محتوى مترجم
المصدر
Jacobin
التاريخ
2019/01/02
الكاتب
ERIK BAKER

يرى «فريدريك نيتشه» أن ثمة طريقتين للتجاوب مع ما أسماه بـ «العود الأبدي للأشياء». وهو مفهوم شرحه في كتابه «العلم المرح»، بأن «الحياة التي تعيشها الآن، والتي سبق أن عشتها، ستضطر إلى عيشها مرة أخرى، وأخرى، إلى ما لا نهاية». فيمكنك إن كنت بشرًا نموذجيًا ضعيفًا «أن تلقي بنفسك أرضًا، وتصر أسنانك غيظًا، وتلعن الشيطان الذي أخبرك بذلك». لكن هناك أنفسًا أخرى، أعظم وأقوى. يمكنها التسامي فوق القطيع، والتحديق في عيني ذلك الشيطان ذاته، والقول: «إنك إله، وإني ما سمعت كلمات أكثر قدسية من هذه الكلمات قط».

لا شك أن قدرًا معينًا من «حب المرء لقدره» كان ضروريًا للمسعى الذي اضطلع به المنظر السياسي رونالد بينر في كتابه الجديد «عقول خطرة: نيتشه، وهايدجر، وعودة اليمين المتطرف». استهدف بينر العلاقة بين نيتشه والفيلسوف الألماني مارتن هايدجر من جهة، والنازية من جهة أخرى، والتي تعتبر في حالة نيتشه نوعًا من التجنيد اللاحق للوفاة، وفي حالة هايدجر إعجاب حار متبادل. أراد بينر الكشف عن أن السياسات اليمينية المتطرفة من لوازم فلسفتيهما. نتيجة لذلك، يصبح إخفاق ما بعد الحداثة في سعيها لصوغ «نيتشوية يسارية» أو «هايدجرية يسارية» أمرًا محتومًا.

لقد عشنا هذا الجدال بالفعل من قبل، وسيتعين علينا عيشه مرة أخرى، وأخرى، إلى ما لا نهاية. إنها أرضية أبلتها أقدام مجموعة رائعة من الفلاسفة ومؤرخي الأفكار بلا جدوى: جورج لوكاش، ويورغن هابرماس، وزئيف ستيرنهيل، وريتشارد وولين، وغيرهم كثر. وقد استدعى بينر عديدًا من أسلافه على مدى صفحات «عقول خطرة».

لكن جعبة بينر حوت نوعًا من المفاجأة، عنصرًا جديدًا منحه الأمل في النجاح فيما فشل فيه الآخرون. أشار بينر إلى تركيز النقاد السابقين على السؤال حول الكيفية التي يتوجب لتأثير وجهات النظر اليمينية لنيتشه وهيدجر أن تؤثر على تقييمنا لأتباعهم اليساريين اليوم. لكن التركيز العنيد لتلك الانتقادات على «الراديكاليين المعينين» جعلها تبدو وكأنها تفترض كون النيتشوية/الهايدجرية اليمينية الواعية ذاتيًا أمرًا عفا عليه الزمان.

لعل فشل التنظيرات السابقة كان مرجعه إلى التنازل غير المتعمد عن مساحات مهمة من أرضية الصراع لصالح الخصوم. ففي نهاية المطاف، إذا كان صحيحًا أن القارئ النموذجي لنيتشه أو هايدجر اليوم يساريًا – إذا اعتبرنا الآراء اليمينية المتطرفة نوعًا من الانحراف جرى تداركه سريعًا في وقت مبكر من تاريخ التلقي – يغدو الادعاء بوجود جوهر رجعي في فلسفتيهما صعب التصديق.

في استياء بينر من هذا الافتراض التاريخي تفسير للفقرة الأخيرة من عنوانه الفرعي: عودة اليمين المتطرف. يريد بينر تغيير صورة النيتشوي والهايدجري النموذجي في مخيلتك. وهو يدرج فاشية اليوم العالمية ومتحدثيها الرسميين شبه المرموقين: ريتشارد سبنسر، وألكسندر دوغين، وحلفاؤهما (القراء المتحمسون لنيتشه/ هايدجر معًا أو على حدة).

إنه يراهن على أن الأكاديميين اليساريين سيكونون أقل تفاؤلًا بإعادة تنسيب هايدجر ونيتشه إذا ارتبطت تلك الأسماء بصور الغوغاء حاملي المشاعل، مثل تجمع «وحدوا اليمين» في «شارلوتسفيل» عام 2017، الذي يحتل غلاف الكتاب، بدلًا من ارتباطه بحجرات السيمنارات والمقاهي الباريسية.


فقط افعلها

إنها استراتيجية مبتكرة وواعدة، وهو ما يجعل عدول بينر عنها عقب المقدمة أكثر إحباطًا. فالغالبية العظمى من الكتاب مكرسة لتفسير نصي لنيتشه وهايدجر. حتى عناوين كل من فصليه الطويلين: «قراءة [نيتشه / هايدجر] في عصر فاشية صاعدة»، اتضح أنها عناوين حرفية بصورة مخيبة للآمال. إن الفصول عبارة عن قراءة، وليست عن القراءة، أو حتى عن القراء. ذلك باستثناء بضع جمل أو فقرات هنا أو هناك، كان يمكن كتابتها في أي عصر تقريبًا.

على الجانب الآخر، كانت قراءات بينر واضحة ومقنعة. كما كانت مفهومة للقارئ الذي يطرق نيتشه أو هايدجر للمرة الأولى، دون خيانة للنص الأصلي أو التضحية برقيه. يمثل كل فصل بيانًا مسندًا على ما يعتبره بينر الشاغل والحافز الرئيسي لكل فيلسوف. تؤكد هذه التحليلات حجم القواسم المشتركة بينهما وما تعكسه من اشتراكهما في السياسات اليمينية.

لقد جعل بينر من نيتشه وهايدجر نقادًا ثقافيين رجعيين في المقام الأول. نشأ مشروعهما في خضم حالة فزع من العالم الحديث، وبخاصة المثل العليا للثورة الفرنسية. كانت الحرية والمساواة والإخاء كارثة. فما بُشر بأنه سيكون تحرريًا ثبت أنه خانق للروح. كان تأكيد التنوير على الديمقراطية والعقلانية الإنسانية الفطرية قد أفرز وباءً من الضحالة المتعجرفة. يبالغ العامة في تقدير قدرتهم على التفكير ومعرفة الأشياء واستخدام معارفهم لتحسين العالم. إن المجتمع الجماهيري، الذي نحيت فيه جميع الفروق جانبًا، هو أيضًا مجتمع خسر إحساسه بالتراجيدي، خسر إحساسه بعالم ينبغي قبوله لا تغييره. نحن نحتاج سلطة جديدة، سلطة قادرة على إنعاش ثقافتنا، على استعادة النظام الذي أدى غيابه إلى شل الروح المعاصرة. إن عليك كسر بعض البيض لإعداد العجة الوجودية.

يقول بينر إن مصدر مشكلة الحداثة عند نيتشه هو «انعدام الأفق». وغالبًا ما يعتبر نيتشه من قبل الأصدقاء والأعداء نبي زعزعة كل يقين مستقر، سواء القيم أو الأديان أو الحقائق أو فكرة الحقيقة ذاتها. يبين بينر أنه إذا كان نيتشه هذا النبي، فقد كان أشبه بأنبياء العهد القديم منه بمتحدثي مؤتمرات تيد. أو قل هو أشبه بالعجوز المخيف الذي يظهر في بداية أفلام الرعب.

لا شك أن نيتشه كان يرى افتقار جميع تلك القناعات إلى «دعائم»، لكنه رأى أيضًا ضرورة تبني نوع من «الأفق» على أية حال. فبلا أفق لا يمكننا التصرف، أو لا يمكننا التصرف على نحو كافٍ لـ«إثبات الحياة».

كانت آفاق ما قبل الحداثة تفتقر إلى الدعائم أيضًا. لكن ذلك لم يكن يسبب معاناة لأحد في عصر الوثنية، والنظام الأبوي الذي لا يرقى إليه الشك، والمسرح التراجيدي. ثم بدل العالم الحديث كل ذلك، بسبب رفعه الانشغال الأفلاطوني/المسيحي بالميتافيزيقيا إلى درجة الهوس. لقد بدأنا نتشكك في أنفسنا ونبحث عن سبب لفعل الشيء بدلًا من تشمير السواعد وفعله.

في اقتباس مبكر ينقله بينر، يعرض لنا نيتشه النتيجة: الرجل المعاصر الذي «لم يعد قادرًا على تخليص نفسه من الشبكة الدقيقة من الحكمة والحقيقة لصالح إرادة ورغبة بسيطة.» كان أمل نيتشه هو الإنسان الأعلى الشهير، الذي يستطيع إنقاذنا من خلال مقاومة «العدمية» الحديثة وممارسة القوة اللازمة لخلق آفاق جديدة خاصة به، آفاق يسع سائر القطيع الحديث التقدم إليها عن طيب خاطر.

يشدد بينر علينا كي لا نسمح لتعليقات هايدجر المستفيضة والمتباينة عن نيتشه بإلهائنا عن التشابه المذهل بين قصتيهما عن الحداثة. أجل، لقد خلص هايدجر إلى أن نيتشه يمثل «ذروة» الميتافيزيقا لا سقوطها. أجل، لقد اختلفوا حول العديد من الأسئلة المحددة، مثل تقييم عصر النهضة. وأعلن نيتشه رفضه للقومية الألمانية التي دافع عنها هايدجر.

لكن بشكل عام، سنجد أن «أوجه الشبه بين نيتشه وهايدجر مذهلة حقًا»، مثلما كتب بينر. وعلى وجه التحديد، نجد أنهما تشاركا التشخيص ذاته: رؤية لحداثة أصبحت فيها التجربة ضحلة ومبتذلة بسبب الهيمنة الخانقة للميتافيزيقيا الأفلاطونية/المسيحية والعقلانية والنزعة الكونية.

إن الحداثة عند هايدجر، كما هي عند نيتشه، عمياء عن كينونتنا الأكثر جوهرية كفاعلين لا عارفين. ويعتقد هايدجر، كما اعتقد نيتشه، أن مآل ذلك هو إفراط ونقص في الثقة في آن واحد. فنحن أقل ثقة في الفرضيات المسلم بها، والتي تسمح لنا بالتحرك في العالم خلال حياتنا اليومية، إذ نخضعها للنقد العقلاني؛ نحن نفترض أنها تحول بيننا وبين فهم دقيق للعالم، بينما هي في الواقع الطريقة الوحيدة التي «ينكشف» بها العالم لنا.

ينتج عن ذلك ثقة مفرطة في فهمنا للعالم الناتج عن تأملاتنا العقلانية، وإيمان متعصب بقدرتنا على التخطيط والتحكم في أي شيء وكل شيء. كان هايدجر ليفضل لو تجاوبنا مع انهيار قدرتنا العملية باختبار حدودنا و«تجذرنا» بصورة أكثر «أصالة»، والتعجب من لغز «الوجود» العويص، أي لغز وجود عالمنا من الأساس.

لا شك أن طموح هايدجر الأعظم في تحقيق التعافي الروحي للتجذر في ألمانيا قد تمثل في الحركة النازية. كانت قدرة الحكم النازي على إعادة الألمان إلى «الوجود» هو ما أسماه هايدجر بـ«الحقيقة والعظمة الداخلية» للنازية. يلخص بينر الكم الهائل من الأدلة التي خرجت إلى النور حول مدى ولاء هايدجر للحزب النازي، وإعجابه الشخصي بهتلر، ومعاداته للسامية التي ينكرها جيل من المدافعين المتعنتين.

ينجح تحليل بينر فيما فشل فيه النقاد السابقون أغلب الأحيان، إذ أوضح المنطق الكامن وراء مُعاداة هايدجر للسامية. ولقد فعلها بامتياز. لم يكن الأمر مجرد إعادة تقييم لبعض جوانب فلسفة هايدجر، أو معركة ضد أخلاقية تقدير أعمال شخصية مروعة بحق. لقد كشف بينر أن فلسفة هايدجر بأكملها نابعة من قصةٍ، قصة عن الكوزموبوليتانية مُنعدمة الجذور، والتي أدَّت إلى تطوُّرات سياسية مزعجة داخل الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، واغتراب الأمَّة الألمانية عن التجربة الأصيلة. لكن لمَ كان اكتشاف حقيقية هايدجر بهذه الصعوبة طوال هذه الفترة؟


لا بديل

غير أن ذلك ليس السؤال الذي يطرحه بينر. فهو أشد اهتمامًا بسبب انجذاب نيتشه وهايدجر إلى وجهات نظرهما في المقام الأول. يقول بينر إن «علينا قراءة كبار المنظرين المناهضين لليبرالية بهدف التوصل إلى فهم أعمق لسبب زهدهم في الليبرالية البرجاوزية، ومن ثَم سبب ميل كثير من مواطنينا إلى الأمر ذاته». لكن بافتراض إمكانية العثور على التفسير داخل النصوص ذاتها، يكون بينر قد سلم بسرديتهم. إنه ينعطف إلى علم اجتماع للرجعية منبنٍ على شروط الرجعيين أنفسهم.

نتيجة لذلك، يبدو أن بينر قد ارتد بشكل محير في خاتمته عن إصراره السابق على أن لنظرة نيتشه-هايدجر للعالم منطقًا يؤدي حتمًا إلى كارثة سياسية. إذ يعلن هنا أن صحة تشخيصهما للحداثة هو سبب انجذاب كثير من الناس إليه في الأساس. بالفعل، ثمة «فراغ روحي في قلب الحداثة»، وإن مهمة الديمقراطيين الليبراليين هي الدفاع عن الحداثة رغم الدليل الدامغ على ما فيها من «فراغ روحي أو ثقافي».

لا يجدي مع بينر ما نبه إليه يورغن هابرماس من أن الحداثة ما تزال «مشروعًا غير مكتمل»، لن يكتمل إلا في ظروف مادية معينة. ولا يعنيه اقتناع تشارلز ميلز بإمكانية تحقيق قيم التنوير من مساواة وحرية بالفعل، لكن فقط من خلال مواجهة السبل التي شكل بها تفوق العرق الأبيض فكر التنوير منذ نشأته.

لا، بل إن بيان بينر الختامي هو بالأحرى الشعار التاتشري: لا بديل. يقول بينر مقرًا: «لذا فالإدارة الليبرالية الوسطية غير مرضية، إنها ليست ملهمة كفاية. إنها لا تحرك الروح. إنها مبتذلة؛ إنها سياسات للرجل الأخير. حسنًا. لكن بماذا يسعنا استبدالها؟» وكأن الإدارة الليبرالية الوسطية هي كل ما كانته الحداثة وما يمكنها أن تكون!

مع نهاية الكتاب، لا يغدو خطأ نيتشه-هايدجر القاتل نفورهما غير المحسوب من العقل والمساواة والديمقراطية. بل افتراضهما الأحمق لإمكانية تصحيح المشاكل المتعلقة بتلك القيم التي أصابا في تشخيصها من الأساس. كتب بينر يقول: «إن خيبة أملهما/غطرستهما لهو الأمر الخطير»، لقد تخليا عن التزامهما الخاص بالتراجيديا وحب القدر في اللحظات الأخيرة. وينتهي الأمر بتساءل بينر: «من ذا الذي تعهد لنا بنجاح مسعانا إلى حل مشكلة الحالة الإنسانية من الأساس؟» لقد تبنى الكاتب ثنائية إما/أو النيتشوية-الهايدجرية كلية: إما هذيان الرجل الأعلى والاشتراكية الوطنية، أو النظام السياسي القائم، كما هو، إلى الأبد.

لا يعلن بينر صراحة تصالحه مع ما انتهى به الحال إليه، أي مع تأييده وسطية نيتشوية، ولا يصرح بمدى تراجعه عن جدول الأعمال الذي حدده في المقدمة. إنه يسلط الضوء على النسب النيتشوي لماكس فيبر، نموذجه العظيم لليبرالية المأساوية. ولا يبذل إلا قليل جهد لإخفاء الطابع النخبوي النيتشوي لرؤيته السياسية.

إنها عقيدة الحقيقة المزدوجة الكلاسيكية. لا ضرر فيما يكشفه نيتشه وهايدجر عن الحداثة، بل هي أمور يفيد الليبراليين الملتزمين والمستنيرين فهمها. يأتي «الخطر» الأصيل حين تكشف حقيقتهم المزعجة «في سياق لا يكون فيه هذا الالتزام آمنًا تمامًا.» يمكن نقاش ذلك، لكن بصوت خافت، بعيدًا عن مسامع السوقة الغوغاء، الذين يدعوهم بينر نقلًا عن أحد النازيين الجدد المحبطين بـ«الحثالة البيضاء».

لكن طموح بينر المبدئي لم ينكسر تمامًا. إذ واصل الحديث كما لو كان ينشد مشروعًا فكريًا تحرريًا، مشروعًا قد تحدد معالمه بمزيد دقة عبر التقدير التام لمنطق نقيضه الرجعي في فلسفتي نيتشه وهايدجر. كل ما في الأمر أنه في نهاية الكتاب، يبدأ فهمه للتحرر في التبدي بمظهر أشبه بالتفاني في الوضع الراهن. ومع إدراجه كارل ماركس كالمثال الأسمى لـ«المنظرين المناهضين لليبرالية» الذين يجب ألا نحاول «إعادة تنسيبهم […] سواء للمشروعات الفكرية الليبرالية أو اليسارية» يحق لك التساؤل عن ماهية اليسار الذي يقصده بينر.


ليبرالية غير ليبرالية

ما يبعث على الإحباط وسط هذا المستنقع هو أن بينر قد تعثر في شيء مهم. إن بينر محق تمامًا في إمكانية تقديم دفاع نيتشوي متماسك عن الرأسمالية الليبرالية، وفيبر نموذج لذلك. يوجهنا بينر إلى ليبرالية وسطية لا يمكن تمييزها عن اليمين المتطرف إلا بقرار يخص القيم، لا باختلاف في الرؤية المبطنة للعالم. هذا لا يزعج بينر كثيرًا. فهو يبدو واثقًا من أن بوسع الطيبين التمسك بالالتزام غير العقلاني الذي يفصلهم عن الأشرار إلى أجل غير مسمى. أو لعل ذلك هو أملنا الوحيد.

لكن إن كنا سنفعل ما طلبه بينر في المقدمة، من إلقاء نظرة فاحصة على تاريخ النيتشوية والهايدجرية القائمة بالفعل، فقد يتبين أن الحفاظ على الإيمان أكثر صعوبة مما ظننا. إذ سنجد صعوبة عمليًا في فصل القمح الليبرالي عن قشرته اليمينية المتطرفة.

خذ «ماكس فيبر» على سبيل المثال. لقد انتهى به الأمر بطلًا غير متوقع لـ«عقول خطرة»، بطلًا قادرًا على رؤية «القفص الحديدي» للحداثة بوضوح تمامًا مثل نيتشه وهايدجر، و«تأييده» على أي حال. لكن «النبل الفيبري أرفع مكانة من النبل النيتشوي، ذلك لأنه لا يتأسس على مداعبة أوهام سمو الحداثة». ومع ذلك فثمة قومية ألمانية متقدة تسري على طول إنتاج هذا «الليبرالي شديد التشاؤم». فإذا قرأنا ما بين السطور، نجد أن عمل فيبر يمثل حلًا أقل رواقية في وجه حتمية الحداثة، وحلًا أكثر فزعًا من خطورتها، على الأقل في تجسدها الإمبراطوري الألماني.

بالنسبة إلى فيبر، كان القفص الحديدي دومًا تحت التهديد من أخطار غير ألمانية. في محاضرته الافتتاحية لعام 1895 في «جامعة فرايبورغ» (التي سيرأسها هايدجر لاحقًا في ظل النظام النازي)، كان التهديد متمثلًا في المزارعين البولنديين. كانوا يهاجرون إلى شرق بروسيا مهددين مصدر رزق العمال الألمان بسبب استعدادهم – ذي الدوافع العنصرية – للعمل تحت ظروف أكثر تدهورًا. لم يكن الحل الذي اقترحه فيبر في عام 1893 سوى «الإقصاء المطلق للعمال الروس-البولنديين من الشرق الألماني». قرب نهاية حياته، استحال التهديد قواتًا متدنية عرقيًا تقاتل ألمانيا في الحرب العالمية الأولى. قال فيبر محذرًا أحد الجماهير في عام 1917: «إن ألمانيا تقاتل من أجل البقاء، ضد جيش يضم زنوجًا وجورخا وجميع أنواع البرابرة الذين غادروا مخابئهم حول العالم وتجمعوا الآن عند حدود ألمانيا، متأهبين لإفناء بلادنا».

فيما بين ذلك، طوَّر فيبر تفسيرًا نظريًا مفصلًا «للتآلف الطوعي» بين الحداثة الرأسمالية والسمات الثقافية الفريدة للأوروبيين. لم يكن تطور الرأسمالية في أوروبا مصادفة. لقد ولدتها القدرة الدينية والثقافية المميزة للأوروبيين على الانضباط والعقلانية الأداتية، على عكس ما وصفه فيبر بـ«الجشع غير المحدود للآسيويين». لم يكن إيمان فيبر بـ«القدر» التاريخي العالمي للدولة الألمانية انحرافًا، بل امتداد منطقي لجوهر فكره، حسب زعم بينر.

فيبر بالكاد هو «الليبرالي» النيتشوي الوحيد الذي استطاع مغازلة اليمين السلطوي أو القومي باستمرار. لقد لاحظ الدارسون مسارًا مشابهًا في تاريخ «المدرسة النمساوية للاقتصاد»، وهي حجر الزاوية الفكري للحركة النيوليبرالية في القرن العشرين. في عام 2013، تسبب المنظر السياسي كوري روبن في عاصفة من الجدل، أثار معظمها كتاب ليبراليون، بمقال سلط فيه الضوء على أوجه الشبه بين نيتشه والنمساويين. لكن ثمة تشابهًا واضحًا مثل شمس النهار، ليس فقط (أو بشكل خاص) فيما يتعلق بشخصية نيتشه، ولكن أيضًا فيما يتعلق بالتقليد النيتشوي اللاحق.

كان فيبر، على سبيل المثال، محاورًا للودفيج فون ميزس، زعيم المدرسة في أوائل القرن العشرين، وملهمًا للأعضاء الأصغر سنًا مثل ألفريد شوتز وجوزيف شومبيتر. إلى جانب ذلك، أصدر فريدريش فون هايك، أهم اقتصادي نمساوي في القرن العشرين، إدانة لـ«العقلانية» لا تقل قوة عن إدانة نيتشه أو هايدجر. (كثيرًا ما يقارن هايك عن جدارة بالمنظر السياسي مايكل أوكسهوت، والمكنى بـ«هايدجر الإنجليزي».)

ثم جاء دون لافوي، أستاذ كثير من أتباع المدرسة النمساوية الأمريكية النافذين، والذي توفي أستاذ كرسي تشارلز كوخ للاقتصاد بـ«جامعة جورج ماسون». قضى لافوي مسيرته في مناقشة التقارب بين منهجية المدرسة النمساوية والفلسفة «التأويلية» لهايدجر وتابعه هانز جورج جادامير.

تعد نقطة الاتصال الأقوى بين كثير من الليبراليين النمساويين والنيتشويين من أمثال هايدجر هي القناعة المشتركة بإمكانية قبول الاستبداد السياسي أو اعتباره ضروريًا في مواجهة تقدم اليسار. تظهر الدفاتر السوداء المنشورة مؤخرًا، مدى ارتباط دعم هايدجر للنازية برعبه من «البلشفية» الزاحفة، والذي رآه (بالطبع) مدعومًا من اليهودية العالمية. باستثناء معاداة السامية، كانت هذه الاعتبارات الوهمية الدافع وراء إعلان لودفيج فون ميزس في عام 1927 أن الفاشية «قد أنقذت الحضارة الأوروبية في الوقت الراهن» بقمع الانتفاضات الشيوعية في إيطاليا. موضحًا أن «الاستحقاق الذي اكتسبته الفاشية سيخلده التاريخ إلى الأبد».

أوضح المؤرخ «كوين سلوبوديان» الكيفية التي واصل بها هذا المنطق تشكيل الدعم النيوليبرالي للأنظمة الاستبدادية في نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا ونظام أوغستو بينوشيه في تشيلي. سواءً كان مدفوعًا برعب الاقتصادي فيلهلم روبك من احتمالية حكم الأغلبية التي هي من «آكلي لحوم البشر» جنوب الأفريقيين السود، أو الفزع من الدعم الشعبي للرئيس الماركسي المنتخب ديمقراطيًا سلفادور أيندي، فقد أثبت التقليد النمساوي أنه على أتم استعداد للتصالح مع فكرة «الديكتاتور الليبرالي»، وهو الوصف الذي أطلقه هايك على بينوشيه من قبل.

هكذا يصبح انضمام لودفيج فون ميزس إلى نيتشه وهايدجر في مجمع آلهة اليمين المتطرف أمرًا أقل إثارة للدهشة مما قد نتوهم في الوهلة الأولى. لقد أوصى ريتشارد سبنسر أتباعه بقراءة فون ميزس وتلميذه الأمريكي موراي روثبارد. أما منسيوس مولدبوغ، العلامة التجارية المفضلة لزعماء الفاشية الجددية الزائفين، فيقول مؤيدًا: «إن ميزس من الآلهة الجبابرة؛ وإن روثبارد لمن العماليق». إن رئيس «معهد لودفيج فون ميزس» في أوبورن، بولاية ألاباما، هو لو روكويل، الذي قد تتذكره كتابته لنشرات رون بول الإخبارية العنصرية. أما أسوأ المنتسبين إلى المعهد سمعة فهو هانز هيرمان هوبه، التي صارت مقالته الطويلة المنشورة عام 2001 تحت عنوان «الديمقراطية: الآلهة التي فشلت» أشبه بكتاب مقدس لحركة اليمين المتطرف.

بعبارة أخرى، ليس الليبراليون الرأسماليون فقط من ينزلقون إلى الفاشية. إذ يواجه الفاشيون صعوبة شديدة في الابتعاد عن «الليبرالية» الرأسمالية أيضًا.


القفص الحديدي

يفترض بينر أن المعضلة المركزية للسياسة الحديثة هي إذا ما كان المرء «مع» أم «ضد» الحداثة الليبرالية. لكنه يلفت انتباهنا في «عقول خطرة» إلى تاريخ يدل على أن الخيار ليس بهذه البساطة. إذ اتضح أن بإمكان أبطال ومعارضي الحداثة إيجاد كثير من الأرضية الفكرية والبرنامجية المشتركة. إن الخط الفاصل بين المركزية الليبرالية واليمينية الفاشية يبدو غائمًا في الممارسة العملية على نحو مقلق.

ذلك لأن الحداثة ذاتها غير مستقرة. كان فيبر مخطئًا. ليست الحداثة قفصًا حديديًا ينمو بالضرورة ليصير أكثر تجانسًا وقابلية للتنبؤ. إنها معقدة، متناقضة، مزدحمة بالمتغيرات. كتب كارل ماركس يقول: «الحديث لا يرضي»، ففي القلب منه حركة لا هوادة فيها. تعد الحداثة بالديمقراطية والحرية والمساواة، بينما ترسخ نظامًا اقتصادي-سياسي غير قادر هيكليًا على الوفاء بتلك الوعود. إنها تقدم رؤية مثيرة لعالم موجه جمعيًا نحو تلبية احتياجات الإنسان، بينما تعمل في المدى القصير على تكثيف الاستغلال على نطاق غير مسبوق.

ومثلما بين ماركس، وكان له السبق، تخلق الرأسمالية الحديثة الظروف التي تكفل لها التميز، وإن كانت الاستفادة من هذه الظروف أكثر صعوبة مما توقعه ماركس. فالقصور الذاتي للوضع الراهن لا يساعد على استقرار الوضع، بل يدفعه نحو التحول الثوري. لذلك كثيرًا ما اضطر المدافعون عن الوضع الراهن إلى العودة إلى موارد السلطة الاستبدادية «السابقة للحداثة» لصد مطالب الديمقراطية والحرية والمساواة غير المستساغة.

لم يكن من قبيل الصدفة أن يبدأ اكتساب نيتشه وهايدجر للقراء الراديكاليين النهمين في النصف الثاني من القرن العشرين، مع بداية ظهور المشروع اليساري التقليدي بمظهر الأمل الكاذب المحتوم بنهاية من اثنتين، إما انحراف ستاليني أو هزيمة تاتشرية.

يمكنك تفهم جاذبية العواء المناهض للحداثة إذا بدا لك أن البديل الوحيد هو الخضوع المتهور لرأسمالية السبعينيات والثمانينيات. (وعلى الرغم من أن هذه الغريزة ستعيدك إلى حماسة مستحقة لنيوليبرالية جاري بيكر وآخرين، كما فعلت مع ميشيل فوكو، فيسع المرء أن يتوقع منك إعادة تقييم مقدماتك.) بالنسبة إلى بينر، يظل هذا الاختيار نفسه الذي يواجهنا اليوم. إنه يؤمن بأن تصفية الحساب مع «عودة أقصى اليمين» ستساعدنا على إيجاد العزيمة اللازمة لاتخاذ قرار ماسخ مثل تأييد الوضع الراهن.

لكن هناك بديلًا. يمكننا اليوم اعتبار أقصى اليمين دليلًا على أن الوضع الراهن ليس متطابقًا مع ذاته (بتعبير هيجل)، أنه يحتوي على بذور دماره، بما لذلك من إيجابيات وسلبيات. بدلًا من التعامل مع انتعاشة اليمين المتطرف الما بعد نيتشوي باعتبارها دورة أخرى لعجلة العود الأبدي، يمكننا اعتبارها دليلًا على أن المعاداة الرجعية للحداثة سترافق الرأسمالية حتى نهايتها المباركة، على حد تعبير ماركس. يمكننا طرح تقسيم مختلف: الاشتراكية أو الهمجية. فكما يقول الفاشي العظيم ويليام بتلر ييتس، لا يمكن للمركز الصمود.