اللي قادرة على التحدي والمواجهة، واللي قادرة في خوفها تعلن احتجاجها
المقطع الأول من أغنية «اللي قادرة» للمطربة «آمال ماهر»

نعم، أنت في المكان الصحيح. في مقدمة مقال رياضي وليس فنيًا. ودعني أؤكد لك شيئًا آخر، أن الأمر ليس له علاقة من قريب أو من بعيد بصراع التحرش والملابس، أو حتى بمعاناة المرأة في المجتمع بشكل عام، أو كرة القدم بشكل خاص.

فقط، ما عليك فعله هو أن تستسلم للاستنتاج التلقائي الذي سيقفز إلى ذهنك بمجرد قراءة كلمات الأغنية، وتسأل نفسك: هل يمكن المقارنة بين النساء والرجال في كرة القدم، من وجهة نظر الجموح والتحرر وإثبات الذات، بل وإثبات تفوق النساء؟

يخترن الأصعب

لدينا واقع يفيد بأن النساء لا تمتلكن القدرة البدنية الكافية لتقديم كرة القدم في ثوبها الممتع، ويمكن أن نضيف إلى ذلك اقتراح مدربة نادي تشيلسي «إيما هايس» لتصغير عرض المرمى، بحجة أن الفوارق البدنية بين الرجال والنساء تحتم عدم نسخ اللعبة بكل قواعدها. لكن لكي نفكر بنظرية «اللي قادرة على التحدي»، يلزمنا عرض أرقام مختلفة.

عرض موقع «The Athletic» في تقرير له مقارنة رقمية بين الدوري الإنجليزي للرجال والسيدات، في آخر ثلاثة مواسم، 2017/2018، 2018/2019، 2019/2020. وهنا أتت الأرقام متشابهة تقريبًا من حيث عدد التسديدات والأهداف والأهداف المتوقعة.

يحقق دوري السيدات متوسط 2.9 للمباراة في إحصائية الأهداف المتوقعة، مقارنة بـ 2.72 للرجال. فيما كان متوسط الأهداف الفعلية للسيدات 3.1 هدفًا للمباراة، مقارنة بـ 2.7، مع عدد تسديدات متقارب بـ 26 تسديدة للمباراة مقابل 25 تسديدة لرجال البريميرليج.

بالطبع، لا تعني هذه الأرقام تفوق أو تساوي الطرفين، لكنها تبدو مقبولة في إطار مستوى المنافسة في كل دوري. لكن الغريب في الأمر أن السيدات يلجأن لفعل ذلك بالطريقة الأصعب، والتي قد لا تتناسب مع الانطباع السائد عنهن. على سبيل المثال، هن يسددن من خارج منطقة الجزاء بمعدلات أكبر.

في الثلاثة مواسم المذكورة، كانت النسبة تتراوح بين 31.7% و28.8%، بزيادة 5% للموسم الواحد مقارنة بالرجال. ومع ذلك واكبت السيدات التغير التكتيكي الحاصل، بالابتعاد التدريجي عن التسديدات بعيدة المدى لضآلة فرصة تحويلها لهدف. حتى الضربات الثابتة، يسددنها على المرمى بنسبة أكبر، فتجد هدفًا كل 14.4 مباراة، بينما في الرجال كل 19.1 مباراة.

مقارنة بين نسبة عدد الضربات الثابتة المسددة مباشرة للمرمى، بين الرجال والسيدات في الدوري الإنجليزي
/ The Athletic

من الممكن أن ترى في اللجوء للتسديد البعيد مشكلة فنية في خلق الفرص، لكنك مضطر لتجاهل ذلك حتى لا تخرج عن السياق الذي حددناه، بل ويمكنك أن تضيف له تفوق السيدات من حيث طول متوسط المسافة التي تقطعها تمريرات السيدات مقارنة بالرجال، مع تفوق ملحوظ لهن في نسبة التمريرات التي تتجاوز مسافة 32 ياردة، (وفي نفس الوقت لديهن الشجاعة للاستفادة من تعديل قانون ضربة المرمى، وبناء اللعب من الخلف).

اختبار التحمل

النمط السابق فيما يتعلق بتفاصيل اللعب يشير إلى أن السيدات تحاول، حتى لو اضطررن للمحاولة عبر الطرق الصعبة. أما فيما يخص التفاصيل الهامشية، فتجد – على سبيل المثال – أن الرجال يستغرقون وقتًا أطول للاحتفال بالأهداف، بمتوسط زيادة 30 ثانية، ويستغرقون وقتًا أطول في إجراء التبديلات، بمتوسط 10 ثوانٍ زائدة، وكأن اللاعبات يحاولن إثبات شيء من الجدية في محاولاتهن.

لكن الرقم الأكثر لفتًا للأنظار، هو الذي يجيب على السؤال التالي: إن وقع لاعب ولاعبة مصابيْن على أرض الملعب، من ينهض أولاً؟ المفاجأة أن اللاعبة ستنهض أولاً، لأن الرجال يظلون على الأرض لـمدة 30 ثانية زائدة في المتوسط.

ولذلك عدة تفسيرات، أولها أن اللاعبين أكثر قوة وسرعة، وبالتالي عند صدام بعضهم ببعض، يكون الأمر أكثر عنفًا. أما التفسير الثاني والذي عرضته قناة «DW Kick off» عبر دراسة تفيد بأن الحضور الجماهيري الكثيف لمباريات الرجال، يحول الملعب إلى مسرح، واللاعبين إلى ممثلين بالمعنى الحرفي. وحينها قد تأخذ الجلالة أحدهم للمبالغة للتحايل على الحكم واستغلال ضغط الجمهور.

ومن هنا ظهرت لكرة القدم للرجال رموز للتحايل، على رأسهم البرازيلي نيمار، الذي ظل راقدًا على الأرض في أول 4 مباريات بكأس العالم 2018، لمدة 14 دقيقة. أما على مستوى السيدات، فلم يحدث شيء مماثل.

لذا يمكننا أن نصل إلى التفسير الثالث، بل ونتقبله بصدر رحب، وهو أن السيدات يحاولن التخلص من النظرة الدائمة لهن على أنهن الطرف الأضعف والأكثر نعومة، وعليه يحاولن إثبات قوة تحملهن من خلال النهوض سريعًا. وإلى هنا يمكن أن نقول إن جزء التحدي من المقطع «اللي قادرة على التحدي والمواجهة» قد تم الوفاء به، ماذا عن المواجهة؟

واقع غير ملحوظ

يمكن أن ترى ممارسة كرة القدم بحد ذاتها هو تحدٍ، خاصةً مع سماعنا لعشرات القصص التي تحكي معاناة اللاعبات في شتى الرياضات، ووفقًا لطبيعة وثقافة المجتمع، تتنوع المشكلات. لكن هنالك تحديًأ آخر، يوضح اختلافًا غير ملحوظ بين الرجال والنساء في كرة القدم، وقد تلاحظ تفوق اللاعبات فيه، لكن دعنا نذكرك قبل المضي قدمًا أن ما يلي هو مجرد رصد، وليس طرحًا لنقاش الظاهرة أو الحكم عليها.

بما أنك متابع لكرة القدم، فبالتأكيد قد مرت عليك تلك الفترة التي تكتسي فيها شعارات أندية البريميرليج بألوان قوس قزح المعبرة عن المثلية، يتبعها ارتداء اللاعبين لشارة القيادة الملونة باللون نفسه. ليظهر الجميع مؤيدين لكافة الحريات، داعين للمساواة بين كافة الأطياف، رغم استمرار ممارسة بعضهم للعنصرية تجاه أصحاب البشرة السمراء. ومع تزايد الدعم الخاص بالمثلية على مستوى العالم، واشتراك كرة القدم فيه، لم نرَ أي لاعب يعترف بأنه مثلي.

بل إن الحالة التي يتذكرها الجميع للاعب أقدم على هذا الاعتراف علانية، تدمر مشواره الكروي وانتهت حياته منتحرًا داخل شقته. وأتحدث هنا عن لاعب يدعى «جاستين فاشنو»، والذي كان انتقاله من نوريتش سيتي إلى نوتنجهام فورست في صيف عام 1981، ثالث أغلى انتقال في العالم، لأنه كان موهبة واعدة، ينتظر منها الكثير، لولا اعترافه بالمثلية في العلن.

ومن وقتها ولن تسمع عن لاعب يعلن أمرًا مشابهًا أثناء مسيرته، وعلى العكس تمامًا تظهر لاعبات كرة القدم. وفقًا لدراسة نشرها موقع تلفزيون «itv»، فإن كأس العالم 2018 للرجال، لم يتواجد فيه أي لاعب أو مدرب مثلي، أما في كأس العالم 2019 للسيدات، فكان هناك 41 لاعبة ومدربة. ليس ذلك فحسب، بل إن صفوة الصفوة من اللاعبات هن مثليات، مثل الأمريكية ميجان رابينو – أفضل لاعبة في العالم في عام 2019 -، والبرازيلية مارتا، والأسترالية سام كير.

وبقدر ما يبدو عليه الأمر من شجاعة وقدرة على التحدي، إلا أن السيدات كن محظوظات بالبيئة المحيطة بكرة القدم لديهن، والتي أتاحت لهن ذلك. بدايةً من عدم وجود صخب إعلامي، مرورًا بتمثيل اللعبة لكثير منهن عمل بدوام جزئي، وبالتالي لا تسيطر عليهن كرة القدم كليةً، مما يسمح لهن بجلب حياتهن الخاصة إلى الملعب، مما يجعل الأجواء أقرب إلى العائلية عن العصبية الموجودة لدى الرجال.

وبما أننا وصلنا للنهاية، دعنا نذكرك مرة أخرى، أن ما سبق كان مجرد رصد، لا يشترط أن تقنعك تفاصيله بتفوق العنصر النسائي، فحتى الأغنية التي استعنا بها والتي كانت تتر أحد المسلسلات الرمضانية، لم يستطع المسلسل نفسه إثبات تفاصيلها، لكن على الأقل، أنت أو أنتِ أصبحت ترى المقارنة بين النساء والرجال في كرة القدم من زاوية أخرى غير تلك التي تطالب بتصغير عرض المرمى.