في حديث شهير لقناة الجزيرة روى الأستاذ هيكل مشهداً سينمائياً بارعاً:

لاحظ السادات انفعال عبد الناصر.. فقال له: يا ريس أنت محتاج فنجان قهوة، وأنا أعمله لك بإيدي.. وبالفعل دخل السادات المطبخ المرفق بالجناح، وعمل فنجان القهوة.. لكنه أَخْرَجَ (محمد داوود) المسؤول عن مطبخ الرئيس وعمل فنجان القهوة، وجابه بنفسه قدَّامي.. وشربه عبد الناصر.

هكذا وَضَعَ هيكل السادات بين احتمالين: إمَّا أنَّه مجرم أوْ أنَّه متهم.

سرد الكاتب أحمد المسلماني هذا الموقف في مقالته، نافيا إياه؛ حيث قال: «اتصل بي الدكتور (الصاوى حبيب) الطبيب الخاص لعبد الناصر.. ونفى تماماً رواية هيكل.. وقَطَعَ– علمياً– بالوفاة الطبيعية للرئيس»، وأوضح المسلماني أن «هيكل كتب مقالين في الأهرام بناءً على حديثه مع الطبيب وقال إن أسباب الوفاة كانت واضحة تماماً وأنه لا شكوك على الإطلاق».

وردا على هذه الرواية قدمت رقية، إحدى بنات السادات، بلاغًا ضد هيكل فيما قال عبد الحكيم نجل عبد الناصر: «إن كل الاحتمالات مفتوحة، لكننا لا نملك دليلا قاطعا لإدانة أحد». و قالت جيهان السادات إن «حكاية (فنجان القهوة) تؤكد أن هيكل «لسه شايل» من السادات»، موضحة أن «أنور لا يشرب القهوة وما يعرفش يعملها (..) وهو كان فين هيكل.. راح وراه وشافه وهو بيطلع السفرجي؟».


المسلماني: هيكل عبء على الوطنية المصرية

قال الإعلامي أحمد المسلماني إن هيكل مثّل عبئًا على الوطنية المصرية على مدار 70 عامًا، وتجلّى هذا في مواقفه السياسية مع رؤساء البلاد، مؤكّدا أنه لم يكن مخلصًا في أي يوم.

ويعتبر المسلماني من أكثر منتقدي هيكل، خاصة ضمن مقالاته «هيكل.. وقفة مع الأستاذ»، وقد كتب المسلماني في مقالته الرابعة بعنوان «لماذا يكره هيكل حرب أكتوبر؟»، أن سبب مهاجمة هيكل لانتصار أكتوبر «أنه انتصارٌ عليه.. وهزيمةٌ له.. كان الأستاذ يتحدّث طوال الوقت عن استحالة هزيمة إسرائيل، واستحالة عبور خط بارليف».

مضيفا:

لم يقبل الأستاذ بهزيمتهسياسيًا وفكريًا
في حرب أكتوبر.. فقرر أن يقف في صف الفكر السياسي الإسرائيلي ويحوّل النصر إلى هزيمة.

كما ذكر المسلماني أن الفريق سعد الدين الشاذلي قال له: «لم أكُن أثق في هيكل، وأمرتُ بعدم دخوله إلى الجبهة.. وقال كثيرون من قادة الجيش: إن هيكل كان يقوم بدور إحباطي.. وكان يقود عملية تيئيس واسعة.. باسم التحليل السياسي».

وهذا ما أكدته جيهان السادات حيث قالت إن: «هيكل كان يكتب مقالات تحبط البلد والجيش إبان حرب أكتوبر»، و أضاف المسلماني: «تبدو الكثير من كتابات الأستاذ عن حرب أكتوبر.. وكأنها مترجمة من مراكز البحث الإسرائيلية أو الأمريكية».

وقد كتب هيكل بالأهرام، في فبراير 1974، محللا ما سماه «اللانصر واللاهزيمة»، وأرفقها بخريطة تشير لحركة القوات المصرية والإسرائيلية؛ ليدلل على أن الحرب لم تكن نصرا ولا هزيمة، مما أغضب القوات المسلحة والمخابرات، فأبعده السادات عن الأهرام.


هيكل.. المتلوّن عرّاب الملوك

الملك فاروق

كانت كتابات هيكل عن الملك الفاروق تمتلئ بالتفخيم والإشادة ونسبة كل نجاح له.

كتب هيكل أثناء انتشار مرض الكوليرا «إنه الفاروق.. الملك في الصعيد يزور مناطق المرض بنفسه ليواسي شعبه.. هذا هو النبأ العظيم الذي لم يدهش له أحد ولكن الناس جميعا أضاءت عيونهم بنور الأمل والثقة وتقابلت أنظارهم فتبسموا ابتسامة حب وحنان.. إنه الفاروق دائما».

عبد الناصر

عقب ثورة يوليو 52 أصبح هيكل الصحافي المقرب من عبد الناصر والسلطة بشدة، وكان يردد دائماً أن:

الحاكم يحتاج لصحافي يعبر عنه، وسأكون أنا هذا الصحافي

ووصلت العلاقة بين هيكل وناصر إلى حد شعر معه أنه هو من يفكر للزعيم، وأن ناصر لا يتخذ قرارا إلا بعد مشورته، ويكفي ما حدث لمصطفى أمين، أستاذ هيكل، عندما وجد نفسه متهما بالتخابر والجاسوسية وأودع السجن سنوات عديدة بسبب وشاية من هيكل لناصر، كما رفض موسى صبري – حين كان رئيسا لتحرير أخبار اليوم- أن ينشر مقالا لإحسان عبد القدوس ينتقد فيه هيكل، وظل المقال مرفوعا من الطبع حتى احتكم صبري إلى السادات الذي أقنعه بنشر المقال.

يقول أحمد حمروش: «أنا من الذين سألوا عبد الناصر: لماذا جعلت هيكل قريبا منك إلى هذا الحد؟» فقال «هيكل هو الوحيد الذي فهمني وفهم ما يدور في عقلي قبل أن أترجم فكري إلى كلمات.. إنه ببساطة يجلس في رأسي».

السادات

راهن هيكل على السادات وإنحاز إليه، وعندما أصبح رئيسا، اختلفت طبيعة العلاقة مع السادات، فقد أراد هيكل أن يكون شريكًا حقيقيًا.

تقول جيهان السادات:

هيكل كان الصحفي الأوحد أيام ناصر، ولكن السادات كان يعرف مصطفى وعلى أمين والصحفيين الكبار، فلم يكن هيكل «نمرة واحد»

لم يكن السادات يقبل هيكل، ولكنه كان في حاجة إليه، وتصورها هيكل فرصته لكي يستخدم السادات، ولكن السادات هو الذي استخدمه؛ فقد شارك هيكل في صناعة شرعية السادات في أكتوبر 1970، ودعمه في مايو 1971، وهو الذي أطلق عليه لقب «صاحب قرار أكتوبر العظيم»، وبعد استقرار الأمور للسادات، اقتلع هيكل وحبسه مع المئات عام 1981، فيما سُمي «حملة سبتمبر الشهيرة».

مبارك

مبارك كان يبحث عن رجال جدد وليسوا محسوبين على الأنظمة السابقة، كما كان يعلم أن هيكل لا يحبه بسبب قربه من السادات.

كتب هيكل مقالا هاجم فيه مبارك وطالب برحيله عن الحكم ووصفه بـ «سلطة شاخت في مواقعها»، وفي 2002 أعلن في محاضرة ألقاها في الجامعة الأمريكية أن هناك مخططا واضحا لتوريث الحكم، كما زعم أن مصر حصلت على 100 مليار دولار في أعقاب حرب الخليج، وأن مبارك ورموزه حصلوا عليها.

كل هذا أزعج مبارك لكنه لم يمنعه من الكتابة، بل إن نجلي هيكل نجحا في تكوين ثروات طائلة خلال عهد مبارك، وبعد ثورة يناير بدأت السلطات في محاسبتهما بتهم فساد مالي، ففر الابن (أحمد هيكل) إلى الخارج؛ لأنه تورط في «بيزنس» مع جمال مبارك يتعلق باستغلال النفوذ والشراكة في مؤسسة اقترب رأسمالها من 10 مليارات جنيه خلال 7 سنوات، كما اتُهم (حسن هيكل) في القضية الخاصة بالتلاعب في البورصة بالاشتراك مع نجلي مبارك.

وقد هاجم هيكل مبارك في كتابه «مبارك.. من المنصة إلى الميدان»، واتهمه بتكوين ثروة تقدر بنحو 70 مليار دولار، ولما طُلبت منه المستندات الدالة على صحة اتهاماته أنكر و قال إنها «معلومات موثقة من مصادر دورية محترمة».

ما بعد مبارك

في 15 مايو 2011 قال هيكل إنه:

لا يجد حرجا في تسمية المشير طنطاوي رئيسا في المرحلة الانتقالية

وقد كان مرسي يستدعيه للقصر للحصول على مشورته ومساندته، واستغل هيكل الفرصة للعب دوره من جديد، ولكن جاءت 30 يونيو لتجهض أحلامه وتحبط مخططه.

وبعد 30 يونيو قال هيكل إن السيسي ينتظره مستقبل كبير، ويرى فيه «ناصر آخر»، وشعر هيكل بالفرصة تأتيه من جديد عندما أبدى السيسى إعجابه الشديد به، وقال إنه قرأ كل كتب هيكل. ووافق السيسي على مقابلته، وكانت آخر مقابلة بينهما، فبعد وصول السيسي للرئاسة اختفى هيكل من قائمة المحيطين بالرئيس.


التناقض سيد الموقف

في كتابه (لمصر لا لعبد الناصر)،امتدح السادات بأنه:

وبعد اغتيال السادات أصدر هيكل كتابه الشهير (خريف الغضب) «فلم يترك عيبا فيه، ولم يذكر له حسنة واحدة، حتى لون بشرة السادات لحقها الاتهام، والغمز واللمز». ومن بين ما جاء بالكتاب أن السادات: «حصل على شيك بمبلغ 35 ألف دولار من لاجئ سياسي عربي هو الشيخ المبارك الصباح، وعلم به عبد الناصر وأودعه في ملفات الرئاسة والمخابرات».

ولك أن تتساءل – بافتراض صحة رواية هيكل- كيف لم يعترض على تعيين السادات نائبا لعبد الناصر؟ وكيف يدعمه رئيسا؟

وقد تحدث هيكل في البداية عن الثورة المصرية بأنها حدث لا مثيل له، وقال في وقت لاحق إن ما يحدث في العالم العربي ليس ربيعا، ولكن خريطة تقسيم دولي على نمط سايكس بيكو، وأكد أنه لا يستبشر بربيع مصر أو غيرها.

يقول المسلماني: «هيكل راهن على الإخوان، واعتبر أنَّه لا يمكن سقوط مرسي، وبعد ثورة 30 يونيو راهن أيضًا على النظام لكنه لم يجد نفسه يتخذ الموقع الذي يتمناه فأخذ ينتقد النظام».

وقد دعا المسلماني إلى دراسة تناقضات هيكل بقوله: «تمنيت لو أن المؤرخين الجُدد بدأوا دراسة تناقضات الأستاذ.. لنضع أمام الأجيال تلك المعادلة المدهشة (هيكل ضد هيكل)».

وفي كتابه «هيكل.. كاهن يبحث عن فرعون»يستعرض الصحفي أيمن شرف سيرة هيكل برؤية نقدية مختلفة عن حالة التبجيل السائدة في عدد من الصحف.

يشمل الكتاب علاقته المبكرة بالإنجليز ثم الأمريكان وتعاونه مع السوفييت وسر ارتباطه بناصر، ويرصد استغلاله قصة موت عبد الناصر في الإثارة الصحفية، وكتابه (خريف الغضب) ومقاله «وقفة مع الصديق الأمريكي».

ويحوي الكتاب روايات وشهادات للكاتب إحسان عبد القدوس والمؤرخ عاصم الدسوقي، والمفكر د. فؤاد زكريا، والكاتب صلاح عيسى، و يوجه الكتاب عدة انتقادات لهيكل، أولها رفضه القاطع التطرق إلى أصوله الريفية، ويرى المؤلف أن هذا يرجع إلى نزعته الأرستقراطية التي ورثها عن أمه.


هيكل.. هل يكون رجل المخابرات الأمريكية؟

الوحيد من أعضاء مجلس قيادة الثورة الذي بقي بجوار ناصر من البداية إلى النهاية

عقب قيام ثورة يوليو 1952 طلب هيكل إجراء حوار مع محمد نجيب، لكنه رفض بعد أن علم من المخابرات الحربية أنه عميل للمخابرات الأمريكية، فامتنع نجيب عن التعامل مع هيكل، وكتم سر موقفه منه حتى هاجمه هيكل في كتابه «عبد الناصر والعالم»، قائلا إن:

المخابرات الأمريكية وضعت تحت تصرف محمد نجيب 3 ملايين دولار بشكل شخصي، فاستشاط عبد الناصر غضبا.. وبنى بمبلغ الرشوة برج القاهرة تحديا لأمريكا

وروى نجيب في حوار مع مجلة الحوادث اللبنانية تلك القصة، فكتب هيكل مقالا عنوانه «حكاية مع شبح من الماضي» يشير فيه إلى: «تقرير سري كتبه حسن التهامي الأمين العام لرئاسة الجمهورية، حول تفاصيل الاتصالات بين المخابرات الأمريكية وبين نجيب»، فأرسل نجيب مقالا لإحسان عبد القدوس أكد أنه لم يكن في السلطة زمن تلك الواقعة، وأن المبلغ كان موجها إلى عبد الناصر، ورفع نجيب دعوى سب وقذف ضد هيكل، ولم يتنازل عنها إلا بعد أن نشر هيكل اعتذارا في الأهرام والديلي تلجراف البريطانية والنهار اللبنانية.

وهناك أصل موثق عنوانه «الوثائق السرية الأمريكية عن تاريخ مصر قبل الثورة» والمنشور بجريدة الجمهورية في 21 مايو 1978، تضمن تقريرا سريا في 5 يوليو 1949 يقول إن:

محمد حسنين هيكل مراسل مجلة آخر ساعة قدم تقريرا للسفارة الأمريكية بالقاهرة عن حقيقة التغيير الوزاري المفاجئ، وأن حسن يوسف رئيس الديوان كان وراء إقناع الملك بهذا التغيير.. وأرفق معه صورة من مضبطة رئاسة مجلس الوزراء

وللدكتور فؤاد زكريا ملاحظة من كتب هيكل، وهي «الصلة الوثيقة بينه وبين وجيمس إيكلبرجر الوزير المفوض بالسفارة الأمريكية في القاهرة، إلى حد أن يتصل به في الساعة 1,20 صباحا ليسأله عن صفقة الأسلحة الروسية، فمجرد سؤال مسئول أمريكي لشخص مقرب من الرئيس عن موضوع تحرص الدولة على سريته هو أمر يدعو للاستغراب، وعقّب هيكل على ذلك بقوله «ولم أعطه إجابة مباشرة»، دون أن يفصح عن إجابته.

ولم تكن المحادثة مجرد تبليغ رسالة، بل طلب من هيكل ليقنع ناصر بتغيير رأيه، فلماذا طلب المسئول الأمريكي من هيكل بالذات هذا الطلب؟

قد تتفق أو تختلف، تعارض أو تؤيد، يستميلك الكلام أو تنفر منه، لكنها في النهاية تبقى شهادات منشورة بلسان أصحابها وأقلامهم عن رجل من أهم شاهدي العصور ومشاركي صناع القرار في مصر على مدار عشرة رؤساء، دائمين ومؤقتين، وما يقرب من قرن من عُمر الزمان.