الزنجية أو الزنوجة (Negro) هي إطار للنقد والتنظير الأدبي، طوّره المفكرون والسياسيون المتحدثون بالفرنسية من الشتات الأفريقي في ثلاثينيات القرن العشرين، لزيادة وعي السود في أفريقيا والشتات الأفريقي عموماً، أسّسها الشاعر المارتيكيني «إيمي سيزر»، و«ليوبولد سينغور» وغيرهم.

تنكّر مفكرو الزنجية للاستعمار، وأكّدوا أهمية الشعور بالانتماء لأفريقيا والارتباط بجميع ذوي الأصول الأفريقية في جميع أنحاء العالم. وقد ألهمت الزنوجة حركات عديدة في الشتات الأفريقي. كذلك لكل داع إلى الزنوجة فكره الخاص، لكن فلسفاتها تميزت عموماً بمعارضة الاستعمار واستنكار لا إنسانية أوروبا، ورفض الهيمنة الغربية على الأفكار. وعلى الرغم من أن الزنجية ظهرت بوضوح في القرن العشرين، فإن بذورها تعود إلى القرن التاسع عشر، عندما صدر كتاب «المساواة بين الأعراق البشرية» للأنثروبولوجي الهايتي «أنتينور فيرمين». [1]

أنتينور فيرمين: سيرة ذاتية

يعتبر «جوزيف أوغست أنتينور فيرمين» (1850–1911) عالماً رائداً في الأنثروبولوجيا في القرن التاسع عشر، نشر عمله الرئيسي «المساواة بين الأعراق البشرية (الأنثروبولوجيا الإيجابية)» في باريس في عام 1885، وتم تجاهله إلى حد كبير أو رفضه كنص تأسيسي في الأنثروبولوجيا، وفي عام 2000 تمت ترجمته إلى اللغة الإنجليزية من قبل الباحث الهايتي «أسلين تشارلز» Asselin Charles باسم «المساواة بين الأعراق البشرية (الأنثروبولوجيا الوضعية)».

تأثر فيرمين بمشاركته في الثورة ضد الرئيس «غيليوم فابر نيكولا جيفرارد» Guillaume Fabre Nicolas Geffrard في عام 1867، والسياسة التي مارسها الحزب الليبرالي، والذي تأسس عام 1878 على يد «لو مسيجر دو نورد» Le Messager du Nord، وقاد حملة غير ناجحة في عام 1879 كمرشح ليبرالي عن الحزب في البرلمان. ورغم خسارته الانتخابية، تولى فيرمين مناصب سياسية في الحكومة الهايتية، بما في ذلك منصب مفتش المدارس في «كاب هايتيان» ومفوض جمهورية هايتي (سفير) في كاراكاس بفنزويلا، ووزير المالية والتجارة والعلاقات الخارجية في إدارة الرئيس الهايتي «فلوفيل بيبولت» Florvil Hyppolite.

في عام 1883 تم تعيين فيرمين سفيراً لهايتي في فرنسا، وفى عام 1884 تم قبوله في جمعية الأنثروبولوجيا في باريس. عاد فيرمين إلى هايتي عام 1888، وفى عام 1891 -بصفته وزيراً للخارجية جنباً إلى جنب مع فريدريك دوجلاس Frederick Douglass- منع المطالبات الأمريكية لمنطقة مول سان نيكولاس في هايتي.

اعتبر فيرمين تهديداً للحكومة في هايتي بسبب نشاطه السياسي، وعُين سفيراً في باريس قبل أن يعود لفترة وجيزة في عام 1902 كرئيس للثورة الفاشلة التي كانت تتطلع إلى إجراء إصلاحات كبيرة في البنية التحتية المؤسسية والمالية في هايتي. ثم تم نفي فيرمين إلى سانت توماس في جزر فرجن الأمريكية U. S. Virgin، حيث واصل عمله في قضايا منطقة البحر الكاريبي على نطاق أوسع، وذلك قبل أن تحدث ثورة ثانية وأخيرة في هايتي. ومن ثَمَّ شرع فيرمين في قيادة الثورة من جديد في هايتي، ولكن الثورة سُحقت، واضطر إلى العودة إلى سانت توماس، حيث تُوفي بعد بضعة أسابيع فقط في التاسع من سبتمبر/أيلول 1911 عن عمر ناهز الواحد والستين.

المساواة بين الأعراق البشرية

يُخبرنا فيرمين بكلماته الخاصة في مقدمة كتاب «المساواة بين الأعراق البشرية» أنه يريد مناقشة أولئك الذين يُقسِّمون الجنس البشري إلى أعراق أعلى وأدني، حيث كرّس فيرمين كثيراً من النقد لـ«بول توبينارد» Paul Topinard، أحد علماء الأنثروبولوجيا الفيزيائية الفرنسيين، الذي نشر كتابه «عناصر الأنثروبولوجيا العامة» في عام 1885، وهو نفس العام الذي نشر فيه فيرمين كتاب «المساواة بين الأعراق البشرية».

في عمله يُحدد بول توبينارد المبادئ العامة الراسخة للأنثروبولوجيا الفيزيائية الفرنسية في ذلك الوقت، وهي الأفكار العنصرية مُتعددة الجينات، القائمة على المفاهيم الثابتة بيولوجياً للعرق. وقد كانت الاختلافات بين وجهات نظر فيرمين حول الأنثروبولوجيا كتخصص جديد، ووجهات نظره النقدية حول العرق كفئة علمية، وهؤلاء الرعاة الآخرين في الأنثروبولوجيا، دراماتيكية ومهمة.

في الفصل الأول من كتابه يُؤسِّس فيرمين الأنثروبولوجيا باعتبارها أساساً للعلم، مثل التخصص الذي يمكن أن يقدمه إلى أولئك الذين يرغبون في العثور على إجابات للمشكلة الكبيرة المتعلقة بأصل الإنسان وطبيعته ومسألة مكانه. في الخلق؛ تصبح جميع العلوم الأخرى تدريجياً روافد لها. [2]

في المساواة بين الأعراق البشرية يتضح من الفصل الأول، المُكرّس لعلم الأنثروبولوجيا كتخصص، أن رؤية فيرمين لعلم الإنسان هي دراسة شاملة للبشرية مع اتساع محتمل، بحيث تصبح جميع العلوم الأخرى رافده لها. واستعرض فيرمين وأجرى تقييماً نقدياً للتقليد الفلسفي والعلمي الذي شكّل الأنثروبولوجيا الناشئة عن الفيلسوف إيمانويل كانط إلى الدارويني الاجتماعي هربرت سبنسر. وعرّف الأنثروبولوجيا بأنها دراسة الإنسان بأبعاده الجسدية والفكرية والأدبية، كما في أي من العروق المختلفة التي تُشكِّل الجنس البشرى. كما أن هناك تصوراً واسعاً متكاملاً لعلم الأنثروبولوجيا، حيث ميّز بين الإثنوغرافيا –وصف الشعوب– وعلم الأعراق  البشرية (حيث الدراسة المنهجية لهذه الشعوب نفسها من منظور العرق). هذا الاعتراف المبكر بين البيانات الأنثروبولوجية وتحليلها النظري هو السمة المميزة لمساهمة فيرمين. [3]

يأتي دور عالم الأنثروبولوجيا بمجرد أن ينتهي عالم الإثنوغرافيا وعالم الأعراق البشرية من عملهم. الأنثروبولوجيا مقارنة تفصل الإنسان عن الحيوانات الأخرى، التي تتناول الأسئلة الآتية: ما هي الطبيعة الحقيقية للإنسان؟ وإلى أي مدى وتحت أي ظروف يُطوِّر إمكانياته؟ وهل جميع الأجناس البشرية قادرة على الارتقاء إلى نفس المستوى الفكري والأخلاقي؟

خلاصة القول إنه للإجابة على هذه الأسئلة، يجب على علماء الأنثروبولوجيا أن يفعلوا أكثر من مجرد تحديد بعض الترتيب التعسفي للأجناس البشرية وقدراتهم الخاصة. لقد كانت الأنثروبولوجيا هي الفرع الذي يمكن أن يقدم أفضل الإجابات على المشكلة الكبرى المتعلقة بأصل الإنسان وطبيعته ومسألة مكانه في الطبيعة. [4]

الأنثروبولوجيا كعلم وضعي

يمكن التأكيد على أن الفضل في مكافحة العنصرية الأنثروبولوجية الحديثة يعود إلى فيرمين. فقد أسّس فيرمين دراسته العلمية للإنسان وحجته المضادة للبيولوجيا من أجل المساواة بين البشر في الأفكار الوضعية العلمية لـ«أوجست كونت». كتابه بشكل واضح هو بعنوان فرعي «الأنثروبولوجيا الوضعية»، حيث ينحني فيرمين انحناء عميقاً احتراماً لأوجست كونت، ويجادل بأن قضية المساواة العرقية يجب أن تُبنى باستخدام الحقائق العلمية وليس الافتراضات المسبقة حول الاختلاف العرقي أو التأكيدات الفلسفية للاختلاف العنصري.

يمارس فيرمين العلم الوضعي الذي يفحص جداول بيانات الجماجم المقارنة مع ملاحظة مخالفاتها، والوسائل التي تلاعب بها بول بروكا وصمويل مورتون وغيرهما من العلماء العنصريين في ذلك الوقت، عن طريق تكثيف قياسات الجمجمة، مما يسمح لعلماء الأنثروبولوجيا الفيزيائية استخلاص استنتاجاتهم العنصرية المقصودة. بعد تحليل بيانات العلماء المختلفين حول مؤشر الرأس وقياس درجات أشكال الرأس المتفوقة من الرأس العلوي إلى الدماغ السفلى، خلص فيرمين إلى أن هذا المؤشر يوفر لعلماء الأنثروبولوجيا بيانات غير كافية لتقسيم الأجناس إلى مجموعات متميزة. [5]

من وجهة نظر فيرمين لا تفشل قياسات الجماجم فقط، ولكن جميع الأجهزة والتصنيفات الأخرى الأنثروبيومترية، مثل تلك التي تتعامل مع الشعر وتصبغ الجلد، يتم التعامل معها أيضاً من قبل فيرمين على أنها ذاتية (مثل التعسفية في التمييز بين الشعر الصوفي السفلى والشعر المستقيم العلوي)، وجمعيها في نهاية المطاف غير علمية.

فيرمين هو أول منْ وجد أن لون البشرة مع مادة الميلانين المكونة من حبيبات دقيقة تحت البشرة، هي منْ تعطى الجلد الأثيوبي لونه الأسود. خصّص فيرمين ما يقرب من نصف عمله لتحليل نقدي للقياسات البشرية العنصرية والتصنيفات العنصرية التي تدعم عقيدة عدم المساواة بين الأجناس البشرية. يشير نص فيرمين إلى المفهوم الغريب وغير المنطقي لعدم المساواة بين الأعراق. ولم يتردد فيرمين أبداً في طرح حقيقة مساواة العرق الأسود بالأبيض.

على الرغم من رفض الأنثروبولوجيا الفرانكفونية لكتاب فيرمين، فإنه تم ذكره في هايتي وخارج هايتي بين علماء الوحدة الأفريقية ودعاة التحرر، وكانت مساهماته المميزة والرائدة في الأنثروبولوجيا التجريبية والنقدية فيما يتعلق بالعرق والمواضيع الأخرى، لبنة مهمة في تطوير الأنثروبولوجيا الأوروبية وأمريكا الشمالية السائدة في السنوات التكوينية من القرن التاسع عشر، وبالتالي إلى عقود من توطيد ونمو فرع من المعرفة في القرن العشرين.

فيرمين وأمثاله كانوا مصدر إلهام لـ«جين برايس مارس» مؤسس دراسات الإثنولوجيا والفولكلور في هايتي، والذي أعرب عن إعجابه بالإنجازات التي حقّقها الزنوج في الولايات المتحدة، وركّزت بعض المحاضرات العامة الأولى له على المساواة بين الأعراق البشرية، وبدت مثل فيرمين، لدرجة أن الرئيس نورد ألكسيس Nord Alexis اتهم برايس مارس بأنه «فيرمينيست»، وأن حديثة كان مثيراً للفتنة، كان ذلك في عام 1906 في وقت كان فيرمين لا يزال يعارض فيه حكومة ألكسيس من منفى سانت توماس. تم الاعتراف بتأثير فيرمين على برايس مارس في عديد من كتاباته وبخاصة في العمل الأخير من مسيرة برايس مارس الطويلة. [6]

الزنجية والوحدة الأفريقية

حتى نشر كتاب «المساواة بين الأعراق البشرية» باللغة الإنجليزية، تم الاعتراف بفيرمين كرائد في مجال الزنوج والوحدة الأفريقية المبكرة، أكثر من كونه عالم أنثروبولوجيا. على الرغم من أن «جان برايس مارس» عادة ما يعود إليه الفضل في كونه مؤسس «الزنوجة»، وقد أشاد به «ليوبولد سيدار سنجور» زعيم تحرير السنغال وأول رئيس لها، باعتباره «أبو الزنوج»، إلا أنه من المحتمل أن فيرمين وغيره من العقول اللامعة من النخبة الفكرية في القرن التاسع عشر في هايتي، وضعت الأساس لما سيصبح عليه حركة الزنوج، فقد أصبحت هايتي أول جمهورية سوداء في عام 1804 قبل عقود من استعمار أفريقيا في أعقاب مؤتمر برلين في الفترة من 1884 إلى 1885.

في أربعة فصول على الأقل من عشرين فصلاً في كتاب «المساواة بين الأعراق البشرية» تم تناول الدور الرئيسي الذي يؤديه العرق الأسود في تاريخ العالم وحضارته، بما في ذلك: «مصر والحضارة»؛ «سرعة التطور الفكري الأسود في هايتي»؛ «التطور السريع الأسود» و«دور التقدم الأسود في تاريخ الحضارة».

حضر فيرمين المؤتمر الأفريقي الأول في لندن في عام 1900 الذي حضره دوبوا W. E. B. Dubois أيضاً. ولو لم يكن مشغولاً بالسياسة الهايتية ومحاولة أن يصبح رئيساً للحركة الأولى التي انتهت بنفيه في سانت توماس من قبل الرئيس أليكسيس نورد، فربما استمر فيرمين في هذه المشاركة الدولية مع حركة الوحدة الأفريقية الوليدة.

اعترف «كوامي نكروما» زعيم تحرير غانا وأول رئيس لها، بفرمين كرائد للعالم الجديد لعموم أفريقيا، وذلك في خطاب ألقاه في جامعة غانا في سبتمبر/أيلول 1964، حيث قال:

ينبغي ألا ننسى الإسهامات المهمة التي قدمها آخرون في العالم الجديد، مثل أبناء أفريقيا في هايتي، مثل انتينور فيرمين والدكتور جان برايس مارس، وغيرهم في الولايات المتحدة مثل ألكسندر كرومل وكارترج وودسون والدكتور دوبوى.
خطاب ألقاه في الاجتماع الأول لمجلس تحرير الموسوعة الأفريقية – 24 سبتمبر/أيلول 1964 – جامعة غانا). [7]

على الرغم من أن عديداً من المثقفين البيض والسود يرون في برايس مارس أعظم المثقفين الهايتيين، وينسبون إليه لقب «أبو الزنوج»، فإنه لم يعترف بهذا الادعاء على الرغم من أنه عاش حتى القرن العشرين وشهد نهاية الاستعمار الأوروبي في أفريقيا والصعود الأيديولوجي والسياسي للزنجية بعد الاستعمار.

على الرغم من أن «برايس مارس» أسس دراسة علم الأعراق والديانة والفولكلور الهايتي داخل القارة الأفريقية، فإنه رأى الهايتيين كجزء من الإنسانية دون الحاجة إلى «الزنوجة»، ويتوازى هذا مع رآه فيرمين من أن الأعراق متساوية بيولوجياً، وذلك في مقال الالتزام الأخلاقي بأن العقل والروح وكذلك الإنسانية موحدة، استناداً إلى التراث المشترك، وقد كتب في استنتاجاته عن المساواة بين الأعراق البشرية، ما يلي:

بالعودة إلى الحقيقة، سيدركون أن البشر في كل مكان قد وهبوا نفس الصفات والعيوب دون تمييز على أساس اللون أو الشكل التشريحي، فالأعراق متساوية وجميعهم قادرون على الارتقاء إلى أنبل الفضائل وعلى بلوغ أعلى مستوى من التطور الفكري، فهم قادرون بنفس القدر على الوقوع في حالة من الانحطاط الكلى خلال كل الصراعات التي ابتليت وما زالت تبتلي وجود الجنس كله. حقيقة غامضة واحدة تشير نفسها إلى انتباهنا وحقيقية أن هناك سلسلة غير مرئية تربط جميع أعضاء البشرية في دائرة مشتركة. يبدو أنه لكي يزدهر البشر يجب أن يهتم كل منهم بتقدم وسعادة الآخر، وأن يُنمِّى مشاعر الإيثار التي هي أعظم إنجاز لقلب وعقل الإنسان.

إن ملاحظات مارس، بخاصة حول نقد فيرمين لمقاييس الإنسان والجماجم، تُشير إلى أنه لو استجاب العالم إلى أفكاره، لكان من الممكن تجنب مأساة النازية في الحبر العالمية الثانية. [8]

كتب فيرمين بثقة عن أفريقيا القديمة، ولكن القليل من القارة الأفريقية في عصره، ومن الجدير بالذكر أن الكثير من المناطق الأفريقية لم تُستكشف بعد بشكل كامل أو توصف بشكل علمي، وأن مؤتمر برلين الذي قسّم القارة بين القوى الأوروبية الكبرى قد عُقد قبل نشر كتاب «المساواة بين الأعراق البشرية» في عام 1885.

لقد اتسمت أغلب وجهات النظر الأوروبية في أفريقيا بالأساطير والجهل والحكايات عن البشاعة، وقد افتقرت إلى المعرفة الدقيقة بالحاضر والتمسك بما يعطيه العلم. أعلن فيرمين «أريد أن اقتصر على المجالات المعروفة بشكل عام، حيث يمكن إجراء مناقشات جادة بالدليل والتحقق». وبالتالي لجأ إلى ماضي أفريقيا المجيد دعماً لنظريته المناهضة للعنصرية، وكرّس قدراً كبيراً من الاهتمام لوادي النيل القديم، مُعترفاً بالإنجاز الذي حققته النوبة (الذي يشار إليها باسم أثيوبيا)، فضلاً عن مصر الأكثر شهرة، حيث أدرك قبل عصره التنافس بين الحضارتين المنفصلتين ولكن أخويتين. [9]

مصر والزنجية

اعترف فيرمين بأفريقية مصر بالكامل وليست آسيوية كما قال مُحلل رموز الهيروغليفية «جان فرانسوا شامبليون» Jean Francois Champollion، كما أنه أشار إلى النوبة السودانية في كثير من الأحيان كإشارة إلى ميرو Meroe، التي تقع خارج الحدود المصرية الجنوبية، من ممفيس إلى ميرو، في إشارته لأفريقيا القديمة.

بالنسبة لفيرمين، مصر كانت بلد الزنوج والأفارقة السود. لقد سبق العرق الأسود جميع الأعراق الأخرى في بناء الحضارة؛ حيث ظهر الفكر لأول مرة، واستيقظ الذكاء البشري لأول مرة في العرق الأسود. من الآن فصاعداً كلما وُصف السود بالدونية فإنهم لا يحتاجون إلا إلى إجابة واحدة بسيطة ومقتصرة، ذلك أن المعالم الأثرية القديمة في مصر الفاتنة والدافئة من ممفيس إلى ميرو سوف تقوم بالرد، وقد أشاد الإغريق بقدماء المصريين وأبدى الرومان احترامهم لليونانيين وكل أوروبا تُحييهم جميعاً. [10]

إن حجج فيرمين لو كانت معروفة في عصره، لكان من شأنها أن تثير فضيحة إلى حد أنها تمثل انفصالاً عن الأفكار السائدة حول ظلام أفريقيا، يشير هذا الرأي إلى وجود ارتباط وثيق مع الأفكار اللاحقة للشيخ «انتا ديوب» في الأمم الزنجية والثقافة Negrest et Culture، حيث اتخذ ديوب مسلك فيرمين مدافعاً عن الهوية الزنجية، مُشيداً بالزنوج باعتبارهم أصحاب الحضارة المصرية القديمة. [11]

وإن كنا لا نتفق مع فيرمين وديوب حول زنجية الحضارة المصرية القديمة، فبناة مصر الفرعونية هم مصريون من أصل مصري كما قال د. زاهي حواس، الذي له اهتمام كبير بالهوية المصرية، والذي أكد من خلال النظر في دراسات علم الأنثروبولوجيا أنه لا يوجد دليل كاف في محاولة معرفة أصل المصريين، وقد اعتمد في هذا الرأي على اكتشاف «جبّانة» بصعيد مصر على يد «سير فلندرز بترى»، والذي أعتقد أن هؤلاء هم منْ صنعوا الحضارة المصرية، مُدللاً على ذلك بأن النيل يوجد في عديد من الدول الأفريقية، كما أن حالة الجو في تلك البلاد أفضل من مصر، وأغلب هذه الدول تمتلك ثروة طبيعية، ومع ذلك لم تقم حضارة مثل الحضارة المصرية في أي مكان، لذلك اعتبر أن أصل المصريين مصريون. وقد أكد أنه يميل إلى أن منْ أنشأ الحضارة المصرية هم المصريون الذين نشأوا حول نهر النيل. إلا أننا نتفق معهم بأن مصر أفريقية تطل على القارة الأوروبية والآسيوية، فهبة الله لمصر أن جعلها ذات موقع جغرافي مميز. [12]

تُوفي فيرمين عام 1911، عن عمر يناهز 61 عاماً، في المنفى في سانت توماس، بعد مسيرة سياسية نبيلة لكنها فاشلة في هايتي. مثّلت أفكار فيرمين نوعاً من الكتابة الهدّامة في أواخر القرن التاسع عشر، وذلك في مواجهة الفكر الفرنسي والفرانكوفوني، وكانت هذه الأفكار رائدة في مناهضة العنصرية، وقدّمت رؤية نقدية وتقدمية مبكرة للأنثروبولوجيا، ومع ذلك فإن كلماته الأخيرة إلى معاصريه وإلى الأجيال الحالية، بغض النظر عن العرق، حول المساواة والمحبة العالمية. حيث يقول:

إن عقيدة المساواة بين الأجناس البشرية التي تكرس هذه الأفكار العقلانية تصبح مذهب تجديد ومفيدة للغاية من أجل التطور المتناسق للجنس البشري، فهي في النهاية تُذكِّرنا بأجمل فكرة قالها عبقري عظيم «كل إنسان إنسان» وأحلى تعليمات إلهية «أحبوا بعضكم بعضاً». [13]
المراجع
  1. بمبا، أدم. (2018). ” الثقافة الأفريقية مؤثرات واتجاهات”. قراءات أفريقية: العدد 36. ص 108.
  2. Firmin, Anténor. (2000).”The Equality of the Human Races”. Translated by Asselin Charles, Introduced by Carolyn Fluehr-Lobban, New York: Garland Press. 2000. Urbana and Chicago: University of Illinois Press. P. 2, 3, 4.
  3. Firmin, Anténor. (2000).”The Equality of the Human Races”. Translated by Asselin Charles, Introduced by Carolyn Fluehr-Lobban, New York: Garland Press. 2000. Urbana and Chicago: University of Illinois Press. P.3, 10.
  4. Ibid, P.2, 12, 13.
  5. Ibid, p. 100.
  6. Shannon, Magdaline W. (1996). “Jean Price-Mars, the Haitian Elite and the American Occupation”. Pp. 21,163.
  7. Price-Mars, Jean. (1990). “So Spoke the Uncle”. Translated by Magdaline Shannon, Washington, D.C.: Three Continents Press.
  8. Ibid, p. 148.
  9. Firmin, Anténor. P. 401.
  10. Ibid, p. 225, 252.
  11. حامد (دعاء، عبد النبي). (2022). “الهوية الزنجية ونقد العقل الزنجي، دراسة مقارنة بين الشيخ أنتا ديوب وأشيل مبيمبي”. (رسالة ماجستير غير منشوره)، قسم الفلسفة كلية الآداب جامعة القاهرة.
  12. أحمد (إيمان، عبد العظيم سيد). (2016). “الفرعونية في الفكر السياسي للشيخ أنتا ديوب، دراسة في الهوية الافريقية لمصر”. (رسالة ماجستير منشوره)، جامعة القاهرة. ص 144.
  13. Firmin, Anténor. P. 450,451.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.