إن عملية استخراج الكنوز تحتاج إلى علم خاص وشجاعة كبيرة، تجعل الشخص يضع حياته على كف عفريت.
الفقيه محمد آيت تازروال، من مدينة تارودانت المغربية

«إذا شككت أن هناك كنزًا مدفونًا أسفل بيتك، أحضِر شيخًا أو عرّافًا على الفور، للتأكد أولاً قبل الشروع في أعمال الهدم التي ستكلفك بدورها الكثير»… أسطورة روجها سحرة المغرب حتى باتت منتشرة ويعرفها القاصي والداني ويؤمن بها الكثيرون في أغلب الأقطار العربية. بدأت كحيلة ابتدعها السحرة المغاربة للترويج لشعوذتهم التي نجحت في أن تلقى رواجًا لم يُعرف له مثيل.

«إن من ينصت للمغاربة فلربما اعتقد أن المغرب مستودع عجائبي للكنوز» هكذا وصف عالم الاجتماع «بول باسكول» أساطير المغرب التي تملكت عقول شعبها، ونجح في الترويج لها سحرة ومشعوذون، وذلك عن كنوز مدفونة وجن يحرسها و«فقها» (وهم أعلى مراتب السحرة) يملكون من الطلاسم والتعاويذ ما يمكنهم من فتح أبواب المغارات وكشف المستور… فإمّا يقوم الجان بإخبار الفقيه بمكان الخبيئة، أو أن يكلف الفقيه الجان بالبحث عن أماكن الرصد ويجمع المعلومات والتفاصيل الكافية عن ذلك الكنز، ثم يذهب إلى ذلك المكان المحدد ويقوم بـ «تربيعة»فيخط أربعة أسماء من الجن على أربع طوبات من الحجر، وتُكتب نفس الأسماء في حرز يحمله الفقيه، لتكون همزة وصل تربطه بحراس الخزينة.

لم تكن تلك الحيلة هي الوحيدة ولكنها كانت البداية، وما إن تمكن «الفقها» من عقول وقلوب المغاربة، شرعوا في أنواع أخرى من السحر باتت هي الأكثر انتشارًا من غيرها في الآونة الأخيرة؛ كجلب الحبيب، وردّ المطلقة، وزواج العانس، وجلب السارق، واستحضار أرواح شريرة قادرة على قلب حياة المسحور رأسًا على عقب.


السحر المغربي في الروايات والكتب التاريخية

أينما ذُكر السحر ذُكرت المغرب، وكلما أراد عمل فني موضوعه السحر والشعوذة أن يضبط حبكته الدرامية لجأ لدس اسم المغرب داخل الحوار. ذلك الربط لم يكن وليد عصرنا الحديث، بل قدمته وأكدت عليه مضامين بعض المصنفات التراثية كمقدمة ابن خلدون، وحكايات ألف ليلة وليلة، علاوة على مؤلفات البكري، وابن الحاج التلمساني وغيرها.

فقد سيطر على حكايات ألف ليلة وليلة الشعبية، والتيجُمِعت وتُرجمت إلى العربية خلال العصر الذهبي للإسلام، قصص وحكايات أسطورية عجيبة كان المحرك الرئيسي فيها هم سحرة ومشعوذين مغاربة، لعل أشهر تلك الحكايات قصة «علاء الدين والمصباح السحري»، التي كانت تدور حول علاء الدين الشاب الفقير يتيم الأب والمعروف بالنباهة والطموح، الذي تمكن ساحر مغربي من خداعه هو ووالدته وإقناعه بأنه عمه وأنه سيساعده كي يصبح تاجرًا ثريًا مقابل أن يساعده علاء الدين في استخراج المصباح السحري من كهف العجائب المليء بالمخاطر.

وفي كتاب مقدمة بن خلدون، تحدث ابن خلدون عن «حاميم المتنبي» في بلاد غمارة المغربية، الذي «كان يُلقّب بالمفتري، وكانت أخته دبّو ساحرة كاهنة، وكانوا يستغيثون بها في الحروب والقحوط». وعلى الرغم من قتل هذا المتنبي عام 315 هـــــــ، إلا أن ذلك السحر استمر في قومه بمنطقة غمارة إلى عهد ابن خلدون، فيروي بن خلدون في كتابه بصفته معاصرًا لذلك:

وما زالوا يفعلون السحر لهذا العهد، أخبرني المشيخة من أهل المغرب أن أكثر منتحلي السحر منهم النساء العواتق. ولهم علم باستجلاب روحانية ما يشاؤونه من الكواكب، فإذا استولوا عليه وتكنّفوا بتلك الروحانية تصرّفوا منها في الأكوان بما شاؤوا، والله أعلم.

علاوة على ذلك، ما قدمه البكري من أخبار دقيقة عن مؤسس إمارة برغواطة الموجودة على الساحل الأطلسي للمغرب، الذي «طلب علم النجوم والكهانة والجان ونظر في الكلام والجدال، وأخذ ذلك من غيلان أي «العفاريت»، حتى بهر قبائل إمارته بما كان يُظهره من المغيبات،وما نتج عنه من تنبؤات؛ فيقول البكري في هذا السياق:

وكان يخبرهم بأشياء قبل كونها مما تدل عليه النجوم عندهم، فتكون على ما يقول أو قريبًا منها فعظم عندهم.

فضلاً عن ذلك، فهناك العديد من الكتابات الأخرى التي كرست في الوعي العربي والعالمي حميمية العلاقة بين المغرب والسحر.


أغرب أنواع السحر والسحرة

طيفٌ واسع يزخر به السحر والسحرة في المغرب، كلٌ له طبقته التي يراهن عليها وطريقته التي تميزه عن غيره، بين عرافين وشوافات بسطاء و«فقها» يطيرون ويختفون في غمضة عين وحاخامات يهود، وإسبان ويونانيين وأفارقة وخليجيين، يسيطرون على عوالم سفلية، ويُسخّرون ملوك الجان لخدمتهم وخدمة زبائنهم، فيسكنون الأجساد ويأسرون القلوب ويفرقون بين الأزواج.

1. «الفقها» وسحر التراجيم

عذابٌ عانى منه أب وأم وشقيقتان بشقتهم بالطابق الأرضي في إحدى العمارات المتهالكة بحي العنق بالدار البيضاء لمدة شهر كامل، كان كابوسًا لم تفق منه تلك العائلة. ففجأة بينما كانت الأمور مستتبة، سمعت الأسرة دوي ارتطام حجارة بالحائط وما إن هرعوا نحوها، إذا بهم يرون الحجارة مشتعلة وتحلق في أرجاء الغرفة وملابس تشتعل بها النيران من دون سبب.عاشت تلك الأسرة أيامًا بين «الفقها» والمعالجين الروحانيين بحثًا عن حل، وشاع خلال تلك الأيام أن سبب ما هم فيه هو الخلافات التي كانت بينهم مع أحد أقاربهم، الذي أوعز لساحر بأكادير بأن يُسخر جنيًا ليدمر حياة تلك الأسرة.

ما حدث لتلك الأسرة هو سحر «التراجيم»، ذلك السحر هو من أنواع السحر الأسود الذي يقوم به الفقيه، إذ من خلاله يصرف الفقيه قدراته الخاصة في إنزال عقاب بشخص ما أو أسرة عبر تسخير الساحر لجني ليكون خادمًا عنده وذلك لرجم بيت بالحجارة المتقدة والنيران. يعيش أولئك الفقهاء وهم كبار الشيوخ في السحر المغربي والمتخصصون في السحر الأسود في قرى صغيرة في المغرب مثل «دكالة» و«سوس». ومن الأعمال التي يقومون بها علاوة على التراجيم، المحبة والتي يُرجى من خلالها جلب الحبيب وجذب انتباهه إذا لم يكن يبالي بالرغب، فضلاً عن علاج العقم والأمراض الجنسية، وطرد الجن الملتبس بأجساد الزبائن من الرجال والنساء.

2. الحاخامات اليهود وسحر الكابالا

يتربع الحاخامات اليهود على رأس السلطة الدينية لليهود في المغرب، زبائنهم في الأغلب من ميسوري الحال لكنهم في بعض الأحيان يقومون بأعمال السحر بالمجان بل وقد يمنحون بعض زبائنهم نقودًا تحت شعار أن جُل ما يهمهم «فعل الخير ليس إلا»!

يبرع أولئك الحاخامات اليهود في نوع من أنواع السحر الأسود يسمى بـ «الكبالا»، هذا اللفظ في عقيدة اليهود يمثل كلمة سرية أوحى بها الله إلى النبي موسى الذي أخبر بها أخاه هارون قبل أن تنتشر بين الأحبار اليهود وتصبح مذهبًا فريدًا من أكثر مذاهب السحر الأسود غرابة. يؤمن أتباع ذلك المذهب بتناسخ الأرواح، وبعض فنون السحر والتنجيم والهرطقة. وتتعلق الكابالا برموز غامضة وباطنية حول طبيعة الله والكون.

ولتعلُم ذلك النوع من السحر، يتطلب الأمر التدرج عبر عشر طبقات؛ من طبقة «إنصوف أور» التي تعني التاج بالعبرية، إلى طبقة الملكوت التي يزعمون بأن الساحر فيها يرتقي من سابع أرض إلى سابع سماء. ومن أشهر أولئك السحرة، حاخام يهودي يدعى «حاييم أزلغوط»، رجلٌ سبعيني يُعد أشهر السحرة اليهود في العالم بأسره، يأتيه من المغاربة أفواج مسلمون ويهود وأجانب من دول أخرى، للتبرك بما يتمتع به من قدرات خارقة على حد زعمهم.

3. العمانيون وسحر «الفودو»

يعد «الفودو» من أخطر أنواع السحر الأسود في المغرب، يتركز من يعملون به من السحرة في الدار البيضاء وأغلبهم عمانيو الجنسية، يعتمدون في سحرهم على الدمى لاعتقادهم بقدرتها على التأثير في الشخص الذي يرغب الزبون في سحره وإيذائه عن طريقها. يبدأ ذلك بتحديد الشخص المراد عمل السحر له، ثم يقوم الساحر بالوخز بإبرة حادة في دمية تتسبب على الفور في إصابة الشخص المسحور بآلام فوق الاحتمال.علاوة على ذلك يقتني أولئك السحرة محاليل يسمونها «ماسان»، يعتقدون أنه بتناولها تحدث مشاكل صحية ونفسية للمسحورين. يصل سعر القنينة الواحدة إلى 5 آلاف درهم على أقل تقدير.


اختراق السحر المغربي عالم الإنترنت

لجلب الحبيب ورد المطلقة وزواج العانس وجلب السارق، اتصل على الرقم التالي، للشيخ المغربي «فلان».

بهذا الشكل تعج المواقع والمدونات والمنتديات الإلكترونية، مئات الأسماء من «الشيوخ» و«الشيخات» المغاربة الذين يسوقون لأنفسهم عبر شبكة الإنترنت بشكل بات مبالغًا فيه، الأمر الذي ساهم بدوره في تكريس الصورة المترسخة في أذهان العرب عن ارتباط المغرب الوثيق بالسحر.

إذ يجد السحرة المغاربة في شبكة الإنترنت متسعًا للتسويق لإمكاناتهم الخارقة، فهو بالنسبة لهم سوق حرة نسبيًا، يُسهّل التواصل مع الراغبين في القيام بأعمال السحر أو فكه أو تسخير الجن وكشف الحجاب. كما أن الإنترنت بمثابة شركة خاصة تقدم خدمات السحر المختلفة وتغري الزبناء من داخل المغرب وخارجها للتعامل معهم.

وفي بعض الحالات، من غير الضروري أن تذهب للعراف أو الفقيه في عقر داره، يكفيك مكالمة دولية فقط! فأرقام هواتفهم ينشرونها في مواقعهم الإلكترونية وفق الترقيم الدولي، للتسهيل على الأجانب والعرب من خارج المغرب.


ليس للجهلاء فقط

تحكي الشيخة فتيحة، أن زبائنها لا يقتصرون فقط على الشباب والنسوة العاديين بل يصل الأمر إلى السياسيين، فتقول «نتعامل مع أغلبهم منذ سنين، وكانوا يفضلون أن نذهب نحن إليهم»، وأن إقبال أولئك الساسة يكثر في فترة الانتخابات والأزمات السياسية. وتتراوح مطالبهم بين من يسألها أن تضع القبول له في قلوب الناس حتى يصوتوا لصالحه في الانتخابات، وآخر يسألها لتخبره إذا ما كان سينجح في الانتخابات أم لا، فتقول:

كاين اللي كيبغي الحجابات وكاين اللي كيبغيني ندير ليه القبول باش الناس يبغيوه ويصوتو عليه، وكاين اللي كيبغيني نشوف ليه واش ايربح ولا لا.

فالسحر في المغرب ليس حكرًا على طبقة أو فئة اجتماعية وعمرية محددة، فقد يلجأ إليه الجاهل والمتعلم وحملة الشهادات العليا والمتوسطة وأصحاب المراكز المهمة والحساسة. فعندما يتمكن الشيطان من أحدهم تتعاظم لديه الرغبة في الانتقام ولا يهم حينها ما هي خلفيته.

الأمر ليس جديدًا، فقد أشارت أولى الكتابات العربية الإسلامية إلى تجذر ظاهرة السحر في المغرب منذ زمن بعيد، وبينت استناد السلطة السياسية العليا على خلفيتها، فكانت المغرب تخضع لسلطة روحية وسياسية مارسها الكهنة.