محتوى مترجم
المصدر
المونيتور
التاريخ
2016/02/12
الكاتب
متين جورسان

أصبحت سوريا السلعة الأفضل تسويقًا في تركيا، حيث يتم تعبئة كافة قضايا السياسة الخارجية للاستهلاك المحلي. لكن، مع ذلك، يبدو أن أنقرة قد فقدت كل تصور للواقع فيما يتعلق بأي شيء ينبغي عليها القيام به فيما يخص سوريا، حيث وقعت ضحيةً لمتلازمة أليس في بلاد العجائب. كما أن الحكومة قد شرعت في رحلة سريالية في محاولة إقناع الرأي العام بأن تركيا تفوز، ولا تخسر، في سوريا.في الأسبوع الأول من فبراير، تقدّم ائتلاف يضم الجيش السوري، وقوات شبه عسكرية إيرانية، وحزب الله، والقوات الخاصة الروسية، بدعم من سلاح الجو الروسي من شرق حلب إلى شمالها. وأصيبت أنقرة بالقلق من جرّاء فرض جيش بشار الأسد حصارًا على مدينة حلب، التي كانت في معظمها في أيدي المتمردين منذ عام 2012، وقطع طرق الإمداد التي تربط بين قوى المعارضة لتركيا. كما أن مخاطرة تحرك القوات الكردية إلى الغرب من نهر الفرات ووصولها إلى عفرين قد زاد من توتر أنقرة.في العام الماضي، لم يتم شيء في سوريا كما رغبت تركيا. بعد إسقاطها للطائرة الحربية الروسية في 24 نوفمبر، فقدت أنقرة وضعية كونها صانع ألعاب مستقل وفعال على الأرض وفي الجو في سوريا. غير أن حصار حلب وضع في حركة تدفق لاجئين أخرى، ووفّر لأنقرة فرصة لتعزيز يدها في سوريا عن طريق التدخل على الأرض.”هذا هو أفضل وقت لدخول سوريا” أصبحت تعويذة وسائل الإعلام الموالية للحكومة في تركيا. مقالاتهم تبرر الدعوة إلى التدخل العسكري بالإصرار على أن تركيا لا يمكن أن تسمح لدولة كردية مستقلة على حدودها، مسيطَر عليها من قبل الولايات المتحدة وروسيا. ويجادل هؤلاء أيضًا أن تركيا يجب أن تقضي على التهديد الذي يشكله حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، وأن ذلك لا يمكن أن يبقى خارج اللعبة في سوريا وأنه يجب أن يتم إنشاء جيب للاجئين داخل سوريا (دون السماح للاجئين بالعبور إلى تركيا).يستشهد بعض المعلقين المؤيدين للتدخل بهذه التبريرات لتشجيع أنقرة على التدخل بسرعة عسكريًا في جيب جربلاس، شمال خط عزاز-منبج. قالت مصادر عسكرية مطلعة في أنقرة، طلبت عدم الكشف عن هويتها، للمونيتور إن العديد من الأشخاص الرئيسين في أنقرة ينظرون إلى التطورات في حلب على أنها الفرصة الأخيرة لتركيا للعودة باعتبارها عاملًا فعالًا في سوريا. إنهم يخشون من أنه إذا فشلت أنقرة في استخدام الأحداث في حلب في تعزيز المصالح الوطنية، فإن تركيا ستغيب بشكل دائم عن اللعبة السورية.في مايو 2015، كنت قد كتبتُ في المونيتور أن صناع القرار السياسي في أنقرة حريصون على التدخل العسكري، ولكن النهج الواقعي والهادئ للجيش التركي كان بمثابة الفرامل في مسار العمل هذا. مخاطر التدخل العسكري التقليدي، نظرًا لديناميات الصراع المعقدة في سوريا، وضرورة وجود شرعية دولية لمثل هذا التدخل هي الأمور التي دفعت رؤية الجيش. هل التطورات الحاصلة في سوريا تزيد من فرص حدوث تدخل عسكري تركي؟.على أنقرة معالجة خمس قضايا رئيسة قبل القيام بتدخل عسكري. أولًا، ببساطة، القضية الفنية للدعم الجوي للعملية. فدون الدعم الجوي، من المستحيل إطلاق العملية البرية التي قد تستمر شهرًا. والدعم الجوي ضروري لحماية القوات البرية بما لديها من قوة نيران واستطلاع ومراقبة، وكذلك حركات الإخلاء والتعبئة عبر طائرات الهليكوبتر، وتجعل العبوات الناسفة وخطر الانتحاريين طرقًا غير صالحة لاستعمال حركات متكررة.ثم تأتي قضية ما إذا كانت روسيا، التي أعلنت بحكم الأمر الواقع حظر الطيران فوق شمال سوريا، ستسمح للطائرات والمروحيات التركية دخول المجال الجوي السوري. كان انتهاك المجال الجوي التركي شمال خط عزاز-منابج، في 29 يناير من قبل الطائرة الروسية سو 34 إشارةً مهمةً على تصميم روسيا في هذه المنطقة. إذا لم تسمح روسيا للطائرات التركية بدخول المجال الجوي السوري، هل يمكن أن يطلب من الولايات المتحدة تقديم الدعم الجوي للعملية البرية التركية؟، هذا يتطلب من أنقرة إقناع واشنطن أولًا ثم إقناع الإدارة الأمريكية للروس.بعض التعليقات قليلة العلم والبائسة فعلًا تشير إلى أن تركيا يمكن أن توفر الدعم الناري اللازم مع مدفعية بمدى 25 ميلًا وقاذفات صواريخ متعددة، مما يلغي الحاجة لسلاح الجو. هذا الخيار لا يبدو واقعيًا عندما ينظر المرء إلى إمكانية ونطاق العملية.البعد الثاني يتعلق بخيارات السياسة الخارجية التركية. على الرغم من أن أنقرة قد تحصل على دعم من المملكة العربية السعودية وقطر والبحرين لعملية برية، فإن تواجُه الولايات المتحدة وروسيا في سوريا من شأنه أن يجعل الحياة صعبة. فمن غير المرجّح أن تشنّ تركيا عملية من دون دعم واحد على الأقل من هذين الطرفين.أما القضية الثالثة، الدواء المر حقًا الذي قد تكون أنقرة قريبةً لابتلاعه. لتجنب مواجهة عدوين في عملية برية يتطلب الدعم الميداني إما حزب الاتحاد الديمقراطي أو نظام الأسد. والحقيقة هي أن أنقرة لا يمكن أن تعلن أن الدولة الإسلامية وجيش الأسد وحزب الاتحاد الديمقراطي أعداء في نفس الوقت.القضية الرابعة هي استمرار الاشتباكات مع حزب العمال الكردستاني في جنوب شرق تركيا، نقطة الضعف في البلاد. يبدو أن العلاقات بين أنقرة وحزب الاتحاد الديمقراطي ترسم بشكل متزايد خريطة هذا الصراع. مئات الآلاف من الأكراد في تركيا على الأرجح يراقبون تصرفات أنقرة تجاه حزب الاتحاد الديمقراطي. قد يكون جيدًا رؤية شمال سوريا على أنها الجبهة الرئيسة للاشتباكات بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني والمعارك في جنوب شرق البلاد على أنها الجبهة الثانوية. في مثل هذه الحالة، يمكن لعملية تركية في سوريا أن توسع الاشتباكات في تركيا، بما في ذلك الغرب.القضية الخامسة تشير إلى طبيعة أي عملية عسكرية. أثبتت تجارب الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق أنه بغض النظر عن سبب هذا التدخل أو شرعيته، فإن السؤال الذي ينبغي أن تتوافر له إجابة أولًا هو: كيف يمكننا الخروج؟، المخاطرة العالية بإرسال الجنود إلى أرض عمليات مثل سوريا، حيث تتغير الظروف كل لحظة. إن إهمال إستراتيجية الخروج عادة ما يأتي مع التكاليف الاقتصادية والسياسية الثقيلة. والدخول ليس مشكلة كبيرة للجيش التركي، شريطة أن يضع صناع القرار السياسي في أنقرة بعض التفكير في كيفية البقاء هناك بعد الدخول، وكيفية الخروج أيضًا.