البداية كانت في 28 أغسطس/آب 2016م، حينا قام بنشر وثيقة على صفحته الشخصية على موقع الفيس بوك، وهي الوثيقة التي حصل عليها بشكل حصري، وهي موجّهة من مكتب «رئيس الوزراء السابق» إسماعيل هنية إلى وكيل وزارة الأوقاف «حسن الصيفي» يؤكد فيها توزيع مبلغ قيمته 25 ألف دولار من أموال الزكاة من خلال مكتب هنية.

وقد دفعته هذه الوثيقة إلى إثارة عدة تساؤلات حول إدارة الأمور المالية في غزة، وغياب الرقابة حولها.

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1081691935217543&set=a.140574785995934.44873.100001302395744&type=3

وبعد ثلاثة أيام، وبالتحديد في الأول من سبتمبر/أيلول 2016م، اعتقله جهاز الأمن الداخلي لحركة حماس، فتعرض لتحقيقات متواصلة تحت التعذيب، حتى يُفصح عن المصادر الذي زودته بالوثيقة المنشورة. إلى أن تم الإفراج عنه.

https://www.facebook.com/mohammed.othman1987/posts/1089472471106156

هو «محمد عثمان»، صحفي من قطاع غزة. تخرج عام 2009م من قسم الإذاعة والتلفزيون في كليّة الإعلام في جامعة الأقصى في غزة، ونال عددًا من الجوائز في فلسطين والعالم العربي، بما في ذلك جائزة الصحافة العربية في دبي في دورتها العاشرة عام 2011م محتلًا المركز الأول عن فئة الصحافة العربية للشباب، وأيضا جائزة حرية الصحافة من المركز الإعلامي الحكومي في فلسطين في دورتها الأولى لعام 2011م. ونال أيضًا جائزة المركز الثالث في مسابقة التحقيقات الاستقصائية في قضايا الفساد التي نظّمها في عام 2013 كل من مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت وهيئة مكافحة الفساد.

وكان لنا معه الحوار التالي:

هل سبق أن تعرضت لعملية اعتقال أو اختطاف من جانب جهاز الأمن الداخلي لحماس قبل هذه المرة؟ أو تعرض أي صحفي لمثل هذه الواقعة؟

بالنسبة لي كانت المرة الأولى التي أتعرض فيها لمثل هذه الواقعة، وأعتقد أنه لم يتعرض صحفي في غزة قبل ذلك لعملية اختطاف وتعذيب مشابهة.

ويعود ذلك إلى أن حماس اعتبرت الوثيقة التي قمت بنشرها على صفحتي على موقع الفيس بوك أمر حساس، واعتقدوا أنه قد حدث تسريب من داخل مكتب إسماعيل هنية، أي أنهم تعرضوا لاختراق أمني، وهو الأمر الذي لم يكن صحيحًا، وحينما تأكدوا من ذلك، قاموا بإخلاء سبيلي.

في ضوء ما تعرضت له مؤخرًا، كيف ترى وضع الصحافة في غزة؟

أنا أعمل في مجال الصحافة الاستقصائية منذ ما يقارب السبع سنوات. وخلال هذه الفترة، كنت كغيري من الصحفيين، نتعرض لأشكال مختلفة من التضييق، فكنا نحاول اختراق المساحة المتاحة دون خرق القوانين.

فعلى سبيل المثال، منذ أكثر من ثلاث سنوات، تم منعي شفهيًا من التواصل مع وزارة الصحة الفلسطينية في غزة من دون إبداء أي سبب، وقد تم طردي أثناء إنجازي تحقيقًا من مقر الوزارة.

وفي 18 أغسطس/آب 2016م، أصدرت الإدارة العامة للمستشفيات التابعة لوزارة الصحة في قطاع غزة، تعميمًا على المستشفيات الحكومية بعدم التعامل مع الصحافيين في العديد من الموضوعات الصحافية، إضافة إلى منعي من الدخول إلى مستشفياتها. وجاء في التعميم قرار بعدم التعامل مع وسائل الإعلام والمؤسسات في مواضيع الانتحار، والأخطاء الطبية، والترامادول، والعملاء، والمعلومات المالية عن نشاط المستشفيات وعمل شئون الموظفين وهيكلياتها وجرائم القتل، والتواصل مباشرة مع قسم العلاقات العامة والإعلام في الإدارة العامة للمستشفيات.

ولماذا تجدد هذا المنع قبل شهر فقط من الآن، وبعد ثلاث سنوات من المنع الأول؟

وذلك بسبب تحقيقي الاستقصائي الأخير الذي قمت به في نهاية شهر أبريل/نيسان 2016م، عن الأدوية مجهولة المصدر في قطاع غزة، لمصلحة شبكة التلفزيون العربي.

وزارة الصحة بها العديد من الانتهاكات وملفات الفساد، وهم يسعون إلى منعنا من كشفها وتسليط الضوء عليها. فالسلطة في غزة تريدنا صحافيي «علاقات عامة».

وهذا ما أوضحته لفريق منظمة «هيومن رايتس واتش» الذي زار غزة منذ أيام، لرصد حالات الانتهاك التي يواجهها لها الصحفيون في غزة.

بشكل عام، تشعر أحيانًا أن هامش حرية الصحافة ارتفع في الضفة الغربية، وتراجع في غزة. وأحيانًا أخرى، تشعر بالعكس. وهو ما قد يعود إلى تفاوت إحكام قبضة السلطة في الضفة وغزة على زمام الحكم.

هل يمكن اعتبار أن ما تعرضت له هو نموذج لطريقة حماس في إدارة شئون القطاع؟

منذ سنوات عدة، خرجت حماس عن كونها حركة تحرر فقط، وأصبحت جزءًا من نظام الحكم، وأصبح شأنها في ذلك شأن باقي الأنظمة العربية التي تريد تشديد قبضتها على كافة أركان الحياة في المجتمع، لتعزيز تواجدها وحكمها.

وصلت الأمور إلى أن حماس باتت ترى أنها تمتلك قطاع غزة، وسعت للسيطرة على الأراضي والمؤسسات وكافة المشروعات المقامة على أرضه، حتى السيطرة على الهواء.

من خلال عملك الصحفي على مدار السنوات الماضية، هل يمكنك الجزم أن هناك فساد في قطاع غزة؟

بالطبع، فقطاع غزة يعاني من تفشي الفساد الإداري والمالي به. فمن ناحية، ورغم أن حكومة التوافق الفلسطيني هي من تدير القطاع بصفة رسمية، إلا أن هناك «حكومة ظل» تدير القطاع بشكل فعلي، وتقود هذه الحكومة حركة حماس، للسيطرة على كافة مفاصل القطاع. ويتعامل الإداريون ووكلاء الوزارات المختلفة مع إسماعيل هنية على أنه رئيس الوزراء الحالي والفعلي وليس الأسبق.

ومن ناحية أخرى، هناك فساد مالي يضرب ربوع القطاع، سواء تمثل هذا الفساد في اختلاسات مالية، أو إهدار للمال العام. فنحن لا نعرف إلى أين تذهب الأموال التي تقوم حماس بجبايتها من سكان القطاع. فظهور الفساد المالي في قضايا بسيطة ومبالغ متواضعة، يشي أن هناك قضايا فساد مرتبطة بمبالغ مالية كبيرة ما زالت قابعة في الظل.

فعلى سبيل المثال، تقوم حماس مؤخرًا بتعويض موظفيها عن مستحقاتهم السابقة، عن طريق تمليكهم أراضي في القطاع، تتجاوز أثمانها قيمة المستحقات المتأخرة بكثير.

للأسف وبعد سبع سنوات من العمل في الصحافة الاستقصائية، تأكدت أن قطاع غزة يعاني وبشدة من الفساد.