من سيدفع ثمن غياب الحقيقة؟

تغيب الحقيقة إذا لم تُدون، وواجب الصحافة أن تسعى لتدوين الأحداث. في حادث اقتحام الحرم المكي سنة 1979، والذي هو حدث فريد في تاريخ المملكة العربية السعودية الحديث، جرى التكتم والتعتيم الإعلامي عليه ومنع شهود العيان من التواصل مع وسائل الإعلام كافة.

قابلت إضاءات أحد هؤلاء الذين حملوا الجنسية المصرية وشاركوا في الحادث، فكانوا شهودًا عليه. ونزولًا على رغبته امتنعنا طوال المقابلة عن ذكر اسمه. فقط يمكنكم التعرف على صورته التي شاركنا إياها ضمن مجموعة جهيمان، التي اعتُقلت بالكامل.

كيف انضممت إلى الجماعة السلفية المحتسبة؟

مبدئيًّا لم أنتمِ للجماعة السلفية المحتسبة، بل تأثرت بدعوتها وإعلان المهدي. هذا جُل ما جذبني تحديدًا من فِكر الجماعة. كانت الطريق للحج بتكلفة قليلة يبدأ بالذهاب إلى مكة بتأشيرة عمرة في شهر رمضان، والتسرب هناك والامتناع عن العودة مع انتهاء مدة التأشيرة. كنا نعمل كشباب في محلات بمكة لبيع الملابس أو العطور وما شابه خلال فترة الإقامة، ونؤدي مناسك الحج ثم نعود وندفع غرامة تأخير بسيطة جدًّا. كانت تلك الطريقة للحج منتشرة بين صفوف الشباب إلى حدٍّ كبير.

بعد رمضان بأيام وجدت أحدهم يفترش بساطًا بجوار الحرم، يبيع عليه أشرطة كاسيت لأغاني أم كلثوم وعبد الحليم، والناس مُقبلون عليه. دفعني هذا للاحتقان بشكل مباشر، وخلال هذه الفترة شاهدت بنفسي فتاة ليل فقمت بإنكار المنكر، وذهبت إليها هي وذلك الرجل الذي كان يساومها وأغلظت عليه فهربا.

كل تلك الأحداث كانت بالنسبة لي صادمة بشكل كبير، خصوصًا أنني كنت ملتزمًا إلى حد ما. جعلني حماس الشباب – كان عمري وقتذاك 19 عامًا – أرى في المملكة أرض فساد وإفساد، فلما أخبرني زميل مصري في شقة الشباب بظهور المهدي استجبت للدعوة من دون تردد، لأنه سيطهر أرض الحرمين من دنس المعاصي، فقد رأينا في هذه البلاد خيرًا وعبادة لله، لم نجدها في مصر، واستفزنا ذلك المشهد.

بمَ تفسر وجود الأعداد الكبيرة من المصريين في حادث الاقتحام؟

كما قلت لك، كنا نؤجر سكنًا للشباب المصري، فكانت الأعداد المصرية كثيرة، وذلك حتى لا ترتفع تكلفة الحج. كانوا ينامون على أثاث متواضع مجاورين بعضهم بعضًا. أحد الشباب تأثر بدعوتهم وقرأ رسائل جهيمان، إلا أننا لم نلتقه يومًا قط، حتى رأيناه في الحرم. ذلك الشاب في سمرنا لما كنا نتحدث عما شهدناه في يومنا، كان ينبئنا بالمهدي الذي سيقيم شريعة الله في الأرض ويملؤها عدلًا بعد أن مُلئت جورًا.

كان الموضوع في بادئ الأمر كالسرِّ ينتشر تدريجيًّا، حتى بعد الحج. وقتها بدأ الأمر بشكل علني، غالبيتنا أقر بوجوب بيعة المهدي محمد القحطاني، الذي لم نره أيضًا ولم نقرأ له شيئًا. جاءت الأوامر ليلة الأول من محرم 1400هـ بأن نذهب إلى منزل الشباب مبكرًا، كانت هناك خطة مفادها أن يتولى جميع المصريين غلق باب العمرة وهو باب ضخم، وقد أُعدم جميع المصريين الذين وقفوا عليه، وذلك لأن اقتحام الشرطة والجيش تمَّ من هناك. خلاصة القول أنه لم ينتمِ غالبية المصريين بكثافة للجماعة السلفية المحتسبة، وإنما تأثروا بدعوتها قبل اقتحام الحرم مباشرةً.

ماذا كان دورك في عملية الاقتحام؟

كنت قد أشرت إليك بأنهم قد أخبرونا بأهمية حضور جلسة ليلة الأول من محرم. بعد انتهاء عملنا ذهبنا لاستحضار ملابسنا التي دفعنا بها إلى مغسلة قريبة من الحرم. وفي طريقنا أصيب صديقي بمسمار في قدمه، حال دون قدرته على استمرار المشي، فدخلنا الحرم وبتنا ليلتنا هناك. بعد الفجر استلمنا أدوارًا هامشية كتأمين منطقة الإدارة.

وقد كنت شاهدًا على قطع خطوط الاتصال بين الحرم والعالم الخارجي، وكان القائم على الإدارة أحد الشباب المتحمس، فلما اتصلت الإذاعة لنقل شعائر صلاة الظهر قام بقطع الاتصال وقطع أسلاك البث جميعها.

كثرت الروايات حول دخول الأسلحة، فهل كنت شاهدًا على إحداها؟

غالبية المؤن من طعام وأسلحة وذخيرة، دخلت عبر سيارات من المسعى، لأن ثمة عمليات بناء كانت هناك. دخلت في صناديق. غالبية الأسلحة أُلقي بها على الأرض فمن شاء أخذ، سواء من الحجيج أو الأتباع. كانت معظم الأسلحة عبارة عن مسدسات، والرشاشات كانت قليلة جدًّا وحصرًا على المُدربين فقط من أتباع جهيمان، أما رواية دخول الأسلحة في جنازات فهذا لم أره بأم عيني، لكنه قد تواتر.

كيف تمت البيعة لمحمد القحطاني؟

عندما دخل خالد اليامي وقال خطبته، ثم تبعه جهيمان بتعليمات بتوزيع الأفراد، قام أحد الأخوة السوريين، وكان طويلًا وعريضًا، أظنه كان رياضيًّا، وهتف بصوت عالٍ: «أنا هارب من حكم حافظ الأسد، والحمد لله أن جعلني أرى المهدي، فهل لي بمبايعته، وأن نذهب إلى سوريا فنحررها من طغيان الأسد».

أتذكر مشهده جيدًا وهو يبكي، حتى صاح به أحدهم أن لا بيعة قبل بيعة أتباعه. بعد انتهاء الخطبة تقدمنا وبايعناه بين الركن والمقام. كنا 200 شخص من أتباعه. وبايعه من الحجيج ما يقرب من ذلك العدد. لم يُجبر أحدٌ من الحجاج على البيعة، بل إن هناك الآلاف منهم استطاعوا الهروب من المسعى ومناطق أخرى.

هل شاركت في الاشتباك؟

استُدعينا صباح اليوم الثاني، قبيل الفجر. بدأ الاقتحام من المسعى، وبمجرد وصولي إلى هناك، أُصبت في رأسي بإصابة طفيفة، لم أكن مدربًا جيدًا، فانسحبت من القتال وأصبحت أقوم بالمهمات الثانوية، وقد ساعدني ذلك في الحصول على 12 سنة سجنًا، ولم أُعدم.

كيف تلقيتم خبر موت المهدي، أو متى تحديدًا؟

في اليوم الثالث رأيته قد أُصيب، لكنه كان ما زال يتمتع بصحة جيدة، وظل يتمتع بخفته وسرعته. كانت ملابسه مثقبة من طلقات الرصاص التي لم تصبه، وكنا نزداد تصديقًا به كلما رأينا ذلك.

في صباح اليوم الرابع أُشيع خبر إصابته فبدأنا بالتراجع من منطقة المسعى. ومع بداية اليوم الخامس نُقل الخبر وكنا قد انسحبنا إلى الخلوات تحت الحرم. في هذه اللحظة نهرنا جهيمان بعنف، لقوله مثل هذا فكان يكفينا القول إنه قد حبسه حابس فلم ينضم إلينا، هذه اللحظة كان الجميع بعدها يرى الرؤى ويثبت إخوانه بأنه حي وسيعود بعد أن يخسف الله بتلك الجيوش.

يشير ناصر الحزيمي إلى أنكم كنتم ترون الرؤى أثناء الحصار بانتصاركم وبعودة المهدي فهل هذا حصل بالفعل؟

طوال فترة الحصار كنا نرى الرؤى جميعًا، وكنا نتداولها عندما نفيق، أما بخصوص أن المهدي فقد حُبس بالفعل بعدما أشار جهيمان بأنه قد حبسه حابس، رأينا جميعًا رؤى تفيد بأنه على قيد الحياة.

وبخصوص الخسف الذي حدث لجيش تبوك، فلم نرهُ في رؤيا وإنما حدث بعد اقتحام قوات المظلات ودفعهم من قبلنا حتى أصيب أحد الجنود، وأمرنا بتطبيبه. حضر أحد الأطباء المصريين لا أتذكر اسمه، وقد سألناه من أين أتيت، فقال معسكر في تبوك، فتهللنا وأشعنا الخبر داخل الحرم، حتى أن العديد من الحجاج تهللوا به كعلامة على أن ذاك هو المهدي.

كيف سلمتم أنفسكم؟

كان لي ثلاثة أصدقاء مصريين، من اليوم الأول في الخلوات لم نكن مقتنعين بأن المهدي على قيد الحياة، فحاولنا تسليم أنفسنا، وعند خروجنا أطلقت القوات النار علينا، فاختفى أحد الأصدقاء الذي ظننا أنه قد قُتل. اكتشفنا بعد ذلك أنه أصيب واعتقل، أما بقيتنا فدخلنا للخلوات وأقمنا فيها، وأثناء حفر القوات وإلقاء الغاز كنت أنام لساعات طوال، وفي اليوم العاشر بدأت المؤن تنفد فوجدت في أحد الخلوات بعض السكاكر وزعتها بدوري على الشباب، وحصلت بذلك على عقوبة إضافية ثلاث سنوات سجن، ليصبح مجموع ما حصلت عليه 15 عامًا.

ماذا بعد الاستسلام؟

في اليوم الخامس عشر بعد الإعلان في المكبرات سلمنا أنفسنا، إلا أن البقية ومعهم جهيمان ظلوا حتى اليوم السادس عشر. كانت أوامر التسليم من جهيمان بشخصه الذي أمرنا بذلك، لم يكن قرارًا فرديًّا. جمعنا في أحد مناطق الحرم وصورنا بعض المراسلين، ثم بسبب تشنجي مع ارتفاع درجة الحرارة نُقلت إلى المشفى مباشرةً، أظن أن ذلك كان بسبب الغاز.

بعد ثلاثة أيام نُقلت في حافلة إلى أحد سجون مكة، وفور وصولنا بدأت التحقيقات معنا من قبل فريق اسمه المسعودي. هذا من قام بالتحقيق معنا جميعًا، واستخدم التعذيب لانتزاع الاعترافات. تمثل التعذيب في التعليق حتى ينخلع الكتف أو الرسغ، بالإضافة إلى سحب الأعضاء التناسلية بعنف، ناهيك عن الإيهام بالغرق والضرب بشكل متكرر. كان هناك رجل يمني هو من وفر السلاح عن طريق عمٍّ له كان يعمل في الحرس الوطني ويحمل الجنسية السعودية. هذا الرجل مات تحت التعذيب في أحد الأيام.

مُنع عنا القرآن لأربعة أشهر بالرغم من طلبنا له بشكل دائم، وفي أحد أيام الجمعة وجدناهم قد وضعوا لنا في كل زنزانة مصحفًا فتلقفناه وأعيننا تفيض بالدمع. بعدها بأسابيع قابلنا القضاة. لم يصدر بحقنا حكم حتى نهاية عام 1983. أما من كانت مهمته غلق باب العمرة فقد حُكم عليهم بالإعدام خلال أيام، وهم 10 أشخاص، وبقية السعوديين واليمنيين تم إعدامهم، أربعة فقط من حُكم عليهم بالسجن، على حسب ما أتذكر.

ما هي طبيعة التحقيقات؟ وهل كان هناك استفسار عن خلفياتكم والداعمين لاقتحام الحرم؟

كانت غالبيتها تدور حول كيفية الانضمام للجماعة، وما هي مهمتنا أثناء الاقتحام. نحن كمصريين لم يتم سؤالنا عن تفاصيل خاصة بالجهة الداعمة كوننا جميعًا جئنا للحج ولا نعرف الكثير عن الجماعة، وكانت الأسئلة تتمحور حول الأحاديث التي استندنا إليها، والتعامل معنا جميعًا كسنة نفقه علم الحديث، في حين كان بعضنا يتمتع بضحالة فهمه للحديث، ولم يكن عندنا الإلمام الكافي لنجيب على بعض الأسئلة.

كيف كان الإفراج عنكم؟

بعد الحادث بأربع سنوات تم نقلنا إلى سجن الرياض، وكان سيئًا بشكل لا يوصف. سُمح لنا بعد فترة بالحصول على كتاب واحد لنقرأه، كما كان ممنوعًا عنَّا الزيارات. وللعلْم أهلي في مصر انقطعت أخباري عنهم منذ اقتحام الحرم، ولم يطمئنوا عليَّ إلا بعد عام، حيث كانت تمرضني في المستشفى ممرضة مصرية أخذت اسمي وعنواني، ولما عادت إلى مصر سافرت إلى أهلي وأخبرتهم بأني حي أُرزق ومعتقل.

في عام 1985 زارنا مجموعة من الشيوخ، وسألونا بعض الأسئلة الشرعية للتحقق من أفكارنا، فأحد الأخوة أظنه كويتيًّا قال لي قل حديث جلسة الاستراحة وحديث المحراب وحديث مالك بن حويرث. لم أكن أعلم أن هذا سيورطني أكثر، أما من لم يخبروهم به فحصلوا على عفو أو أُنقصت مددهم.

بنهاية عام 1986 مات الفريق أول المسعودي في حادث، واستُبدل به الخسيفان وكان لينًا هينًا. زارنا وبشرنا بقرب الإفراج عنا، إلا أن الإفراج عنا جاء بسبب ضغط مصري. كانت الخارجية المصرية توسطت للإفراج عن ثلاثة مصريين في العراق، قيل إنهم لصوص.

في هذه الأثناء خرجت أم أحد العشرة الذين أعدموا في برنامج إذاعي مع المذيعة آمال فهمي، وبكت وقالت كيف تفرجون عن لصوص وتتركون هؤلاء الأطهار الذي غُرر بهم. أدى ذلك لاستدعاء وزير الخارجية في مجلس النواب، وصاحب ذلك بعض الاحتجاجات من قبل نقابة الصحفيين. كل تلك الأحداث دفعت بالرئيس الأسبق حسني مبارك للتدخل، وأُصدر عفو ملكي لـ 12 مصريًّا، ثم شمل العفو بقية الجنسيات.

كان ذلك في نهاية يناير/ كانون الثاني 1987. أُعطينا 5 آلاف ريال وأُخذنا للعمرة، وذبح لنا الخسيفان ثلاث ذبائح، ثم أخذنا بعدها للمدينة، مع وعد بعقد عمل في السعودية ورجعنا إلى مصر، حيث جرى اعتقالنا فيها لمدة لم تتجاوز الأسبوع في أحد مقرات أمن الدولة، فقط للتحقيق معنا فيما حدث ومعرفة آرائنا ومرجعياتنا.