العلاقات الاجتماعية في حياة الإنسان تعتبر من أهم احتياجاته الخاصة، ولها الأثر الأكبر في التكوين الكامل لشخصية الفرد وتحديد اتجاهاته الفكرية في الحياة بشكل عام، لكن تختلف درجة التأثر من شخص لآخر حسب طريقة تكوينه للعلاقات والمبادئ التي يسير على خطاها في تعاملاته مع الآخرين.

عندما توقفت قليلًا للتفكير في تلك المبادئ التي يفرضها الأشخاص كأساسيات لعلاقاتهم بالآخرين، وبعد مناقشة طويلة مع إحدى الصديقات، وجدت أن هناك مجموعات من الشرائح البشرية التي تحتوي كل واحدة منها على فئة ليست بقليلة من الأفراد، ولكل شريحة مذهب مُتَبَع خاص بها.


1. الامتلاك وتقليل شأن الذات

أن يتمسك الشخص بالآخر المشارك معه في العلاقة – سواء صداقة أو علاقة عاطفية – بقوة تصل إلى درجة التحكم به وبتصرفاته والشعور بامتلاكه أحيانًا، وقد يصل ذلك إلى حد الغضب والانفعال الشديد عند إحساسه بأن الطرف الآخر يتمرد على أوامره، وذلك ينجم عن انعدام الثقة بالنفس والوصول إلى مرحلة من حب الشريك تفوق حب الذات بكثير.


2. العطاء اللانهائي وعدم انتظار المقابل

أن يقدم الشخص جميع ما يُطلب منه على الوجه الأكمل، ويقوم بتقديم المساعدة لجميع الأشخاص المحاط بهم ولا ينتظر المقابل لذلك، تعتبر هذه الفئة من خير الأناس على هذه الأرض رغم سذاجتهم! لكن احتمالية استغلالهم عالية جدًا، ومن أكثر الأشخاص عرضة للإصابة بالتشوهات النفسية نتيجة لعدم الاهتمام بهم إلا نادرًا؛ فيصيب الشخص الإحساس بأنه تحول إلى طيف أو شبح يظهر في المناسبات التي يحتاجه فيها الآخرون فقط.


3. الهروب من الوحدة

يبدأ الشخص المتّبع لهذا المذهب بإقحام نفسه داخل العديد من العلاقات دون تحديد لمدى العلاقة، بمعنى أنه قد يشارك تفاصيل حياته اليومية وإن كانت تافهة مع كل من يتعرف عليهم باعتبارهم أصبحوا أصدقاء له، وإن كانوا لا يبادلونه نفس التقدير. المرجح أن المندرجين تحت هذه الفئة قد يعانون من رهبة الاختلاء بالنفس ويصيبهم إحساس بالذعر إذا ما شعروا بالوحدة ولو خمس دقائق فقط، وهم من أكثر الفئات عرضة للأذى لتعاملهم مع أشخاص دون الاهتمام بمعرفة نواياهم، وكل التركيز فقط على الذات وإشباع النفس بإحساس الوَنَس لا أكثر.


4. الوَسَط، وخير الأمور أوسطها

يكون للشخص مساحته الشخصية بجانب علاقاته، بمعنى أدق يقيم علاقة صداقة بينه وبين نفسه فيكون لها نفس قيمة علاقاته الاجتماعية الأخرى ولها الحيز ذاته من حياته. يكون له حرية الانعزال وقت ما احتاج ذلك، غالبًا تلك الفئة تقوم بتصنيف علاقاتها إلى مجموعات حسب الاهتمامات المشتركة، كمجموعة زملاء العمل، رفقاء السفر، أصدقاء ممارسة الرياضة.. وهكذا. والأشخاص المندرجون تحت هذه الفئة يشعرون بسلام وراحة نفسية إلى حد ما فقط إذا تعاملوا مع من يحترم مذهبه وإن لم يكن يتبعه.


5. المصلحة الصريحة

في هذا المذهب يتبع الشخص مبادئه بشكل واضح وصريح في إقامة العلاقة على مبدأ المصلحة ولا شيء غيرها، وأن العلاقة تنتهي بمجرد انتهاء المصلحة القائمة على أساسها. رغم أنهم قد يظهرون بشكل أناني قليلًا ولديهم نسبة عالية من تفضيل الذات على الآخرين، إلا أنهم من أفضل الفئات، وذلك لوضوحهم وصراحتهم، لضمان عدم إيذاء الطرف الآخر في العلاقة، وخاصة إذا أبدى الأخير تعلقه بوجود طالب المصلحة.

مع العلم أن مُتّبعي هذا المذهب لا يقومون بتطبيق مبادئه على جميع علاقاتهم الاجتماعية، فقد يكتفون بصديق مقرب أو اثنين على الأكثر بخلاف الشريك العاطفي – إن وجد.


6. مصلحة، ولكن!

مُتّبع هذا المذهب يكون كالحرباء التي تتلون حسب الظروف، كذلك هو يتلون بلون الصداقة – والتي قد تكون مفرطة في بعض الأحيان – أو حتى يتلون بلون الحب تجاه شخص معين، وذلك كله لأجل الوصول لمصلحة ما من الطرف الآخر. وبمجرد انقضاء المصلحة ينهي العلاقة غير مبالٍ بما يلحق شريكه في العلاقة من أذى.

من أهم العلامات التي قد تدل عليهم هي التودد المفاجئ والسريع للطرف الآخر ومحاولة إبهاره بكل الطرق الممكنة، لكن بالرغم من ذلك قد يكون من الصعب التعرف على تلك الفئة بالنسبة لبعض الأشخاص ويتعرضون بعدها للأذى بعد انهيار العلاقة.


7. تجاهل الكل هو الحل!

مبادئ هذا المذهب تقوم على تجاهل الجميع واعتبار العلاقات الاجتماعية لا تخرج عن كونها شيئًا مؤذيًا. فيبدأ الشخص بتقنين علاقاته في إطار الزمالة سواء في العمل أو في الدراسة أو غيرها من المجالات التي تُحتم عليه التعامل مع الآخرين، عدا ذلك فهو يفضل الوحدة – بشكل مَرَضِي – اعتقادًا منه أنه نجا بنفسه من الأذى المحتوم.

الأشخاص الذين يتبعون هذا النمط في تعاملاتهم هم في الحقيقة أشخاص إما معقدون بسبب خللٍ ما في تربيتهم وإما أنهم مُستَهلكون تمامًا من شدة الأذى الذي تعرضوا لهم في علاقات سابقة.

قد توجد مذاهب أخرى يتبعها فئة ما من الناس، لكن هذه كانت الفئات الطاغية في مجتمعنا على الأقل. أما بالنسبة للفئة التي قد تتعامل فقط بدافع الأذى لإشباع نوايا شريرة بداخلهم فمن ناحيتي لا أعتبرهم يتبعون مذهبًا معينًا، وإنما ما هم إلا مرضى نفسيون تجب معالجتهم فورًا.

تلك المذاهب التي سُردت في المقال يتم زرع مبادئها في الشخص خلال فترة حياته عن طريق التربية أولًا ثم التجارب التي يمر بها في حياته والدروس التي يستخلصها من كل تجربة، وذلك بجانب ما يراه في المنزل من تعاملات بين أفراد الأسرة فهي تؤثر بشكل كبير على تكوين فكرته تجاه العلاقات بشكل عام.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.