محتوى مترجم
المصدر
Jacobin
التاريخ
2017/11/21
الكاتب
ميجان داي
سيكولوجية الثراء معقدة.

هذا ما كتبه «كيري هانون» في صحيفة «نيويورك تايمز». وأردف: «ظاهريًا يعتقد الناس أن كونهم أثرياء يجعلهم أكثر سيطرة على حياتهم؛ إلا أنه قد يسيطر عليهم حتى عاطفيًا».

من المؤكد أن مقال هانون «أنا غني وهذا يجعلني قلقًا» سيثير أمارات عدم التصديق على وجوه الكثيرين منّا، ممن يدينون لرؤسائهم وأصحاب العقارات والبنوك. قد نُسامح على فشلنا في إظهار تعاطفنا، إلا أنه «ما من أحد يحصل على الكثير من التعاطف بحديثه عن مثل هذه الأشياء»؛ كما يعترف «جيمس جروبمان» – عالم النفس – للأثرياء. ولكن هذا لا يغير الواقع الذي يراه كل يوم: أن الثروة يمكن أن تولّد قلقًا هائلًا وانعدامًا للأمان وخوفًا، كما توفر الراحة والاستقرار والحرية.

الملاحظة القائلة بأن الثروة مرتبطة باليأس لم تكن أبدًا غريبة كليًّا عن الفكر الاشتراكي. فالرأسمالية توزع الموارد والسلطات بشكل غير متساوٍ. حيث يزداد الأغنياء ثراءً بطرق تمنع غالبية سكان العالم من الحصول على السلع الأساسية وممارسة الحريات الأساسية، مما يقلل من السعادة عمومًا.

إلا أننا قطعًا لا نستطيع ربط القناعة والبؤس بالغنى والفقر. فقد وُجِدَ أن المليونيرات في مقال «هانون» يخفون إحساسًا قويًا بالذنب وعدم الثقة في النفس، وقبل كل شيء؛ القلق من سرقة مدخراتهم أو ضياعها بسبب خطأ حسابي أو سوء حظ. هل البورجوازية أيضًا أصبحت أسيرة للرأسمالية؟

في الرأسمالية يقوم السوق بالوساطة بين الحياة المادية والحياة الاجتماعية، لذا فإنه يجب على جميع الأفراد الانخراط في العلاقات السوقية بطريقة أو بأخرى ليتمكنوا من الحصول على لوازم الحياة.

نظر الاشتراكيون في هذه المسألة من وقت لآخر، وكان أبرزهم «أوسكار وايلد»، الذي كان مراقبًا متحمسًا للعادات البورجوازية وأخلاقها وتأثيراتها، وهو أيرلندي ذو حس ساخر، وجد أن النخبة البريطانية رائعة ومثيرة. وكتب في «روح الإنسان في ظل الاشتراكية»:

«الصناعة ضرورية لكسب المال، ومحبطةٌ أيضًا. في مجتمع كمجتمعنا؛ حيث تمنح الممتلكات تميزًا هائلًا، ومكانة اجتماعية وشرفًا واحترامًا وألقابًا، وغيرها من الأشياء الممتعة التي يطمح إليها المرء بطبيعته، ما يجعل هدفه هو جمع تلك الممتلكات، فيعمل بجدّ واجتهاد مكدسًا إياها حتى بعد أن يحصل على أكثر مما يريده أو يمكنه استخدامه، أو يستمتع به، أو حتى يعرف عنه.

سيقتل المرء نفسه بالعمل الزائد لتأمين الممتلكات، إلا أن هذا نادرًا ما يكون مفاجئًا بالنظر إلى المزايا الهائلة التي تمنحك إياها. ومن المؤسف أن المجتمع قد أسس قناعة كاملة بأنه على المرء أن يجبر على روتين لا يستطيع أن يطور من خلاله ما يبهجه ويذهله ويسحره بحرية، بينما هو في الواقع يفتقد السعادة الحقيقية ومتعة الحياة.

بالإضافة إلى أنه وفي ظل الظروف الحالية أصبح غير آمنٍ تمامًا. غالبًا ما يكون التاجر فاحش الثراء – في كل لحظة من حياته – تحت رحمة أشياء لا يمكنه التحكم بها. إذا هبت ريح غير متوقعة أو تغير الطقس فجأة، أو حدث شيء تافه، فقد تغرق سفينته، و​​قد تخطئ تخميناته، فيجد نفسه فقيرًا، فاقدًا لوضعه الاجتماعي تمامًا».


هذه النقطة الأخيرة مهمة جدًا. هذا لم يعد عصر الملوك؛ لذا يلجأ معظم الأثرياء الآن إلى الاحتيال إذا ما أرادوا الاحتفاظ بامتيازاتهم وتجنب الغرق إلى الطبقات الفقيرة. لقد أقامت البرجوازية الكثير من الأعمال لنفسها من خلال ممارساتها الاستغلالية، ما سبّب تهديدًا شديدًا بتعرضها للاستغلال يجبرها على تكرار تلك الممارسات ودعمها؛ وهو ما يصب في مصلحتها الشخصية على ما يبدو.

تجبر الرأسمالية الجميع – بما في ذلك الطبقة الحاكمة – على تبعية السوق وانضباطه. وهنا شرحت «إلين ميسكينز وود» شمولية الانضباط في ظل الرأسمالية:

«هذا النظام المتميز بالتبعية السوقية يرتكز على أن متطلبات المنافسة وتضخيم الأرباح هي القواعد الأساسية للحياة. ما قد لا يكون واضحًا دائمًا – حتى في الحسابات الاشتراكية للسوق – هو أن السمة المميزة والمهيمنة على السوق الرأسمالي ليست الفرصة أو الاختيار، بل على العكس من ذلك، إنها الإكراه.

في الرأسمالية يقوم السوق بالوساطة بين الحياة المادية والحياة الاجتماعية على مستوى العالم، لذا فإنه يجب على جميع الأفراد الانخراط في العلاقات السوقية بطريقة أو بأخرى ليتمكنوا من الحصول على لوازم الحياة. هذا النظام الفريد من التبعية السوقية يشير إلى أن قواعد السوق الرأسمالي – أولوياته للمنافسة وتجميع وتضخيم الأرباح وزيادة إنتاجية العمل – لا تنظم فقط جميع المعاملات الاقتصادية، ولكن أيضًا العلاقات الاجتماعية بشكل عام».


يمكن أن تجبر التبعية السوقية الرأسماليين على التصرف بأساليب تشعرهم بالتناقض أو الذنب حيالها، أو تنفر الآخرين منهم. مما دعا «فيفيك تشيبر» لتقديم تحليل واضح عن «كيف تُشكل الرأسمالية سلوك الرأسماليين»:

«ببساطة؛ تجبر النجاة من المعركة التنافسية الرأسمالي على تفضيل الصفات المرتبطة بـ «روح المبادرة». مهما كانت تنشئته الاجتماعية، فإنه يتعلم بسرعة أنه سيتعين عليه أن يتوافق مع القواعد المرتبطة بموقعه، أو ستُدفع مؤسسته نحو القاع. ومن الملامح البارزة للهيكل الطبقي الحديث أن أي انحراف كبير عن منطق القدرة التنافسية للسوق من قبل الرأسماليين يظهر كتكلفة بطريقة ما، إن رفض تفريغ النفايات السامة يظهر كخسارة في حصة السوق لأولئك الذين سيلتزمون باستخدام مواد خام أكثر أمنًا، ولكنها أغلى سعرًا، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الوحدة، وما إلى ذلك. وبالتالي؛ يشعر الرأسماليون بضغوط هائلة لضبط توجههم المعياري – قيمهم وأهدافهم وأخلاقياتهم – تجاه الهيكل الاجتماعي الذي يتغلغلون فيه، وليس العكس، فالقواعد الأخلاقية التي يتم تشجيعها هي تلك التي تساعد في زيادة صافي الدخل».


الفقراء هم دائمًا من يدفعون الثمن الأكبر لتجاوزات الأغنياء. ومع ذلك، فإن الواقع هو التعايش مع الإجبار المستمر على التنافس والهيمنة وتجميع الأملاك أو المعاناة من العواقب. مثل هذه الظروف يمكنها أن تجعل حتى الشخص ميسور الحال يشعر بالحصار والضغط والقلق والذنب، وبالطبع لن يكون الاكتئاب أمرًا مفاجئًا. لهذا أطلق «ماركس» على الطبقة العاملة «الطبقة العالمية» لأنها الطبقة التي سيؤدي تحريرها إلى تحسين الوضع الإنساني عالميًا.

مرة أخرى، تضع «وود» تصورًا للحل الوحيد المناسب للجميع:

أفضل ما يمكن للاشتراكيين فعله هو أن يهدفوا لفصل الحياة الاجتماعية عن التبعية السوقية قدر الإمكان. وهذا يعني السعي لإعادة تسكين العديد من مجالات الحياة قدر الإمكان، وإضفاء الطابع الديمقراطي عليها، وليس فقط إخضاعها للحكم السياسي للديمقراطية «الرسمية»، بل أيضًا عزلها عن السيطرة المباشرة لرأس المال والسيطرة «الحيادية» على أولويات السوق، التي تُخضع كل حاجات وممارسات الإنسان لمتطلبات تجميع وتضخيم الربح.

إن الهدف الأساسي للاشتراكية هو بالطبع منفعة الجماهير، حيث إنه في الوقت الذي يُستغل فيه مليارات البشر الآن، وتُنتزع ملكياتهم، ويتم السيطرة عليهم من قبل الطبقة الحاكمة قليلة العدد، هناك جانب إيجابي نفسي، إن لم يكن بالضرورة ماديًا للأثرياء أيضًا. كما طرحه «وايلد»:

إذا كانت الممتلكات في جوهرها ملذات، بإمكاننا تحملها. إلا أن واجباتها تجعلها لا تُحتمل. فلنتخلص منها لمصلحة الأغنياء.