كيف نفهم نشأة الدولة الصهيونية واستمراراها على الرغم من انعدام الشروط الأخلاقية لذلك؟ وعلى الرغم كذلك من تناقضها مع القيم الغربية التي صارت قيمًا لشعوب الأرض في ظل العولمة؟ وهل الصهيونية مجرد انحراف عن الحضارة الغربية أم أحد أهم إفرازاتها؟ وهل هي فكرة يهودية خالصة كما شاع في أذهاننا منذ الصغر؟ وما حقيقة ارتباط الفكرة الصهيونية باليهودية؟ وما الروابط التي تجمع الصهيونية بالنيتشوية؟

قضى المفكر الكبير الراحل عبد الوهاب المسيري شطرًا كبيرًا من عمره يبحث ويحقق في المسألة اليهودية والصهيونية، وفي كتابه «الصهيونية والحضارة الغربية» – الذى تعيد نشره دار دوَن – أجاب على الأسئلة السابقة، وتقصى حقيقة الفكرة الصهيونية، عبر رصد تاريخي اجتماعي سياسي لنشأتها ومراحل تطورها وسياقاتها.


الصهيونية كإفراز غربي

بحث المسيري، خلال مرجعه التاريخي المهم، في الجذور الغربية للحركة الصهيونية، خلافًا لفريقين يرى أحدهما أن جذورها يهودية بالأساس، والآخر يعتقد أن الصهيونية شأنها شأن النازية والداروينية، في كونها أفكارًا شذت عن الحضارة الغربية «الإنسانية».

ويرى المسيري أن اليهود حازوا تميزًا وظيفيًا من خلال الدور الذي لعبوه في أوروبا كجماعة وظيفية مالية تابعة للطبقة الحاكمة، يتمتعون بحقوق تفوق حقوق عامة الشعب وتقترب من حقوق النبلاء، ولكن تأثر هذا الدور سلبًا بالتحول الرأسمالي، وبدأ اليهود يفقدون مكانتهم مع ظهور بدائل لهم، فأصبحوا عبئًا على المجتمع الأوروبي، وأضحوا جماعة وظيفية بلا وظيفة، وهكذا ظهرت «المسألة اليهودية» في العالم الغربي بأسره.

من هُنا، اعتبر المسيري أن مشروع توطين اليهود في فلسطين لم يكن في حقيقته سوى مشروع لطردهم من الغرب، وهكذا لعبت ذهنية الاستعمار الغربية دورًا مهمًا في حل المسألة اليهودية، فالصهيونية هي الحل الاستعماري للمسألة اليهودية، بحسب المسيري.

وكما أن أوروبا كانت تقوم بتصدير فائضها السكاني إلى آسيا وإفريقيا، فلا بأس من تصدير المسألة اليهودية برفقة ما يُصدر من سلع وبضائع، وهو ما انتقل إلى العقل الصهيوني الذي سعى لنقل العرب من فلسطين إلى خارجها، وفي السياق نفسه صارت الحركة الصهيونية عميلة للغرب، فالغرب يحميها مقابل أن تؤمن هي مصالحه في المنطقة العربية، لذلك تجد العنصرية سمة تشترك فيها الحضارة الغربية والصهيونية، فكلاهما يرى ما سواه من حضارات وشعوب وأعراق أدنى منه.

والمفارقة أن بلفور صاحب الوعد الشهير هو نفسه من أيّد قانونًا لتقييد عدد اليهود المهاجرين المسموح لهم بدخول إنجلترا، وكان ينظر لليهود باعتبارهم جماعة معادية أدى وجودها داخل الحضارة الغربية إلى بؤس وشقاء.

كما تناول المسيري ظاهرة «الجيتو» التي بدأت في الأصل كفكرة يتميز من خلالها اليهود عن غيرهم طبقيًا كسمة من سمات المجتمع الإقطاعي، ورفضوا الاندماج داخل التيار الرئيسي في المجتمع، ومع انهيار دورهم كجماعة وظيفية أصبح «الجيتو» مكانًا لعزل ومحاصرة اليهود، وكيف أثر ذلك في وجدانهم كثيرًا لدرجة أن أصبح العداء للأغيار أصلًا لا ينبغي التخلي عنه، لتتسم الصهيونية بعد ذلك بسمات «الجيتو»، فكلاهما ينظر بمعيار «أنا والأغيار»، وأصبحت إسرائيل، دولة الكيان الصهيوني، «جيتو» داخل المنطقة العربية، تنتمي إليه جغرافيًا لا حضاريًا.


الصهيونية والرومانسية والنيتشوية

رصد المسيري العلاقة بين كل من الصهيونية والرومانسية والنيتشوية، فيرى أن الرومانسية التي تحمل معاني وضدها أحيانًا من أهم مصادر الرؤية الصهيونية، فهي تارة رؤية ثورية لتغيير الواقع وتارة أخرى رؤية رجعية تحاول الحفاظ على المجتمع، وتعد الداروينية أهم تجلياتها، حيث إن العالم في حالة تغير مستمر وترقٍ إلى الأفضل، وأن آلية التغير هي الصراع الذي يحسمه الأقوى، ليس الأقوى أخلاقيًا وإنما الأقوى ماديًا، ومن ثم أتى اليهود إلى فلسطين للبحث عن حقوقهم حاملين عبء الرجل الأبيض، ولا بأس من ذبح الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم فهي أمور مشروعة بالمنظور الدارويني العلماني، حسبما يروي المسيري.

ثم انتقل كاتبنا بعد ذلك ليوضح العلاقة بين الصهيونية والنيتشوية – نسبة إلى نيتشه – وعدّد أوجه التشابه بينهما، من حيث إعلان موت الإله ورد الكون بأسره إلى مبدأ إرادة القوة، وسبغ قداسة على قانون التطور، وأن النمو والتطور على حساب الآخر هو أصل الحياة.


الفكرة اللقيطة

أشار المسيري في كتابه إلى أن الفكرة الصهيونية نشأت ونمت تاريخيًا في بيئة غير يهودية، وأن معالمها الرئيسية تحددت في منتصف القرن التاسع عشر على يد صهاينة من غير اليهود، وأن من تبناها بعد ذلك هي قيادات تاريخية كارهة لليهود، ذلك لأن الحاخامات كانت تعتبر فكرة العودة إلى فلسطين من قبيل الخيانة لكونها «تعجيلًا بالنهاية».

ورصد المسيري أول من نادى بذلك في بدايات القرن السابع عشر، حيث كانوا من المسيحيين البروتستانت الذين يُطلق عليهم اسم «الاسترجاعيين»، والعقيدة الاسترجاعية قائمة على المسيح المخلص الذي سيعود في آخر الأيام ليحكم العالم، ويسود العدل والسلام، وبحسب هذه العقيدة فإن عودة المسيح مشروطة باسترجاع اليهود إلى فلسطين.

كما تناول مؤلف «الصهيونية والحضارة الغربية» المراحل التاريخية لتطور فكرة الصهيونية التي تحولت إلى ما يشبه البرنامج التبشيري الديني/السياسي، وازدهرت في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حيث عصور الاكتشافات والرأسمالية وبدايات الاستعمار، ثم وصلت إلى قمتها في القرن التاسع عشر، حيث عصر الإمبريالية وتقسيم العالم بين قوى الاستعمار والبحث عن الأسواق ومصادر المواد الخام، في إطار الصراع الدائر في العالم العربي بين الدولة العثمانية وإنجلترا وفرنسا.


بين اليهودية والصهيونية

تعرض المسيري للعلاقة بين اليهودية والصهيونية، وكيف أن الصهيونية التي هي في الأصل حركة لا دينية كانت لابد لها من تجنيد الجماهير عن طريق خطاب تفهمه، ومن ثم قامت الصهيونية بالاستيلاء على اليهودية تمامًا، ثم قامت بعلمنتها من الداخل إلى درجة أن الحركات الأرثوذكسية التي أُنشئت أساسًا لمحاربة الصهيونية انتهى بها الحال لتبني الصهيونية كمرجعية أساسية، وسبب نجاح الفكرة الصهيونية في الاستيلاء على اليهودية هو كون الأخيرة تحمل أفكارًا متعارضة بشكل جوهري.

وكما برر الاستعمار الغربي استيلاءه على أراضي المشرق وثرواته بعبء الرجل الأبيض، وبكونه أفضل من غيره من بني آدم، مضى الصهاينة على هذا المنوال، فالأشكناز على سبيل المثال قد تعرضوا لاختبارات وصراعات طويلة من أجل البقاء، ولا ينجو من هذه الصراعات إلا الأكثر ذكاءً والأكثر قوة، وبذلك اتحدت تبريرات الاستعمار الغربي وتبريرات الكيان الصهيوني لنهب الأراضي وقتل الأنفس.

إلى هذه النقطة نجح المسيري في تكوين نموذج تفسيري للأصول الغربية للفكرة الصهيونية، ومن ثم فقد اختبر نموذجه هذا على حالات ثلاث: الصهيونية الليبرالية، والصهيونية الاشتراكية، وشخصية بن غوريون، تعرض في أولها لتيودور هرتزل وكيف تطور خطابه، وكيف وضع الإطار الذي أُقيمت به الدولة الصهيونية ولا تزال تحيا به إلى الآن، متمثلًا في شعار «نحن اليهود نحتاج إلى من يحمينا من هذا العالم، ونحن نريد لهذا الحامي أن يستعيد قوته»، فقد أدرك هرتزل – الليبرالي – منذ البداية أنه لابد لدولته التي يريد إنشاءها أن تعتمد على قوة خارجية تدعمه عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، وأنه «جيب استعماري غربي».

انتقل المسيري بعد ذلك للحديث عن دعاة الاشتراكية الصهاينة الذين يدّعون أن الفكر الاشتراكي جزء من المصادر الأساسية لرؤيتهم للواقع، إلا أن الحقيقة بخلاف ذلك، فيقول المسيري إنهم فرّغوا الاشتراكية من مضامينها الأساسية وبدأوا من مقدمات صهيونية، ثم تم تلفيقها بأطر اشتراكية، وضرب المسيري أمثلة على هؤلاء كموسى هس وأهارون غوردون ودروف بوروخوف.

النموذج الثالث الذي تعرض له المسيري هو دافيد بن غوريون، الزعيم صاحب الرؤى، الذي لم يكتفِ بالتنظير للصهيونية، وإنما ساهم في تحويلها إلى حقيقة.


الجيبان الاستعماريان

قارن المسيري بين إسرائيل ونظام الفصل العنصري الذي حكم جنوب إفريقيا قبل تسعينيات القرن الماضي، وأطلق عليهما «الجيبان الاستعماريان»، فكلاهما نتج عن بحث المستعمر الغربي لحل مشكلاته، خاصة الفائض البشري، فالمسألة اليهودية تُحل عن طريق إيجاد وطن بديل بعد طردهم من أوروبا، والاستيلاء على أراضي العرب في فلسطين.

والأمر نفسه في جنوب إفريقيا، حيث تم تصدير قطاعات من الطبقة العاملة المتعطلة ليستوطنوا الأراضي المسروقة من الأفارقة أصحاب الأرض الأصليين، وأسست الأساطير لأحقية «الجيبين» في النشأة والاستمرار باعتبار الفلسطينيين أو الأفارقة مجرد جماعات صغيرة علاقتها بالأرض واهية.