محتوى مترجم
المصدر
A Guide to the French Revolution
التاريخ
2016/07/14
الكاتب
Jonah Walters

14 يوليو/تموز، يحتفل الناس من كافة أرجاء العالم باقتحام سجن الباستيل في عام 1789—تمرد شعبي دراماتيكي أشعل الثورة الفرنسية. لكن، ما هي الثورة الفرنسية، وكيف أعادت تشكيل أوروبا والعالم، وما علاقتها بالحركة العمالية اليوم؟


ما هي الثورة الفرنسية؟

كانت الثورة الفرنسية إحدى أكثر الانتفاضات الاجتماعية دراماتيكية في التاريخ. استعرض عالم الاجتماع الفرنسي ألكسيس دي توكفيل عام 1856 تلك العرائض المسماة «دفاتر التظلمات»، وهي قوائم مطالب كتبتها الطبقات الاجتماعية المختلفة في فرنسا من أجل اجتماع الجمعية العمومية، الاجتماع الذي سيقوض حكم لويس الرابع عشر ويؤدي في النهاية إلى الثورة، وقد روّعه ما وجده.

حينما وصلت إلى تجميع كل الرغبات الفردية، أدركت مرتعبا أن مطالبهم كانت من أجل الإبطال الكامل والممنهج لكل القوانين والممارسات الحالية في الدولة. رأيت في الحال أن المسألة هنا كانت واحدة من أشمل وأخطر الثورات التي شُهدت في العالم.

بدأت العملية الثورية بتمرد علني في صيف عام 1789—بما في ذلك اقتحام الباستيل في الرابع عشر من يوليو/تموز. سيكون بمقدور هذا التمرد قبل انقضاء الكثير من الوقت أن يطيح بملكية لويس الرابع عشر المطلقة، ويجرّد النبلاء من قوتهم الموروثة، ويقوّض تماما التأثير السياسي للكنيسة الكاثوليكية.

أطلق هذا التبدل الدراماتيكي في المجتمع الفرنسي العنان لعملية فوضوية من التقدم الثوري والارتداد الرجعي. كانت قوات الملْكية ترفض الوقوف بأيدٍ مكتوفة بينما يتم تهديد امتيازاتها الضخمة؛ حاولوا إبطال كل التغييرات الجذرية التي جلبتها الثورة واستعادة التراتبيات الاجتماعية القديمة، حتى أثناء عمل الثوار على نسج مجتمع مختلف تماما قائم على مُثُلٍ تدعو لمساواة أكبر.

في النهاية، برز من هذه البوتقة المتقلقلة نابليون، الذي سيشيد الدولة البونابارتية عن طريق الحرب والسيطرة الإمبراطورية، مؤديا في النهاية إلى إخضاع فرنسا للقوى القديمة في أوروبا واستعادة الملكية المطلقة.


كيف كانت فرنسا قبل الثورة؟

عاشت غالبية شعب فرنسا في فقر مدقع، مع فرص ضئيلة جدا للهروب من ظروف حياتهم. كان الفلاحون تحت رحمة النبلاء تماما، الذين احتفظوا بجزء كبير من علاقة القوة الأساسية في الإقطاع. كما وصف جان جوريس في عام 1901، كان الاستعباد الاقتصادي في الريف شاملا:

لم يكن هناك فعل واحد في الحياة الريفية لا يلزم الفلاح بدفع إتاوة…هكذا بسطت الحقوق الإقطاعية مخالبها على كل قوى الطبيعة، أيّ شيء ينمو، يتحرك، يتنفس […] حتى على النار الموقدة في الفرن لإنضاج خبز الفلاح الفقير.

أدى هذا إلى فقر شامل تقريبا في الريف. علّق الخبير الزراعي الإنجليزي آرثر يونج في ذاك الوقت قائلا:

يبدو الفقير فقيرا حقا؛ الأطفال رثّو الثياب بشكل مرعب، يرتدون أيّ شيء ممكن فهو أفضل من العري الكامل؛ أما بالنسبة للأحذية والجوارب فهي رفاهيات… يبدو ثلث ما رأيته من هذه المقاطعة أرضا بورا، وتنضح كلها تقريبا بالبؤس. ما إجابة الملوك والوزراء والبرلمانات والدول على إجحافهم، وهم يرون ملايين الأيدي التي كان من الممكن أن تكون عاملة، خاملةً وجائعةً، بسبب القواعد المقيتة للحكم المطلق، أو الإجحاف المقيت بالقدر نفسه للإقطاعية النبيلة؟

عانى سكان الحضر من حرفيين وعمال مهرة عسرا مشابها. فقد هددت إعادة التنظيم الاقتصادي في المملكة نظام التدريب المهني، معرضة للخطر مقدرة الحرفيين على التحكم في أعمالهم الخاصة. كان عمال اليومية-المسموح لهم بالبقاء في المدينة فقط حينما يتمكنون من تقديم أوراق تثبت توظيفهم-تتم مطاردتهم من قبل البوليس الملكي.

في الوقت نفسه، قامت موجة هجرة بجلب تغييرات ديموغرافية دراماتيكية إلى باريس. يقدّر المؤرخ إريك هازان أنه في عام 1789 بلغ عدد المهاجرين حوالي ثلثي سكان المدينة، وكل على كل منهم «طلب جواز مرور في منطقة المنشأ الخاصة به لتجنب الاعتقال في الطرقات كمتشرد وإرساله إلى مستعمرات المتسولين».

كان الإكليروس والنبلاء، الذين يمثلون معا نسبة 1.6% من السكان، في خير حال—عاش أغلب النبلاء في رخاء عظيم وكانوا يرثون مناصبهم عن ذويهم. والكنيسة الكاثوليكية المسيطر عليها من قبل قلة تملك ما يساوي 8% من إجمالي الثروات الخاصة.

لكن في السنوات السابقة للثورة مباشرة، بدأت في النمو بداخل المدن طبقةٌ جديدة من الرأسماليين، هم بشكل عام حرفيون أو فلاحون من مالكي الأراضي صاعدون في السلم الاجتماعي، مهددين بالحلول مكان النبلاء الذين هم أكثر الطبقات الاجتماعية تحللا وفسادا.

في تلك الأثناء، كانت المملكة في خضم أزمة اقتصادية كارثية. كان الملك مفلسا، ونظام المحاسبة الذي نما بشكل فوضوي أثناء حرب السنوات السبع ترك موظفيه غير قادرين على معرفة مآل ثروة المملكة حتى قاربت على التلاشي. كان الرأسماليون الأجانب يطالبون بديونهم، وحصاد عام 1788 ضاع أغلبه بسبب الجفاف وسلسلة من العواصف الثلجية، واتفاقية التجارة الحرة بين فرنسا وبريطانيا العظمى في نهاية حرب السنوات السبع أغرقت السوق الفرنسية بالمنسوجات البريطانية، مدمّرة إنتاج الملابس الفرنسي.

كانت الأمور سيئة. وبسبب ذعره من الأزمة المالية، ابتزّ لويس الرابع عشر الشعب أكثر، مطالبا بضرائب متزايدة من كل طبقات المجتمع.

لكن كانت هناك قرقرات للمقاومة، في المدن كما في الريف. أعربت النخب من أمثال لويس سيباستيان ميرسيير عن استيائها من تمرد العمال في المناطق الحضرية:

لقد كان هناك تمرد واضح بين الناس لعدة سنوات الآن، خصوصا بين التجار. يريد المتدربون والصبيان إعلان استقلالهم؛ فلا احترام لديهم لمعلميهم، حيث يكونون نقابات [جمعيات]؛ هذا الازدراء للقواعد القديمة مخالف للنظام… يحوّل العمال المطبعة إلى وكر تدخين حقيقي.

والفلاحون، المتوقع منهم أن يضحوا بأقل ما يملكونه من طعام كضريبة للملك والكنيسة، أمسكوا بزمام الأمور حينما حامت المجاعة فوق رؤوسهم. كما قال عمدةٌ لمقاطعة ريفية، «من المستحيل أن تجد خلال مساحة نصف فرسخ رجلا مستعدا لقيادة عربة محملة بالقمح. الجماهير غاضبة جدا لدرجة أنهم قد يقتلون من أجل مكيال من الحبوب». كان الفلاحون الجائعون يرفضون إيصال الحبوب إلى أسيادهم الإقطاعيين لتلبية مطالب دين حرب ضخم؛ فضّلوا أن يأكلوه عوضا عن ذلك.

أيّ حل هنالك سوى الثورة؟


ماذا حدث في الرابع عشر من يوليو/تموز لعام 1789؟

يمثل اقتحام الباستيل في الرابع عشر من يوليو/تموز لعام 1789 اللحظة الافتتاحية للثورة الشعبية. متشجعين بوتيرة الإصلاحات المتسارعة—وساخطين بسبب رفض الجمعية الوطنية اتخاذ موقف أكثر تشددا مع الملك العنيد—هاجمت حشود من الفلاحين والعمال سجن الباستيل، واستولوا على باروده، وأطلقوا سراح الحفنة من المساجين المحتجزين هناك.

بإعلانهم خضوع القلعة للثورة، أرسلوا رسالة بليغة لقوى الثروة القديمة التي لازالت تحكم المملكة—لن تكون الانتفاضة في فرنسا إعادة تنظيم تشريعي بسيط، لكن ثورة اجتماعية. من هذه النقطة فصاعدا، ستأخذ الثورة الفرنسية قيادها، بعدة طرق، من عصيان شعبي متقلب اصطخب في كل مرة تهددت مكاسبه.

يصفه هازان بهذا الشكل:

اقتحام الباستيل هو أشهر حدث في الثورة الفرنسية، وصار علاوة على ذلك رمزها في كل أنحاء العالم. لكن هذا المجد يشوّه أهميته التاريخية نوعا ما. فهو لم يكن لحظة إعجاز ولا ختام ولا نقطة ذروة للثورة «الجيدة» قبل بداية «السيئة»، أحداث عام 1793 والإرهاب؛ كان اقتحام الباستيل نقطة لامعة واحدة على مسار العصيان الباريسي، الذي واصل منحناه الصاعد…

منذرا بالاستيلاء الدراماتيكي على قصر التويلري بواسطة آلاف من اللامتسرولين عام 1792—الذي سيؤسس الكومونة التمردية وفي النهاية يخلع الملك—لا يمثل اقتحام الباستيل الذروة أو المحفز للثورة الفرنسية. كان بالأحرى لحظة ألقت فيها حشود من الباريسيين المضطهدين أنفسهم في أتون عملية الإصلاح التي كانت دائرة بالفعل في فرنسا، متحدين حكم الملك المطلق وأيضا سلطة المجالس التشريعية المبالغة في الحذر. بهذه الطريقة، ساعدوا على تحويل ما كان ليستمر كفترة من الإصلاح الحذر إلى فترة من الثورة الأصيلة.


من هم اللامتسرولون؟

كان اللامتسرولون هم «حركة الكادحين الفقراء» التمردية التي، بكلمات المؤرخ إريك هوبزباوم، «وفرت القوة الضاربة الأساسية للثورة». أخذوا اسمهم لعدم ارتدائهم السراويل المميزة التي كان يرتديها النخبة، سكن اللامتسرولون في البقاع السياسية للشارع والميدان بينما مارس الثوار البرجوازيون عملهم في قاعات الاجتماعات ومن خلال الهيئات التشريعية. بالأساس، كان اللامتسرولون معنيين بإنشاء نظام ديمقراطي محلي مباشر يضمن سعرا ثابتا للمؤن الأساسية—اشتهى الفقراء الأمن الغذائي ذاته الذي رتع فيه النبلاء، واغتاظوا من الفرق الشاسع بين الخبز الذي تتناوله النخبة الغنية والخبز المتاح للعامل العاديّ.

كان اللامتسرولون هم «حركة الكادحين الفقراء» التمردية التي، بكلمات المؤرخ إريك هوبزباوم، «وفرت القوة الضاربة الأساسية للثورة».

قذفت انتفاضة شعبية بلويس الرابع عشر من مخبئه النهائي في قصر التويلري في العاشر من أغسطس لعام 1792—نصر رائع لجيوش اللامتسرولين التي انقضت في حشود على الملك، موجهة له تهما (حقيقة تماما) بالتواطؤ الخائن مع ملكيات أجنبية لدحر الثورة في موطنها. بعد هذا النصر، أنشأ اللامتسرولون الكومونة التمردية وتقدموا بإصلاح ساحق: «المساواة والخبز». كتبوا، «يجب أن تختفي الثروة والغنى في عالم قائم على المساواة. في المستقبل لن يكون خبز الأغنياء مصنوعا من دقيق القمح بينما يصنع للفقراء من النخالة».

حرّك اللامتسرولين مطمحان توأمان: الحرية من الاستبداد، والوصول إلى الخبز.

توفر مطالبة اللامتسرولين بأسعار ثابتة للطعام مدخلا لمعرفة حال الاقتصاد الفرنسي في هذه الفترة—فمع تجريد أعداد أكبر وأكبر من الحرفيين من اكتفائهم الذاتي واضطرارهم لقبول العمل كأجراء، اكتشفوا أنهم غير قادرين على نفقة شراء البضائع الاستهلاكية البسيطة حتى. بالنسبة للمتسرولين، كانت المطالبة بأسعار أقل للغذاء—لا أجور أعلى—هي الاستجابة البديهية للتحول إلى العمل بأجر.

مسلّحين بالحراب فقط في الغالب—فهي مفيدة من أجل استعراض الرؤوس المقطوعة لكانزي الغذاء ولمناصري الملكية عبر الشوارع—فعل اللامتسرولون ما هو أكثر من مجرد تشكيل تهديد خطير على التراتبيات القديمة للملكية. لقد أجبروا أيضا هيئات ثورية رسمية كالجمعية التشريعية على تبني مواقف أكثر راديكالية لتلبية توقعات الفقراء المستائين المتمردين.

رغم أن المؤرخ ألبرت سوبول حاول أن يثبت أن اللامتسرولين كانوا نوعا شاذا من البروليتاريا—كما فعل العالم الاجتماعي جان جوريس—إلا أن هذا القول لا معنى له في سياق المجتمع الفرنسي في القرن الثامن عشر. عوضا عن ذلك، كان اللامتسرولون تحالفا اجتماعيا مكونا من هؤلاء الذين لُدغوا أكثر من غيرهم بسبب الاقتصاد الفرنسي المتبدل، فقد كان منهم عمّال اليومية الذين كانوا في بحث من مستمر عن عمل قليل الأجر، والحرفيون (كصناع الملابس) الذين تهدد معاشهم بالتحول إلى طرق أكثر صناعية للإنتاج، والمتدربون الذين لم يعد يسمح لهم بتكوين «نقابات» (جمعيات تجارية).

مُنكِرين دوما تحقق الديمقراطية والوفرة التي وعدت بهما الثورة، كثيرا ما أخذ اللامتسرولون الأمور على عاتقهم، دافعين بالحراك الثوري للأمام في كل مرة أثبت البرجوازيون ترددهم في إظهار المزيد من التحدي للوضع الراهن. مهما كان وضعهم الطبقي، كان إسهامهم في الثورة عظيما. كما يكتب هازان:

اللامتسرول هو من يفعل ما يجب أن يفعله اللامتسرول: مواجهات مستمرة مع ذوي الامتيازات، كثيرا ما تكون عنيفة وفي الشارع، والمطالبة بعالم فيه الطعام متاح بسهولة والديموقراطية بسيطة ومباشرة—هذا التوجه، أكثر من أي شيء آخر، هو ما يصنع اللامتسرول.


من هم اليعاقبة؟

صحيح أن المصطلح [اللامتسرولين] مطاط جدا، أحيانا يستحضر بالكناية عالمَ باريس الشعبية، وأحيانا جماهيرَ أيام الثورة المجيدة، وأحيانا من جديد العسكريين الذي سيطروا على الحياة في الأحياء. لكن في الغالب، لم تكن المواجهات العنيفة مع الجمعيات والسلطات المعترف بها من عمل نموذج مقولب: إنها تُظهر الوجود الحقيقي جدا لهذا الكائن من لحم ودم، الباريسي اللامتسرول.

بعد التمرد الشامل للامتسرولين الذي قضى على الملكية بشكل فعّال وأعطى السلطة للبرجوازية المسلحة، خشيت الملكيات الأوروبية من أن المثال الفرنسي قد يزعزع سلطاتهم في بلادهم. فناصرت النمسا النظام المخلوع وكذلك فعلت بروسيا. استجابت فرنسا الثورية بإعلانات الحرب عام 1792.

في تلك الأثناء، استمر اللامتسرولون—بعد أن تعلموا مؤخرا قوة التعبئة المسلحة—في طرح مطالبهم على الحكومة الثورية، مهددين لا فقط الرموز القديمة للنظام القديم لكن أيضا البرجوازية الصاعدة.

استجابة لهذه الكارثة، تشكلت لجنة السلامة العامة كحصن ضد عدوان الأغنياء، الفرنسيين والأجانب. كانت اللجنة تعقد تحت قيادة القسم الأشد حماسا ونضالا في البرجوازية الثورية—اليعاقبة.

رغم أن قيادتهم كانت مستمدة من صفوف البرجوازيين المثقفين، وليست من اللامتسرولين، كان اليعاقبة ملتزمين بفصل الحق في المشاركة السياسية عن الملكية.

شكل نادي اليعاقبة—الذي اتخذ الاسم الرسمي «جمعية أصدقاء الدستور»—الاستجابة الأكثر راديكالية على المأزق الثوري في فترة روبسبير؛ وهي هزيمة قوى الرجعية، فقد وجدوا أنفسهم مضطرين لاتخاذ إجراءات راديكالية، تشمل: الرقابة على الأسعار، ومصادرة المواد الغذائية، وفترة العنف التكتيكي التي ستعرف باسم «عهد الإرهاب». ومع أنه في البداية اشتمل النادي اليعاقبي على ممثلين أكثر اعتدالا، إلا أن الجناح الراديكالي الملتف حول روبسبير—المعروف باسم المونتاجارد—أصبح في النهاية هو الاتجاه السائد بين صفوف اليعاقبة.

سياسيا، كان هؤلاء اليعاقبة مختلفين بشكل جذري عن القوى التي أمسكت بزمام السلطة في المراحل الأبكر من الثورة—ومن أمثلتهم: الملكيين الدستورين كـــ لافاييت (الذي احتقر اليعاقبة، داعيا إياهم «فرقة تنتهك السيادة وتطغى على المواطنين»)، والليبراليين كـ العمدة الباريسي المستغرق في أحلام اليقظة جان سيلفان بايلي، وجمهوريين أكثر محافظة كالمُشرب بالروح العسكرية جاك بيير بريسوت.

رغم أن قيادتهم كانت مستمدة من صفوف البرجوازيين المثقفين—وليست من اللامتسرولين—كان اليعاقبة ملتزمين بفصل الحق في المشاركة السياسية عن المِلكية، كتب روبسبير في عام 1791، «لكل مواطن الحق في المشاركة في التشريع، وبالتالي أن يكون ناخبا أو جديرا بالانتخاب، بغير تمييز على أساس الثروة».

في الحقيقة، كان لليعاقبة—جنبا إلى جنب مع المنظمات الأخوية التي ظهرت لنشر التعاليم الثورية—دور فعّال في إنتاج الطبقات الأساسية للعمّال الراديكاليين الذين سيعرفون تاليا باسم اللامتسرولين. في ظل غياب الأحزاب السياسية كما نفهمها اليوم، تلقى اللامتسرولون تعليمهم السياسي من الجمعيات الثورية كاليعاقبة، الذين أنشأوا جرائد ودعوا للاجتماعات التي كانت تُقرأ فيها الدعاية الثورية جهرا. حتى لقد قام نادي اليعاقبة، بحكم حجمه واستعداده القتالي، بالتأثير على المناقشات في الجمعية الوطنية أثناء المراحل الأولى من الثورة. كما يتذكر القس غريغوار:

يقوم اليعاقبة بتبنيها [مسألة استهجنتها الأغلبية المحافظة في الجمعية] في دعواتهم الدورية أو جرائدهم؛ تتم مناقشتها في أربعمائة أو خمسمائة جمعية تابعة لهم، وبعد ثلاثة أسابيع تتدفق الخطابات على الجمعية الوطنية مطالبة بمرسوم بشأن أمر تم رفضه مبدئيا، لكن ساعتها تقبله الجمعية بأغلبية كبيرة، حيث نضج الرأي العام بفعل المناقشة.

يشرح إريك هازان، «كانت جمعية اليعاقبة وفروعها تعمل كجهاز لنشر الأفكار الثورية في أنحاء الدولة. لا شيء أسخف من فكرة ‹اليعقوبية› كديكتاتورية باريسية فاشستية متطفلة». وفوق كل شيء آخر، كان العياقبة مهتمين للغاية بترجمة الحماس الثوري لعام 1789 إلى مجتمع ثوري دائم ومستمر. رأوا أن دورهم هو تقوية وتعميق المثل الراديكالية للثورة مع حمايتها من الهجمات. كما كتب روبسبير عام 1794:

حينما، بجهود هائلة من الشجاعة وحسن الإدراك، يكسر شعب قيود الاستبداد ليحولها إلى أكاليل انتصار للحرية؛ التي، حينما تنجو بقوة حساسيتها الأخلاقية من بين أذرع الموت لتستعيد كل حيوية الشباب؛ حينما تكون في الأفئدة مرهفة وفخورة، مقدامة وطيّعة، ولا يمكن إيقافها بالأسوار المنيعة ولا بجيوش المستبدين الضخمة المسلّحة ضدها، لكنها توقف نفسها حين تواجه صورة القانون؛ حينها، إذا لم تصعد سريعا إلى ذروة مُقدّراتها، فهذا يمكن فقط أن يكون خطأ هؤلاء الذين يحكمونها.
يتبع بالجزء الثاني: عهد الإرهاب وضياع الثورة