«أنس إريمياو أنس» واحد من أهم الصحفيين الاستقصائيين حول العالم. يخبرنا بوقائع مفزعة ولكنها حقيقية. صادمة ولكنها تساعد ولو بشيء بسيط في تحقيق العدالة الاجتماعية في أفريقيا.

حينما يتحدث «بيل جيتس» بهذا الشكل عن صحفي استقصائي؛ فثمة شيء يجب أن يلفت انتباهك. بيل جيتس لا يصف مهندس اتصالات ماهرًا، أو مبرمجًا عبقريًّا ساهم في تطوير شيء عظيم لشركته. رجل الأعمال الأمريكي الشهير كان منبهرًا بصحفي ينتمي لدولة فقيرة في غرب القارة السمراء، قام بالعديد من التحقيقات الاستقصائية التي كشفت عن حقائق مفزعة في الـ «ماما أفريكا».

صحيح أن بعض هذه الحقائق كان يعلمها أغلب سكان القارة، ولكن المجتمع يحتاج أحيانًا إلى من يضعه أمام الحقيقة التي يخاف من مواجهتها بشكل مباشر. هذا ما يفعله تحديدًا «أنس أريمياو أنس»، العدو الدائم لمن يكشفهم من الفاسدين أمام الجمهور الأفريقي بشكل عام، والغاني بشكل خاص،فوصفه الرئيس الأمريكي السابق «باراك أوباما» بالصحفي الذي يخاطر بحياته فقط ليكشف لنا الحقيقة.

قام أريمياو بتحقيقات دون أن يظهر شخصيته الحقيقية خلالها. بعضها عن الدجالين في أفريقيا، و الآخر عن مافيا الرشاوى التي يحصلها رجال الشرطة الغانية من أطفال الشوارع، وكذلك بعض التحقيقات بالتعاون مع شبكة الجزيرة، أبرزها تحقيق عن سرقة الذهب من المناجم و آخر عن سرقة مسئولي البنوك وكبار رجال الدولة في غانا. لكن التحقيق الأخير للصحفي الغاني – الذي تشير أغلب التوقعات إلى أنه من مواليد السبعينيات – هزّ أرجاء القارة الأفريقية كلها، بل جدران الفيفا ذاتها. الأمر لم يقتصر على غانا فقط هذه المرة. فماذا فعل لكل هذا؟


الديربي المشبوه

18 مارس/آذار عام 2017، أشانتي كوتوكو ضد هارتس أوف أوك. ديربي الكرة الغانية وضربة البداية لرحلة أريمياو للوصول إلى العمق الذي لامسه الفساد في الكرة الأفريقية. قبل المباراة بيوم واحد توجه «كوجو» أحد أعضاء فريق أريمياو إلى الفندق الذي يقيم به الحكام في العاصمة الغانية أكرا، وبعد محاولات بسيطة نجح في إعطائهم مبالغ مالية وصلت إلى 1500 سيدي غاني لكل فرد منهم، أي ما يعادل 300 دولار أمريكي تقريبًا، لدعم فريق هارتس أوف أوك في الديربي.

في ذلك اليوم تعطلت الكاميرات السرية التي استخدمها فريق التحقيق، فعاودوا الزيارة في يوم المباراة وأعطوا الحكم المساعد ساليفو رحمن 500 سيدي غاني تحت اسم دعم إضافي من جماهير هارتس أوف أوك، ولكنهم في هذه المرة نجحوا في تصويره بوضوح. وفي أثناء اتجاه فريق المحققين إلى غرفة حكم الساحة صامويل ساكو لإعطائه أموالًا إضافية كزميله ساليفو، قابلوا مراقب المباراة. مراقب المباراة منوط به منع مثل هذه الأفعال، لكن المفاجأة أن مراقب المباراة قد حصل منهم على رشوة وصلت إلى 300 سيدي غاني.

نستطيع أن نساعدكم، ولكن بصورة تضمن لنا عدم الدخول في مشاكل وصدامات. نتمنى ألا ينكمش فريقكم في منتصف ملعبه، وأن يهاجم قدر الإمكان حتى نستطيع مساعدته.

جملة قالها الحكم المساعد ساليفو رحمن لفريق المحققين وهو يتقاضى منهم الأموال، ونفذها بالفعل حكم الساحة صامويل ساكو. في الدقيقة 82 والنتيجة تشير إلى التعادل السلبي بين الفريقين سدد أحد لاعبي هارتس أوف أوك الكرة فارتطمت في ظهر مدافع أشانتي كوتوكو بشكل واضح، لكن الحكم احتسبها ركلة جزاء فاز بها فريق هارتس بالمباراة.

بدت الكرة حينها أنها مجرد خطأ بشري يعتبره البعض جزءًا من متعة اللعبة، ولكن بعد ظهور تحقيق أنس أريمياو أنس للشعب الغاني وللعالم أجمع في شهر يونيو/حزيران من عام 2018، أدرك الجميع أن ما حدث منذ عام ونصف لم يكن خطأ بشريًّا أو صدفة غير مقصودة!


ليست غانا وحدها

يقول أنس إنه قام بتجربة الأمر مع حكام آخرين في مباريات أُخرى، ونجح الأمر مع 78 واحدًا منهم. تواصل أنس بعد ذلك مع عدد من أعضاء لجنة التحكيم بالاتحاد الغاني لكرة القدم، ونجح الأمر أيضًا، وأصبح بإمكانه تعيين من شاء من الحكام وقتما شاء. شعر الصحفي الغاني أن الأمر أكبر من ذلك، وأن التحقيق سيذهب به إلى نتائج أكبر من تلك التي كان يتوقعها قبل البدء فيه. قرر أنس أن يوسع دائرة التحقيق لتشمل القارة السمراء كاملة ليرى هل سيخضع له حكام القارة مثلما فعل الغانيون أم سيصمدون؟

أنت تلاعب من؟ لاعبين عربًا. هل أنا عربي؟ لا، أنا أفريقي مثلك. لا تقلق الأمر منتهٍ.

كلمات قصيرة صادمة قالها الحكم الإيفواري دينيس ديمبيليه لـ «كوجو» – عضو فريق أنس – قبل يوم واحد من لقاء وفاق سطيف الجزائري وأدونا ستارز في شهر مارس/آذار السابق. كلمات نجح فريق أنس أريمياو أنس في تسجيلها بشكل سري للحكم الإيفواري وهو يتقاضى منهم رشوة وصلت إلى 700 دولار لكل فرد في طاقم التحكيم. بالطبع اختفى السيدي الغاني وظهر الدولار الأمريكي طالما انتقلنا من الدوري الغاني إلى دوري الأبطال، الأمور تزداد إثارة!

بالطبع قد تكونت في ذهنك الآن صورة تقريبية لما حدث في تلك المباراة إن لم تشاهدها. نعم، في الدقيقة 73 الإيفواري ديمبيليه يهدي فريق أدونا ستارز ركلة جزاء وصفتها الصفحة الرسمية لفريق وفاق سطيف الجزائري بأنها من وحي الخيال. جاءت تعليقات الجمهور الجزائري حينها غاضبة أيضًا واصفة التحكيم الأفريقي بالضعيف، ولكن ما اكتشفناه بعد صدور تحقيق أريمياو إلى النور أن الأمر ليس متعلقًا بضعف المستوى. الأمر برمته متعلق بالنزاهة لأن ركلة الجزاء تم استدعاؤها من الخيال بفعل فاعل، ولم تأت وحدها!


هل نصل إلى الفيفا؟

قبل شهور من بداية المونديال وتحديدًا في ديسمبر/كانون الأول من عام 2017، أقام الاتحاد الأفريقي معسكرًا للحكام الدوليين بالمغرب. لم يدع أريمياو تلك الفرصة تفوته بالطبع. فرصة ذهبية ترضي شغفه في إقامة تجربة على صفوة حكام القارة الذين سيختار الفيفا منهم حكامه للمونديال.

سافر كوجو معاون أريمياو إلى المغرب وحاول التواصل مع عدد من الحكام في هذا المعسكر، معرفًا نفسه بأنه أحد مسئولي أدونا ستارز الغاني، ولكنه وجد صعوبة في الوصول إلى العديد منهم، مبررين ذلك بأنه من غير المسموح لهم التواصل مع مسئولي الأندية. كوجو كان يستهدف حكمًا كينيًّا بعينه، وهو الحكم المساعد المعروف على مستوى القارة «مروة رينج». مروة كان أحد المرشحين بقوة لتمثيل قارة أفريقيا في مونديال روسيا في ذلك التوقيت، كما أنه أحد نجوم الوسط الرياضي في كينيا.

لم يفلح فريق أريمياو في التواصل مع مروة في البداية، ولكنهم تواصلوا مع أحد الحكام في شبكة علاقاتهم العنكبوتية التي نجحوا في تأسيسها في غانا،والذي استطاع في أقل من 45 دقيقة أن يجعل مروة يذهب إلى غرفة فريق التحقيق، والذين أقاموا في نفس فندق الحكام بالطبع. نجح الفريق في تصوير مروة وهو يتقاضى منهم رشوة كغيره من حكام القارة بهدف مساعدة فريق أدونا ستارز في البطولة القارية.

في شهر مارس/آذار من عام 2018 أعلنت الفيفا أسماء الحكام الدوليين الذين تم اختيارهم لمونديال روسيا 2018، وكان من بينهم المساعد الكيني. لم تستمر فرحة مروة سوى شهرين فقط، حتى ظهور التحقيق الكبير الذي أجراه أريمياو وأذاعته هيئة الإذاعة البريطانية وهز أرجاء العالم. أصداء هذا التحقيق وصلت إلى الفيفا، فأعلنت استبعاد مروة رينج من المونديال وخسر الحكم الكيني حوالي 20000 يورو كان سيتقاضها نظير مشاركته في المونديال كحد أدنى وفقًا لجريدة الماركا الإسبانية. خسر مروة 20000 يورو في مقابل 700 دولار فقط تقاضاها من فريق أريمياو. الخسارة الأكبر التي خسرها حكم ممن ظهرت أسماؤهم في تحقيق أنس.


الضربة القاضية

الفساد أمر مكروه، لا نحب أن نراه في المجتمع الغاني ككل، وليس في كرة القدم فقط.

صاحب هذه الكلمات هو «كويسي نيانتانكي» رئيس الاتحاد الغاني السابق لكرة القدم. واجه كويسي العديد من اتهامات الفساد في بلاده، ولكنه كان دائمًا ما يدافع عن نفسه بكونه أحد الشخصيات المرموقة بالفيفا، كما أنه كان على رأس منظومة كرة القدم التي نجحت في الصعود للمونديال لثلاث نسخ متتالية منذ عام 2006.

كويسي كان دائم التأكيد أن من يوجه الاتهامات عليه أن يأتي معها بالدليل، وهذا ما أثار لعاب أنس أريمياو وفريقه بالفعل. انتحل أحد أعضاء فريق أنس صفة رجل أعمال ثري له شبكة علاقات واسعة في القارة ويريد أن يفوز بحقوق رعاية الاتحاد الغاني لكرة القدم بمساعدة نيانتانكي. وافق نيانتانكي بالطبع بعد حصوله على 65000 دولار كهدية مبدئية، و20% من قيمة عقد الرعاية للاتحاد الغاني البالغة قيمته 15 مليون دولار. وكما جرت العادة قام فريق أريمياو بتصوير نيانتانكي وهو يتقاضى تلك الأموال ويتفق معهم على نسبته في الصفقة.

في اليوم السادس من شهر يونيو/حزيران أذاع أنس وهيئة الإذاعة البريطانية هذا التحقيق في شاشات عرض كبيرة في مدن غانا المختلفة، ليشاهد الشعب الغاني كم الفساد المستشري في المنظومة الرياضية، فتمّ حلّ اتحاد الكرة الغاني والتحقيق مع رئيسه محليًّا وإقليميًّا، بل داخل الفيفا أيضًا.

تحقيق استقصائي متكامل لم يترك ثغرة واحدة لمن أوقع بهم من الفاسدين. تحقيق على مستوى رفيع من الإنسانية والمهنية التي جعلت من أنس أريمياو أنس الصحفي الأبرز في القارة في هذه الحقبة. تُرى كم أنسًا نحتاج في عالمنا العربي؟