إن المنظمات غير الحكومية باتت واقعًا، لا يمكن تجاهله حتى بالنسبة للسلطات والحكومات التي لا تريد هذه المنظمات
يسري مصطفى، المدير السابق للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان.

كيف نشأ؟

تدعمه الدولة أحيانًا، وتقف ضده في أحيان أخرى إلا أن المجتمع المدني دائمًا ما يؤثر في سياسات ومواقف الدول. الكثير من الاختلافات والآراء حول نشأة المجتمع المدني وماهيته، فالبعض يذهب إلى أن بداياته كانت مع الديمقراطية الإغريقية، والبعض الآخر يرى أنه بدأ مع الثورة الصناعية في أوروبا، حيث بدأت وقتذاك مرحلة تشكيل النقابات للدفاع عن حقوق العمال.المجتمع المدني هو مجموعة من المؤسسات التي تعمل باستقلال نسبي عن الدولة، وعن شركات القطاع الخاص. فهي لا تهدف إلى سلطة سياسية أو أرباح اقتصادية، بل تهدف إلى تقديم خدمات للمواطنين أو الدفاع عن مصالحهم.وقد ظهر المجتمع المدني بصورته الحالية مع انهيار النظم الشمولية في شرق أوروبا، حيث تزايدت المطالبة إلى الاتجاه نحو الديمقراطية، فكثرت حينها المطالبة بوجود مجتمع مدني قوي يعمل خارج إطار الحكومة –حيث تسمى منظمات المجتمع المدني بمنظمات غير حكومية-، وكان الهدف منها هو إكمال دور الدولة في نشر قيم المبادرة الجماعية.وتطور دور المجتمع المدني حتى أصبح هناك العديد من المنظمات التي تعمل في جميع المجالات بدءًا من العمل الأهلي والخيري، ووصولًا إلى المنظمات الحقوقية والثقافية وغيرها.


حتى نحقن الدماء

10% من السكان المدنيين لمنطقة «كارير» بكولومبيا لقوا مصرعهم خلال 12 عامًا، نتيجة نزاع أهلي، بدأ في 1975، بين كل من القوات المسلحة الثورية الكولومبية وجبهة التحرير الوطنية، حيث كان إذا أقدم أحد من الفلاحين على المساعدة لأي جهة من الجهتين يعاقب عقابًا شديدًا من الجبهة الأخرى، فكانت أعداد القتلى تتزايد لتشمل فئات المجتمع المختلفة، وليس فقط الفئتين المتنازعتين.

مجموعة من القوات المسلحة الثورية الكولومبية
مجموعة من القوات المسلحة الثورية الكولومبية.
كان لابد من وضع حدّ فاصل لعمليات قتل المدنيين، فتم إنشاء محكمة محلية من قبل المؤسسة للبحث والتحقيق في ادعاءات الجبهات المتقاتلة

لنطوي صفحة الماضي

أكثر من 200،000 قتيل، و60،000 حالة اغتصاب، و 26 مذبحة جماعية، إلى جانب الكثير من الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها صربيا بحق البوسنة والهرسك، منذ عام 1992 وحتى عام 1995، بعدما قررت البوسنة والهرسك الانفصال عن يوغوسلافيا عام 1992.

إحياء ذكرى ضحايا مجازر صربيا ضد البوسنة والهرسك.

وتم أخذ العديد من المحاولات من أجل طي صفحات الماضي، ومعالجة آثار الحرب والاعتراف بتلك الجرائم -كخطوة أساسية لتحقيق أي تعايش سلمي بين أطراف أي نزاع-، إلا أن معظم تلك المحاولات كانت نتيجتها واحدة وهي الفشل حتى نهاية التسعينات، على الرغم من رغبة السكان في التعايش السلمي مع جيرانهم في صربيا ويوغوسلافيا.
لم يتحرك ملف قضايا الماضي حتى تحرك المجتمع المدني وقدم فيديو عن انتهاكات صربيا للمحكمة بلاهاي
ولم يتحرك ملف المحاسبة في جرائم الماضي، إلا عندما قام مركز القانون الإنساني في «بلغراد» وناشطة حقوق الإنسان «ناتشا كانديتش» بتقديم فيديو يوضح قتل مجموعة من شباب البوسنة على يد القوات التابعة ليوغوسلافيا إلى محكمة لاهاي، في ظل غياب أي دور للآليات الدولية والجهات السياسية الرسمية. وبفضل ذلك الدور أصبح هناك دليل قوي على جرائم الحرب المرتكبة ضد البوسنة والهرسك وإمكانية مضيّ القضية قدمًا. استطاع المجتمع المدني فى قضية البوسنة والهرسك أن يسبق الدولة، ويحرك العديد من القضايا الراكدة وتحقيق مطالب المواطنين في التحقيق في جرائم الماضي وإدانتها، هذا بالإضافة إلى قدرة المجتمع المدني على تقصي الحقائق والبحث عن جرائم الماضي على الرغم من أنها من مسئوليات الدولة.

من الانقسام إلى نوبل للسلام

إحياء ذكري ضحايا مجازر صربيا ضد البوسنة وهالرسك
إحياء ذكري ضحايا مجازر صربيا ضد البوسنة وهالرسك
لقد كانت (اللجنة الرباعية) إذن أداة سمحت لتونس في ظرف بضعة أعوام بإقامة نظام دستوري بحكومة ضامنة للحقوق الأساسية

كاسي كولّْمان، المتحدثة باسم لجنة جائزة نوبل.

مسار عسير وموجة اغتيالات اجتاحت تونس في عام 2013، حيث تم اغتيال كل من المعارض السياسي شكري بلعيد والنائب البرلماني محمد البرهامي، كما تم ذبح 8 جنود بمنطقة الشعانبي؛ مما دفع تونس إلى أزمة سياسية كبيرة، وتوقف عمل المجلس التأسيسي المنوط بوضع الدستور الجديد للبلاد عقب ثورة الياسمين، حيث انسحب نواب المعارضة من المجلس، وتمت المطالبة بإسقاط حكومة علي العريضي.

دفعت تلك الأحداث الرئيس منصف المرزوقي إلى الدعوة لتشكيل لجنة رباعية للحوار الوطني من منظمات المجتمع المدني لتخرج البلاد من تلك الأزمة، وتم تشكيل المجلس من الاتحاد العام التونسي للشغل، الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة الوطنية للمحامين التونسيين.
العلم التونسي
بدأت اللجنة عملها في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2013، ونجحت في حل الأزمة السياسية بتونس، من خلال وضع خارطة للطريق كانت أبرز ملامحها:
  • استئناف المجلس الوطني التأسيسي أشغاله، وينهي مهامه في أجل لا يتجاوز أربعة أسابيع من تاريخ الجلسة الأولى للحوار الوطني.
  • تحديد المواعيد الانتخابية في أجل أسبوعين من إنهاء تركيز هيئة الانتخابات.
  • المصادقة على الدستور في أجل أقصاه أربعة أسابيع، بالاستعانة بلجنة خبراء تتولى دعم وتسريع أعمال إنهائه.
  • تكليف وتشكيل الحكومة الجديدة، بالتوازي مع عودة المجلس الوطني التأسيسي لأشغاله، وتنطلق المشاورات لاختيار شخصية وطنية مستقلة، تكلف بتشكيل الحكومة وتنتهي باختيار رئيس الحكومة الجديدة وإعلان الاسم في أجل أقصاه أسبوع واحد.
  • تقدم الحكومة الحالية استقالتها وجوبًا في أجل أقصاه ثلاثة أسابيع من تاريخ الجلسة الأولى للحوار الوطني.

وفازت اللجنة الرباعية للحوار الوطني بجائزة نوبل للسلام، تقديرًا لمجهوداتها في إنهاء حالة الصراع والأزمة في تونس، لتضرب اللجنة مثالًا جديدًا على أهمية المجتمع المدني وقدرته على إنهاء حالات الصراع والأزمات، والقيام بأدوار تعجز الدولة عن القيام بها. للمجتمع المدني دور حيوي في مختلف المجتمعات خاصة التي تعانى من أزمات سياسية أو اقتصادية، أو المجتمعات التي تعاني من الحروب أو الحكومات المستبدة. فيسعى المجتمع المدني دائمًا إلى انتزاع حقوق المواطنين، وتمثيلهم والدفاع عن مصالحهم. فتُعدّ تجارب منطقة كارير، والبوسنة والهرسك، وتونس جزءًا بسيطًا من نضال المجتمع المدني في الوقوف حائلًا ضد الظلم بمختلف أشكاله رغم أنف الأطراف المتنازعة والحكومات.