تعد صناعة الزجاج من أقدم حرف البشر وأكثرها استمرارية. يعود أول التسجيلات التاريخية للزجاج النقي إلى أكثر من سبعة آلاف سنة مضت في مصر التي يعتقد أنها جلبته من آسيا. منذ ذاك الحين والزجاج يرافق مجريات التاريخ خطوة بخطوة، بإمكانك أن تصنع تاريخا للعالم اعتمادا على تطورات صناعة المادة الملساء التي لم يستطع الزمن أن ينحيها جانبا أبدا.

ومع أن صناعة الزجاج نضجت وتعاظمت في فينيسيا إلا أننا سنبدأ حديثنا من العصر الحديث وبالتحديد من القرن العشرين، حينها بدأت مسيرة شركة كورننج التي سبقت زمانها بعقود. تلك الشركة المسئولة عن زجاج الشاشة التي تقرأ عليها الآن من هاتفك بعد مسيرة طويلة بدأتها منذ أن صنعت لإديسون أول مصابيحه.


الجذور

يرجع تاريخ تأسيس عملاق الزجاج إلى منتصف القرن التاسع عشر، حيث تم تأسيس الشركة على يد أموري هوتون عام 1851. لم تكن الشركة أكثر من منتج عادي للزجاج قبل أن تقوم بأول خطواتها نحو صناعة التاريخ بحق بالتعاون مع إديسون.

لم يكن شكل المصباح الكهربائي الأصفر المعهود ليصبح معهودا لولا كورننج. كانت الشركة هي من أعطى للمصباح الغلاف الزجاج المألوف الذي كان يصنع باليد في بادئ الأمر. هذا قبل أن تتحول عملية صناعته للآلات جاعلة من المصباح سلعة رخيصة في متناول الجميع. سيطرت كورننج على إنتاج المصابيح في مطلع القرن العشرين كما سيطرت المصابيح على مبيعاتها. ومع هذا فإن الشركة كانت قد انتبهت لإمكانيات الزجاج الكامنة. كان هذا مبشراً ببدء كورننج لبعض أكبر مشاريع أبحاث الزجاج حتى الآن.

ذلك المشروع الذي قدم إلينا زجاج البيركس PYREX وزجاج الغوريلا Gorilla Glass وعرفنا من خلاله ماهية الزجاج المتحمل للحرارة، غير القابل للخدش، والقابل للطي بأريحية. وكالعادة يبدأ الأمر دائما بصدفة بحتة.


على نار شديدة

بسبب خطأ في ضبط درجة حرارة الفرن، قام دونالد ستووكي الباحث بمختبر البحث والتطوير في شركة كورننج بتسخين قطعة من الزجاج أكثر مما ينبغي. كان من المفترض أن تنصهر قطعة الزجاج وتفسد كل شيء إلا أن بدلا عن هذا خرجت صلبة للغاية حتى أنها انزلقت – وهي زجاجية – على الأرض ولم تنكسر. سيصبح هذا فيما بعد زجاج بيروسيرام السيراميكي والذي سيكون الأول ضمن سلسلة طويلة من المواد الزجاجية المعدلة جينيا إن شئنا التعبير.

أرادت كورننج أن تغير مفهومنا للزجاج، لم تكن لترضى أن يقتصر الأمر على تلك المواد شديدة اللهفة على الانكسار والتشظي، وفي ذلك استطاعت أن تنجح نجاحا باهرا فيما أصبح يدعى «مشروع العضلات Project Muscle» اللاهث وراء زجاج أقوى من أي زجاج عهدناه يوما.

أثمر المشروع سريعا عن نتائج أثبتت أنها سابقة لأوانها أكثر من اللازم. قامت كورننج بصنع زجاج يعتمد تكوينه على السيليكات مخلوطة بأكسيد الألومنيوم ثم أضافوا أيضا تكنيك معالجة الزجاج بحمامات أيونات البوتاسيوم اعتمادا على خاصية تبادل الأيونات Ion-Exchange مما أنتج زجاجا صادما في قوته وتحمله. كان الأمر أفضل بكثير من المطلوب وقتها ولم يكن هناك الكثير من الاستخدامات لــChemcor (هكذا أطلق عليه). هدفت كورننج إلى بيع المادة الجديدة لمصنعى السيارات إلا أنه كان أغلى من الملائم.

وهكذا أسفر الأمر عن تنحية كيمكور جانبا ووقف مشروع الزجاج القوى في عام 1971. ولكن ليس لوقت طويل.


موسيقى زجاجية

أطلقت كورننج حتى الآن عدة أجيال منها مشروع لدمج صفات زجاجها مع صفات الياقوت الأزرق (المعروف بمقاومته الرهيبة للخدش). مع هذا فإن التركيبة المحددة لزجاجها مازالت سرا خفيا. يعتمد الزجاج كله بالطبع على أكسيد السيليكون إلا أن أقل اختلاف في نسبة الشوائب ستكون لها عظيم الأثر على أداء الزجاج وسلوكه وهو الأمر الذي أجادت كورننج استغلاله جيدا صانعة بذلك تركيبات مختلفة لكل منها صفات معينة حسب نسبة الشوائب بها. كان الأمر كما لو كان سيمفونية يتم عزفها بآلات مختلفة لتعطي وقعاً مختلفاً على الأذن.

في الأساس، فإن كل الزجاج هو مادة سيليكات غير متبلرة تضم مختلف النسب من أكاسيد الصوديوم والبوتاسيوم والألمونيوم والكالسيوم. مع هذا فإن كورننج هي الرائد بلا منازع في صناعة المواد التي تنتمي لنوعية تعرف باسم الزجاج السيراميكي. يعني هذا المواد غير المتبلرة Glass التي تتبلر بفعل الحرارة الشديدة(1) والتي يعد بيروسيرام وكورننج وير أهم أمثلتها.

كذلك تتعلق قابلية أي مادة للخدش بمدى صلادتها (أي القوة المطلوبة للتأثير في شكلها بشكل غير قابل للاستعادة). يعتاد الكثيرون تقدير صلادة المواد المختلفة بناء على مقياس عشوائي يعرف باسم مقياس موه Moh’s scale إلا أن طرقا أكثر دقة نشأت عند تطوير الحزازات Indenters الميكانيكية. كان ارتفاع صلادة الزجاج مع تصغير سمكه هو الهدف الرئيسي وراء مساعي كورننج. بالطبع تواجدت طلاءات وأغلفة مقاومة للخدش تغطي الأسطح المراد حمايتها إلا أن كورننج أرادت أن تكون قطعة الزجاج ذاتها هي الغلاف الحامي من الخدش.

نقصد هنا الخدش المرئي على أي حال، فمن الصعب أن تضمن انعدام إمكانية الخدش مهما حاولت.


الزمن المناسب

غيرت التكنولوجيا الحديثة موازين الصناعة في كل أنحاء العالم ومختلف الصناعات. بدأت حمى الهواتف النقالة والأجهزة الذكية حقبة جديدة كليا في الصناعات ولم تكن كورننج استثناء. في فترة قامت فيها صناعة شاشات الهواتف النقالة الأولى – كهواتف موتورولا – على البلاستيك المقوى، فكرت كورنج في إعادة استكشاف قدرات كيمكور في هذا المضمار الجديد. كان هذا هو العالم 2005. آنذاك قامت حمية في الشركة حيث قامت كورنج بإعادة هيكلة كل شيء حتى في تكنيك صناعاتها ذاته.

تلاعبت كورننج بنسب الصوديوم والبوتاسيوم والماغنيسيوم والسيليكون في زجاجها،طورت طرق الصهر والتبريد Annealing وعرفت كيفية استخدام الخصائص الفيزيائية للزجاج – كحالة من حالات المادة الهيكلية – والكيميائية لصالح صناعة مواد تناسب المستقبل وراغبة في السيطرة على مجرياته.

بحلول 2007 كانت كورننج تمتلك زجاجا شديد المقاومة للخدش والكسر وبسمك دقيق للغاية باعته لأول مرة عام 2008 لشركة أبل. كان هذا الزجاج هو ما يحلم به ستيف جوبز تحديدا لهاتفه الجديد «أيفون Iphone». أطلقت كورننج على الزجاج المقوى اسم «غوريلا Gorilla Glass». وصل زجاج غوريلا حتى الآن للجيل الخامس ويستخدم لحماية شاشات الهواتف المحمولة من مختلف الشركات.

لم يكن هذا فقط. أدركت كورننج أنها تستطيع دخول عالم الفضاء من خلال زجاجها فلم تتردد في المشاركة في صناعة مرايا وعدسات التليسكوبات الأكثر تطورا –مثل هابل- واتجهت أيضا نحو العلوم الحيوية فصنعت زجاجا يناسب نمو الخلايا الجذعية. لقد مدت كورننج أذرعها يمنة ويسرة حتى باتت منتجاتها مكونا أساسيا في معظم المجالات الحديثة. تعمل دائما من وراء زجاجها الشفاف لتعطينا أفضل تجربة ممكنة لاستخدام منتجات زجاجية لم نكن نحلم بها من قبل.

المراجع
  1. William D Callister – Materials science and engineering, Chap:13 section:2