لا يوجد حل بلا ألم. فالمشكلة الاقتصادية تدور حول فكرة «التضحية» أو «التكلفة». والكفاءة تتحقق عندما لا تتجاوز هذه التضحية حدودها المعقولة وعندما تتناسب مع العائد من ورائها. وتتحقق العدالة عندما توزع التضحيات بشكل لا يثير الشعور العام.

ويظل مع ذلك المبدأ العام وهو أن الإدارة الاقتصادية هي إدارة التضحيات. وليس في الاقتصاد من معجزات وإنما هناك فقط ذكاء في اقتناص الفرص المتاحة وعدم تحمل تضحيات لا مبرر لها أو المبالغة في تحميلها للبعض على حساب البعض الآخر. وبالتالي لابد من التأكيد على ضرورة الواقعية وعدم الوقوع في أحلام اليقظة والآمال الكاذبة، فإن فهم مشاكل الاقتصاد المصري يتطلب فهمًا لتطوره التاريخي من ناحية وإدراكًا للظروف والأوضاع القائمة من ناحية أخرى.


الاقتراض والمزيد منه

بدأت المحنة الاقتصادية في مصر مع الاعتماد على المعونات الزراعية الأمريكية منذ عام 1957م، ثم الاعتماد على القروض بشكل عام والقروض السوفيتية بشكل خاص

الحديث عن محنة الاقتصاد المصري يعود إلى الخمسينيات حيث بدأ الاعتماد على الكتلتين الغربية والشرقية فبدأ منذ عام 1957م الاعتماد على المعونات الزراعية الأمريكية وفقًا للقانون 480 الأمريكي، ثم الاعتماد على القروض منذ عام 1958م حين اعتمدت مصر على القرض السوفيتي في بناء السد العالي واستمر الأمر على استخدام التمويل من الجهتين: الكتلة الغربية لتمويل القمح والواردات الزراعية بشكل أساسي، والكتلة الشرقية لتمويل برنامج التصنيع.

ثم الانتقال إلى مرحلة التيه التي عاش فيها الاقتصاد المصري بفضل حرب اليمن ومن بعدها حرب 1967م؛ والتي أجهزت على ما تبقى في الاقتصاد المصري ومن هنا بدأ الاعتماد على التمويل العربي في ظل غياب تام للتمويل الغربي. ثم اتخذ تمويل الاقتصاد المصري شكلًا أخر مع نهاية حرب 1973م، حيث اقتصر على التمويل العربي بناءً على قرارات مؤتمر الرباط في 1974م و1975م، والذي تضمن تقديم دعم لمصر بمقدار ألف مليون دولار، ومن ثم الاعتماد على صندوق «دعم مصر» والذي تم إنشاءه عام 1976م، ولم يستمر هذا الشكل من الدعم حتى انقضى بعد معاهدة السلام مع إسرائيل.

مناحيم بيغن وجيمي كارتر وأنور السادات في كامب ديفيد 1978.
مناحيم بيغن وجيمي كارتر وأنور السادات في كامب ديفيد 1978.

ومع حلول عام 1979م بدأ عصر النفط، وكانت أهم ملامح الاقتصاد المصري الاعتماد المتزايد على المعونات الغربية من ناحية واعتماد مصر على النفط من ناحية أخرى. ويتمثل الاعتماد على النفط كمصدر للدخل المصري في عدة أشكال منها الإنتاج المحلي من النفط وعائدات نقل النفط العربي عبر قناة السويس، وأخيرًا تحويلات العاملين المصريين في الدول النفطية. وبذلك ازداد الاختلال في الاقتصاد المصري بالاعتماد المتزايد ليس فقط على موارد خارجية، بل في أن بعضها بطبيعته موارد ناضبة وغير مستمرة.

ومن هنا بدأت المعضلة فبعدما كان الاقتصاد المصري ينظر إلى المساعدات الخارجية والتمويل النفطي بأشكاله على أنها منحة أصبحت في عام 2016م هي المحنة.


هل تنعش المساعدات اقتصادنا؟

تكمن المشكلة في أن المساعدات التي تقدم لمصر لم تتضمن أي نوع من المنح والمساعدات النقدية المجانية أو حتى الودائع المساندة

لايزال مصدر انعاش الاقتصاد المصري في مطلع عام 2016م هو المساعدات الخارجية، حيث يُنظر إلى مصر على الصعيد الدولي كحليف استراتيجي في الأوساط الغربية والإقليمية في منطقة الشرق الأوسط طوال تاريخها الحديث. وهو ما يدفع داعميها للتأكد من أن يظل الاقتصاد المصري صامدًا حتى مع تدهوره، ولكن هذا لم يكن يومًا الحل الأمثل لتطبيب هموم الشعب الذي يعتمد على برامج الدعم الحكومية واسعة المدى. فإن كان صمود برامج الدعم هو الأمر الظاهري، إلا أن سقوط الاستقرار الاقتصادي الهش بات قريبًا. فقبول مزيد من المساعدات ما هو إلا تأجيل للصدمة الاقتصادية التي ستواجهها مصر.

المساعدات المقدمة بواسطة موظفي خفر السواحل في الولايات المتحدة
المساعدات المقدمة بواسطة موظفي خفر السواحل في الولايات المتحدة

فالمساعدات لم تتضمن أي نوع من المنح والمساعدات النقدية المجانية أو حتى الودائع المساندة التي تضاف لاحتياطي مصر الأجنبي، عكس الحال منذ يوليو 2013م وحتى أبريل، حيث تلقى النظام المصري ما يقرب من خمسين مليار دولار ما بين مساعدات نقدية وبترولية، وهو ما يدعونا للقول أن المساعدات الاقتصادية التي تتلقاها مصر ما هي إلا زيادًة للديون وبالتالي زيادًة للأعباء الاقتصادية.

إضافًة إلى سياسات مصر بالنسبة للصرف الأجنبي التي يشوبها الكثير من عدم الوضوح بالرغم من الاتجاه بشكل متزايد نحو تحرير الجنيه المصري، فمازال يلاحظ أمران صاحبا تطورات هذا التحرير، الأمر الأول هو تعاظم الاستيراد بدون تحويل عملة، والثاني وهو غير منفصل عنه أن هذا الاستيراد يتم عبر قنوات مختلفة عن البنوك المصرية مما ساعد على نمو ما يشبه شبكة الصيرفة الحرفية داخل البلاد وخارجها.

وبالرغم من محاولات تحرير قيمة الجنيه فقد ظلت البنوك المصرية عاجزة عن استقطاب الموارد المالية المستخدمة في الاستيراد بدون تحويل العملة. ولعل ذلك يرجع إلى أنها كانت دائمًا مقيدة بأسعار أقل من أسعار السوق. ومن هنا لابد من إزالة القيود عن البنوك في تحديد أسعار بيع وشراء العملات المختلفة. وصولًا إلى زيادة موارد البنوك من العملات المختلفة ومن ثم قدرتها على إدارتها بكفاءة. إلا أن العقد قد انفرط حينما تخطى سعر الدولار في مصر حاجز الأحدى عشر جنيه، وبعد تدخل البنك المركزي وصل إلى الثمانية جنيه وصولًا إلى 8.95 جنيه رغم تدخل البنك المركزي للحد من انخفاض قيمة الجنيه ليصل معدل زيادة قيمة الدولار أمام الجنيه إلى 14.45% يوميًا.


أزمة الدولار

يعد السبب الرئيسي لانخفاض الجنيه أمام الدولار هو قلة المعروض النقدي من العملة الأمريكية. إضافًة إلى تراجع الاحتياطي النقدي في البنك المركزي ولم يجد البنك وسيلة أخرى غير أن يترك الدولار يزيد أمام الجنيه.

التلفزيون العربي | تحذيرات من تداعيات تعاظم ديون البنك المركزي المصري.
التلفزيون العربي | تحذيرات من تداعيات تعاظم ديون البنك المركزي المصري.

وقد حاول البنك المركزي أن يقوم بتغذية السوق بالعملة الصعبة خلال الفترة الماضية، ولكن الاحتياطي النقدي قل بدرجة كبيرة، بسبب عدة عوامل، أهمها الانخفاض الكبير في القطاع السياحي وهروب الاستثمارات الأجنبية. الأمر الذي يقلل من جدوى قرض صندوق النقد الدولي ويمكن اعتبار قرض الصندوق الذي يبلغ 4.8 مليار دولار، الحقنة التي تنعش الاقتصاد قليلًا، ثم يعود إلى سابق عهده.

إضافًة إلى أنّ غالبية الشركات الكبرى العاملة في مصر، حددت سعر الدولار في ميزانيتها للعام الجاري 2016م، بما يتراوح ما بين 9 و 9.5 جنيهات مصرية. وأوضحت التقارير أن بعض الشركات قد عمدت بالفعل إلى زيادة أسعار منتجاتها وخدماتها للعام المقبل، بناءً على توقعاتها هذه لسعر الدولار، ما يُنذر بـ «صدمة تضخمية» خلال عام 2016م، وفقًا لتقرير بنك فاروس للاستثمار الصادر في ديسمبر 2015م.

كذلك تراجع تدفق الدولار من مصادره الأساسية، فخلال الربع الأول للعام المالي الجاري 2016م، تراجعت حصيلة الصادرات السلعية بنحو 26.5%، لتقتصر على نحو 4.6 مليار دولار، بعد أن كانت عند حدود 6.3 مليار دولار في الربع الأول من العام المالي الماضي 2015م.

ويرجع ذلك لانخفاض حصيلة صادرات البترول (الخام أو المنتجات) بنحو 1.2 مليار دولار، بسبب انخفاض أسعار النفط العالمية بأكثر من 51% خلال فترة المقارنة. بالإضافة لتراجع حصيلة صادرات البترول، رغم زيادة الكميات المصدرة من خامه، والتي تمثل 71.3% من حصيلة الصادرات البترولية الإجمالية، و24.2% من إجمالي حصيلة الصادرات السلعية.

كما أن بيانات هيئة قناة السويس المصرية، المنشورة على موقع الهيئة، أظهرت أن إيرادات البلاد من القناة تراجعت إلى 408.4 مليون دولار في نوفمبر 2015م، بعد أن كانت 449.2 مليون دولار في أكتوبر 2015م، لتسجل بذلك أدنى مستوياتها منذ فبراير 2015م، حين بلغت 382 مليون دولار، وهو ما يُفقد البلاد نحو 40.8 مليون دولار. وكذلك تراجع نسبة تحويلات العاملين بالخارج حتى وصلت إلى أدنى نقطة فلم تتجاوز الـ5% مقارنًة بسابق عهدها وذلك لشعور العاملين بالخارج بعدم الاطمئنان والخوف المستمر من التراجع المستمر للجنيه أمام الدولار.

وفي المقام الأخير سياسات البنك المركزي لتحجيم السوق السوداء، وتكبيد المتعاملين فيها خسائر كبيرة. إلا أن مثل هذه الخطوة اتصفت بالعشوائية فلم تنجح في القضاء على السوق السوداء، خاصًة وأن تحقيق هدف كهذا، يستلزم توافر احتياطي نقدي أجنبي كبير، وهو ما تفتقر إليه الدولة.


نتائج الأزمة

1. رفض التعامل بالجنيه المصري

large-978866694809772405
large-978866694809772405

قررت شركة الطيران البريطانية منذ أسابيع قليلة وقف التعامل بالعملة المصرية، وهو ما يشير إلى اتجاه الشركات الكبرى لوقف التعامل بالجنيه المصري. مما سيجعل منحنى الطلب والعرض على الدولار أخذًا خطًا مستقيمًا وسيظل يرتفع إلى ما لا نهاية.

2. نمو الاقتصاد الأسود

تخطى الدولار حاجز الـ 11 جنيه منذ أيام، ينذر بتراجع الاستثمار الأجنبي في مصر إذ سيعجز المستثمر عن اتخاذ قراراته الاستثمارية في مصر لصالح أعماله التجارية، وسيُفتح الباب على مصراعيه أمام الاقتصاد الأسود، خاصة أن أغلب رواتب المصريين محدودة ومتوسطها 1200 جنيه، لكنها لن تساوي شيئا بعد انخفاض قيمة الجنيه. وهو ما سيجعل التوجه نحو الاقتصاد الأسود المتمثل في الدعارة والمخدرات والسلاح والآثار وغيرها من التجارة المشبوهة السبيل الأوحد لتحقيق الأرباح.

3. توقف أعمال المستوردين

سعر-الدولار-بالسوق-السوداء-660x330
سعر-الدولار-بالسوق-السوداء-660×330
export
export

ردت الموانئ المصرية شحنات من القمح وفول الصويا في وقت سابق من هذا العام، على الرغم من ازدياد الطلب عليها بين المصريين. تقول سلطات الحجر الزراعي إن الشحنتين احتويا على مستوى عالٍ من فطر الشقران والجراثيم.

ربما تكون تلك الادعاءات صحيحة، ولكن معهد ستراتفور كان له رأي أخر حيث رجح بأن مصر قد ردت تلك الشحنات لعجزها عن سداد ثمنها، وبينما تحاول مصر إيجاد حل لمعضلتها المالية، فهي تحاول جاهدة عدم إثارة القلق لدى الرأي العام حول إمدادات الغذاء، لأن الأمر قاد أكثر من مرة إلى أحداث شغب في الماضي. ومع ارتفاع أسعار الجمارك لأكثر من 40% قد يجعل من أعمال الاستيراد الأمر الأكثر صعوبًة.

قد يكون طريق تجاوز المحنة سهل من الناحية النظرية، تنمية موارد البلاد الحقيقية، تحقيق الاكتفاء الذاتى من أهم المحاصيل الزراعية، ورفض الاقتراض لمشروعات غير تنموية للبلاد، لكن عمليا يبقى كل شىء رهن الإرادة السياسية التى ترتبط بمصالح خارج البلاد لا تريد سوى استثمار أموالها فى منطقة خصبة كأرض مصر.

المراجع
  1. The almighty dollar is mightier than ever since the global financial crisis
  2. The Dollar Joins the Currency Wars
  3. A Dollar Crisis Threatens Egypt's Economy
  4. Egypt’s Political Gamble: Devaluing the Pound
  5. Egyptians Urged to Dig Into Pockets to Finance National Recovery