في السفر إلى مصر، أخبرني صديقٌ لي أن مصر رائعة، زار الاسكندرية والقاهرة وحضر في الجيزة فرحًا شعبيًا لأحد أصدقاءه، كان الناس هناك في غاية الكرم». يعمل محمد سائق أجرة في اسطنبول، ويلتقي عددًا من الزبائن المصريين، ويتابع: «أسمع أحيانًا أغاني عربية لأخبر بها الزبائن العرب» ثم يدير مؤشر الراديو على إذاعةٍ تركية تبث أغاني بالعربية أحيانًا.

يواجه الأجانب عمومًا، صعوبةً في التعامل مع الأتراك، حيث أن نسبة المتحدثين بالإنجليزية ضئيلة، عدا في الأماكن السياحية، وتكون عبارة عن كلمات بسيطة لسهولة البيع والشراء وعدّ الأرقام، وغالبًا ما يواجه الأجانب حين البحث عن عمل أو سكن عبارة «يابانچي يوك – لا أجانب». «الأتراك أجبرونا على تعلم لغتهم، ليس لي خيار سوى الإقامة هنا، لأنني أواجه في مصر أحكامًا بالسجن تقدّر بتسعة أعوام»، يقول سيد (اسم مستعار)، وهو شاب مصري يعمل في مجال السياحة واستخراج الإقامة، وصل إلى تركيا عام ٢٠١٥ هاربًا من الملاحقة الأمنية. «لو تعلمت اللغة التركية ستجد الحياة أسهل بكثير، مشكلة المصريون هنا أنهم لا يتعلمون لغة البلاد، فكيف يتعاملون مع أهله؟» يتساءل سيد، ثم يضيف: «البعض بيتكلم عن عنصرية الأتراك، هما مُعتدّين بنفسهم لكن مش عنصريين، خصوصًا وإنهم بيحبوا مصر».

يمثل عدم معرفة عديد من أبناء الجالية المصرية باللغة التركية، عائقًا كبيرًا أمام انخراطهم في المجتمع. تعود أسباب ذلك إلى تقوقع كثيرين منهم داخل «جيتوهات» متشابهة داخل المجتمع المصري، لكن أيضًا لذلك عوامل يقول الشباب أنها تؤدي إلى ذلك، وهي أن سوق العمل العربي/المصري للقادمين حديثًا يكون متاحًا أكثر، وعائده المادي أكبر، وبناءً عليه، فبعد أن تؤمّن مصدر دخلك وتعتاد عليه وتكوّن صداقات جديدة، فإنه سيكون من الصعب عليك تعلم هذه اللغة الجديدة.


إلى العمل دُر

يتجه غالبية المهاجرين الجدد إلى المؤسسات الإعلامية العربية التي تبث من تركيا، خصوصًا المصرية منها، حتى وإن لم يكونوا أصحاب خبرةٍ بالمجال الإعلامي، واعتمدت القنوات المصرية في السنوات الماضية نظام التدريب، وهو تدريب غير الممتهنين بالإعلام بمقابل بسيط، حتى تكون هناك فرصة في التوظيف فيما بعد، فيتم تعيينهم في هذه القنوات. وانخرط كثيرون في مجالات التجارة، سواء عن طريق تأسيس شركات مختصة في المعاملات الإدارية للأجانب، أو شركات لها علاقة بالسياحة، وأخرى بالتجارة العقارية والإنشاءات.

بعد عام من وصوله إلى تركيا، ومحاولة وحيدة للعمل في مجال الإعلام، عاد «محمد الفاتح ممدوح» إلى الأعمال الخاصة، وهو نشاطه السابق في مصر حيث كان يمتلك شركة للدعاية والإعلان. جاب الفاتح ٢٥ ولاية تركية ليبحث عن المكان الذي سيؤسس فيه شركته الناشئة قبل أن يستقر في ولاية «بولو» وينشئ «الفاتح جروب» للإنشاءات. «هذا المجال هو ثاني أهم أركان الاقتصاد التركي بعد السياحة، واتجهت عن طريق «بزنس موديل» جديد، قائم على تملك المشتري للأرض، وهو عامل ثقة جديد أضفناه لمشاريعنا».

محمد الفاتح ممدوح، رائد أعمال مصري في تركيا

وطبقًا للإحصاءات، فإن نسبة المستثمرين في هذا المجال من العرب لا تتجاوز الاثنين بالمائة في مقابل الأتراك الذين يستحوذون على أكثر من تسعين بالمائة، ما دفع الفاتح إلى الاتجاه نحو المشترين الأتراك وبدء توسعة سوقه التجاري.

لا يثق الفاتح كثيرًا في قدرة الجالية المصرية على تأسيس كيان قوي أو متماسك يرعى مصالح المصريين في تركيا، رغم أن أعداد الجالية في ازدياد يومًا بعد آخر، ويعلّق: «في النهاية كل مجموعة سياسية مهتمة بمشاريعها أو منتسبيها بشكل خاص، دون النظر إلى الواقع الجمعي للمصريين هنا، وعلى من يريد تأسيس أعمال خاصة، عليه أن يتعلم اللغة، ويفهم السوق جيدًا وينخرط في المجتمع التجاري والاستثماري للأتراك أولًا قبل العرب».

مقابلة محمد، دفعتني، إلى سؤال أصبح متكررًا، هل هذه الجالية قوية بما يكفي؟ يجيب محمود (اسم مستعار)، أنها ليست كذلك، ويبدأ سرد وقائع آخرها أن الجالية المصرية بدأ يكون لها ممثل أو جمعية أو رابطة فقط قبل أشهر، بعد أن كانت هناك محاولات متكررة عن طريق تأسيس جمعيات ومؤسسات أهلية وروابط، أسابيع قليلة، ثم ينتهي الحال بهذه الروابط الي النسيان. أطلعني محمود، وهو موظفٌ بإحدى القنوات المصرية التي تبث من اسطنبول، على وقائع تأسيس ما سُمي برابطة الإعلاميين المصريين بالخارج، حيث يقول: «في البداية كانت القصة أن يجتمع كل العاملين في كيان واحد، ثم تحدث انتخابات على منصب رئيس الرابطة وأعضاء مجلسها، وبعد أن فوجئت بعض «القيادات» (التي لم يسمها)، بانسحاب البساط من تحت أقدامهم، أحدثوا «فتنة»، حتى لا تحدث انتخابات، وانتهى الأمر بتأسيس الرابطة دون انتخابات».

اضطر محمود إلى الخروج من مصر، بعد ملاحقته الأمنية المتكررة، حيث اعتقل مرتين، وكانت قوات الأمن في طريقها لاعتقاله مرةً ثالثة، إلا أن العلاقات الأسرية لعائلته مكّنته من الهروب من عبر مطار القاهرة. يقيم محمود في اسطنبول منذ عامين، ويشارك في دعم قضايا المعتقلين داخل السجون المصرية، «المجتمع هنا مش مترابط»، ويتابع: «زيه زي أي غربة، تقدر تقول إن محدش مهتم بحد». ينتقل محمود من حديثه عن المجتمع المصري في اسطنبول، للحديث عن المجتمع التركي: «تعرّض كثير من الأصدقاء لمضايقات عنصرية، وكذلك تعرّض أصدقاء آخرين للسرقة، هناك العديد من الصفات السلبية للأتراك مثل الشعب المصري، ستجد بينهم من يعاملك بود ومن يمارس عنصريته ضدك، لكني أعيش الآن مع جيران جيدين، يساعدوني دائمًا كلما طلبت منهم العون».


أعوامٌ من المنفى

محمد الفاتح ممدوح، رائد أعمال مصري في تركيا
محمد الفاتح ممدوح، رائد أعمال مصري في تركيا

تُمثل المناسبات الدينية والاجتماعية آذانًا بتجمع الجالية المصرية، ففي الأفراح والمآتم تلتقي بمن لم تلتقِهم منذ أشهر، يتجمع الشباب المصري في صلاة العيد كل مرة في مسجد السلطان أحمد، وكذلك تكون هناك تجمعات على مدار السنة مختلفة، اختلافًا تبعًا لدائرة العلاقات والصداقات وحتى الانتماء الإقليمي في مصر، فمثلًا أبناء محافظة المنوفية لهم تجمعات متكررة وشبه دورية، ويكون ذلك واضحًا في المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين أكثر، حيث تظل الجماعة هي الرابطة الأهم في الروابط الاجتماعية والسياسية الموجودة في اسطنبول.

«قررت خِطبة فتاة تركية، حتى أنخرط داخل المجتمع الذي سأعيش فيه لفترة طويلة، لا أستطيع العودة في الوقت الحالي إلى مصر، وليس لدي مكان أعيش فيه غير هنا، لذلك كان عليّ أن أتعلم اللغة التركية وأشارك في المجتمع»، وصل محمد وهو شاب في مطلع الثلاثينات قبل عامين، تعلم اللغة التركية وتعرّف إلى فتاة تركية متدينة، وقرر أن يكمل حياته هنا، ويدرس دكتوراه في الأدب التركي. سألته لماذا يتزوج آخرون من مصريات؟ فأجاب: «الجميع يحتاج إلى الراحة، إضافة إلى افتقار كثيرين هنا إلى ميزة اللغة التي تؤهلهم للارتباط من فتاة تركية، كما أن عامل الثقافة ونمط العيش المختلف قد يكون سببًا في لجوء هؤلاء الشباب إلى الارتباط من فتاة تنتمي لنفس المستوى الثقافي والاجتماعي».

لكن ما يُمكن ملاحظته على السطح بعد تكاثر أعداد المقيمين في تركيا، هو حجم التغيرات التي اعترت تفكير قطاعاتٍ كبيرة من الشباب في اسطنبول، خصوصًا أولئك الذين كانوا ينتمون إلى الحركات الإسلامية في مصر، فمثّلت إسطنبول على وجه الخصوص محطة تغير كبير في تفكير هؤلاء على مستويات الدين والسياسة وحتى الاعتقاد. تسبب في ذلك ما يُمكن وصفه بـ «الكفر بالتنظيم»، حيث عانى هؤلاء ويلات القمع والسجن في مصر، وعانوا كثيرًا من ويلات الشتات في المنفى، وفي ظل حدوث كل هذه الطوارئ على حياتهم، لم يجدوا تنظيمًا متماسكًا يحتويهم أو حتى يلبي لهم رغباتهم الإنسانية البسيطة، كتأمين محل إقامةٍ أو مصدر دخل يساعدهم على سد احتياجاتهم.

ينقسم هؤلاء اليوم إلى أقسامٍ متعددة، بعضهم اختار البُعد تمامًا عن الدوائر الإسلامية المتدينة وانخرط في المجتمع التركي، أو في دوائر غير الإسلاميين من المصريين المقيمين في تركيا، آخرون اتجهوا يمينًا، حيث اعتنقوا أفكارًا تتجاوز فكرة الإسلام السياسي السلمي، فأصبح الميل نحو العُنف واعتبار التغيير المسلح «الجهاد» هو الفريضة الغائبة التي عليهم أن يعيدوها، يبقى لدينا القسم الثالث من أضحى لا يعتنق أي فكرةٍ سياسية ويعيش على هامش الأيام، آخر ما يمكن أن يهتم به هو ما كان يعتنقه من أفكار قبل عامين.