قديمًا قالوا إن الذكي هو من يستطيع أن يجيب على الأسئلة، لكن الحكيم هو من يستطيع أن يسأل. وقيل أيضًا من يسأل يكون أحمق لدقائق، ومن لا يسأل يظل أحمق إلى الأبد. تعلمنًا أيضاً أن حل أي مشكلة لابد أن يبدأ بطرح عدة أسئلة (ما هي المشكلة؟ وما هي أسبابها وكيفية الوصول إلى حلها؟) لأننا تعلمنا كذلك أن السؤال هو نصف الإجابة. نظن أننا تعلمنا الكثير لكننا تعلمنا لهدف أبعد ما يكون عن مغزى العلم، الحق أننا نبالغ بقولنا إننا تعلمنا لأننا لم نتعلم شيئًا على الأرجح بل تم تحفيظنا مؤقتًا، حتى يتسنى لنا قيء ما حفظناه على ورقة إجابة تحدد مستقبلنا ثم نمحو ما حفظناه من الذاكرة كأنه لم يكن، وهذا أحد أركان مشكلتنا الكبرى التي نحن بصددها الآن.

لا شك أن المشكلة الأعمق والأخطر على أمتنا العربية هي تذيلنا ركب البشرية، هذه المعضلة التي لم يُعثر لها على حل منذ عدة قرون، شهدت صعود دول وتأسيس حضارات، لمعت أنساق فلسفية وخبت أخرى، تصدرت مذاهب وانزوت بعد إخفاقها أخرى، تمخض الفكر الإنساني عن سيل من الابتكارات والاختراعات، ظهرت تكتلات وتفككت اتحادات، تسيدت العالم اقتصاديات وانهارت كيانات، تغيرت ملامح عالمنا مرات ومرات وما زلنا نحن كما نحن، لا نضيف جديدًا إلى رصيد تراثنا البشري اللهم إلا مساهمات فردية من بعض نوابغنا توفرت لهم سبل النجاح، انتزعها بعضهم انتزاعًا أو تحصّل عليها أغلبهم خارج حدود أمتنا، لكننا مع ذلك احتفظنا بنصيب الأسد من المآسي؛ فكان لنا النسبة الأكبر من ضحايا الحروب والمجاعات، والعنف والتهجير القسري على أساس المعتقد والتوجه الأيديولوجي.

تذيلنا الأمم، لكننا أسهمنا بشكل كبير في صعود أمم أخرى على أعناقنا بنزعتنا الاستهلاكية؛ فأصبحنا سوقًا رائجًا لمنتجاتهم ولا سيما السلاح، حتى يتسنى لنا تمزيق بعضنا بعضًا لنكون بمثابة الوقود في هذا العالم نحترق نحن من أجل دفعه إلى الأمام!


إحياء الفكر الأوروبي

إن الأعمال الفنية والفكرية والفلسفية بمثابة الإلهام الذي يدفع الفرد للتحرر من قيوده الثقافية وموروثاته الاجتماعية التي تكبله بقوالب التكرار والتقليد.

إن المتأمل لمراحل تطور ونهضة الأمم لا يخالجه أدنى شك أن هذه النهضة إنما كانت نتاجًا لعديد من المقدمات، فلم يكن حادثًا عرضيًا أن تنتقل أوروبا من العصور الوسطى أو ما تسمى بعصور الظلام حيث الجهل ومحاكم التفتيش إلى عصر الثورة الصناعية والثورة الفرنسية -قمة المجد الأوروبي-؛ ذلك لأنها مرت بعصر النهضة وعصر التنوير حيث الفن والفكر والإبداع.

تقدمت أوروبا عندما تحررت من الخرافات وسلطة رجال الدين وقدمت رجال الفكر والإبداع، فها هو واحد من أنجب أبنائها «فولتير» الفيلسوف الفرنسي الذي أفنى حياته معاديًا للخرافات وسلطة الكنيسة ومدافعًا عن الحريات والمساواة وكرامة الإنسان، عند وفاته رفضت السلطات دفنه بمقابر المسيحيين في باريس باعتباره مغضوبًا عليه، لكن في عام 1791 أجبرت الجمعية الوطنية – التي تألفت بعد نجاح الثورة الفرنسية – لويس السادس عشر على نقل رفاته إلى مدفن عظماء الأمة، وقام بحراسة رفاته أثناء مروره بباريس طابور من مائة ألف شخص بينما شيعه ستمائة ألف شخص وكتب على العربة التي حملت جثمانه هذه الكلمات:

لقد أعطى فولتير العقل قوة دافعة عظيمة، وأعدّنا وهيأنا للحرية.

إن القاعدة التي ترتقى إلى اليقين الذي لا شك فيه كالثابت الرياضي باي π – ط هي أنه لا تقدم لأمة بدون فكر وفن وإبداع، فإذا اتخذنا الفن كشاهد وكأحد أوجه الفكر سنرى النقوش والرسومات الفرعونية بارعة الجمال والتماثيل بالغة الدقة والإتقان مقدمة لما ستفرزه الحضارة الفرعونية العظيمة التي احتضنت الرسامين والنحاتين الموهوبين، فما كان إلا أن انعكس ذلك الاحتفاء وهذه الرعاية للمواهب على شتى المجالات فكان التقدم الفلكي والرياضي والهندسي والطبي.. إلخ، تقابلها حديثًا رسومات «ميكيلانجيلو» و«دافنشي» وموسيقى الباروك كمقدمة لنهضة أوروبا، فكانت الثورة الصناعية ودخول عصر الطاقة والكهرباء وموجات الراديو.

إن الأعمال الفنية والفكرية والفلسفية بمثابة الإلهام الذي يدفع الفرد للتحرر من قيوده الثقافية وموروثاته الاجتماعية التي تكبله بقوالب التكرار والتقليد. إن الفكرة هي الحجر الذي يحطم ركود المياه الراقدة، فقوانين الجاذبية بدأت بفكرة خطرت في عقل «نيوتن» بعد السقوط الشهير للتفاحة، ثم بُني عليه علم كامل تطور بتطور الأفكار ونضجها من الفيزياء الكلاسيكية إلى فيزياء الكوانتم، كذلك العلوم الطبيعية والتطبيقية بدأ كل منها بخاطرة وفكرة تطورت وتراكم عليها مزيد من الأفكار التي أصبحت مع الزمن نظريات بعد اتباع نظم المنهج العلمي بأساليبه العقلانية المختلفة كالتجربة والمشاهدة والقياس والاستنباط.

كذلك الأفكار والآراء السياسية والفلسفية، فلم تكن الثورة الفرنسية لترى النور بدون تمهيد من فلاسفة عصر التنوير أمثال «ديكارت» و«كانط» و«باروخ سبينوزا» و«مونتسكيو» و«جون لوك» و«توماس هوبز» و«جان جاك روسو» و«ديفيد هيوم» و«فولتير»، هذه الأسماء وغيرها التي صاغت أفكارهم تصور للنمط المؤسسي الذي نعيش تحت إدارته الآن، وغيرت شكل النظامي السياسي في العالم إلى الأبد، فلم نكن لنسمع عن العقد الاجتماعي والدساتير والحقوق المدنية والسياسية والفصل بين السلطات والمجالس النيابية والحريات العامة ومواثيق حقوق الإنسان بدون أفكار وأطروحات هؤلاء الفلاسفة والمفكرين.


تأثير الفكر الألماني

لا عجب أن نرى ألمانيا اليوم في مصاف الدول الصناعية في أوروبا والعالم بما أنها تحتفل كل عام بذكرى ميلاد اثنين من أنبغ أبنائها وأكثرهم تأثيرًا في الأدب والفلسفة، لتصادف مولدهما معًا في نفس الشهر، وهما «يوهان جوته» و«فريدريك هيجل».

لا عجب أيضًا أن الحرب التي غيرت مصير العالم كانت شرارتها نتاج أفكار أحد قادتها، تلك الأفكار التي يقال إنه اكتسبها من فلاسفة ألمان أيضًا أمثال «فريدريك نيتشه» و«شوبنهار»، فالأول دعا للإنسان الأعلى القوي المهيمن المتجاوز للأخلاق والأعراف التي اعتبرها ملاذ العبيد والضعفاء يواري ضعفهم، والثاني يعتبر الإرادة الإنسانية جوهر الوجود، فقيل إن«هتلر» اكتسب من تلك الأفكار النيتشوية مبرره لسيادة الجنس الآري على العالم باعتباره الجنس الأرقى مكونًا الأمة المتفوقة التي تعلي الإرادة والقوة، رغم بشاعة هذا التوظيف للأفكار ورغم تشكيك الكثيرين في هذا الطرح إلا أنه لا أحد ينكر قوة تأثير الفكر الألماني على العالم، وإذا تحدثنا عن تأثير «كارل ماركس» وحده لن تكفينا عشرات المجلدات.

على ذكر سوء توظيف الأفكار الألمانية، فقد تفطن المفكرون الصهاينة قبل تأسيسهم لدولتهم المزعومة لهذه النقطة مع علمهم بطبيعية ديانتهم وميول رجال الدين الأصولية، هذا ما دفع الكاتب اليهودي الروسي الأصل وأحد أعضاء المنظمة الصهيونية التي كانت تعقد مؤتمراتها الدورية في أوروبا في بدايات القرن العشرين؛ أي قبل نصف قرن من تأسيس ما يسمى دولة «إسرائيل» ويدعى «آحاد هعام» إلى طرح نظريته الخاصة، وأطلق عليها اسم «الصهيونية الثقافية»، والتي تهدف إلى بعث وتحديث الثقافة اليهودية التقليدية حتى تتمكن من مواكبة العصر الحديث، فاقترح إنشاء مركز ثقافي في فلسطين يسبق تأسيس الدولة اليهودية ليكون مركزًا للأمة تستطيع روحها أن تظهر وتتطور من خلاله على أسس عصرية، فتنمو الهوية اليهودية في كنفه بعد إزالة الشوائب منها نتيجة سنوات طويلة من الشتات قاطعًا بذلك الطريق على رجال الدين، فكانت الغلبة السياسية لهؤلاء الكتاب والمفكرين، وكان له ما أراد.

المعتقدات المترسخة في الثقافة اليهودية عن فكرة الشعب المختار قد لبست ثوبًا عصريًا جديدًا فتغلفت فكرة شعب الله المختار بغلاف فكرة الأمة المتفوقة القوية التي اكتسبها آحاد هعام من الأفكار الألمانية، فظهر هذا الكيان المستعمر الذي لا يتخذ منطقًا إلا منطق القوة والبطش ضاربًا عرض الحائط بالقوانين الدولية والأعراف والقيم الإنسانية.


خاتمة

إن الأفكار مهما بلغ نبلها أو خستها تبقى أثرًا لا يمحى في ذاكرة الإنسانية بمجرد دخولها حيز التنفيذ، ولا يلام المفكر على سوء فهم أو سوء توظيف أفكاره، بل من يلام هو من لا يفكر بالأساس واعتمد على النقل والتكرار.

إن الأفكار مهما بلغ نبلها أو خستها تبقى أثرًا لا يمحى في ذاكرة الإنسانية بمجرد دخولها حيز التنفيذ، ولا يلام المفكر على سوء فهم أو سوء توظيف أفكاره، بل من يلام هو من لا يفكر بالأساس واعتمد على النقل والتكرار.

إن مسيرة التقدم البشري أشبه ما تكون بسيارة لا تتحرك أبدًا ونحن نضغط على مكابحها خوفًا من المرور بعائق يهتز له استقرار ثباتنا أو بالأحرى سُباتنا، لذلك إذا أردنا اللحاق بهذا الركب علينا أن نرفع أقدامنا عن المكابح التي توقف تقدمنا ثم نفكر في كيفية تجاوز تلك العوائق التي نخشاها، ثم في إيجاد ما يدفعنا تدريجيًا للأمام، وهذا لن يحدث إلا بتقديم رجال الفكر، فلا يحق لنا التشكيك في كل رأي أو كل فكرة لمجرد غرابتها، فالإنسان الجاهل هو الذي ينصب العداء لكل ما يجهل وما يراه غريبًا مختلفًا، إن أعظم ما أنتجه الفكر الإنساني كان نتاج آراء جديدة وصادمة مع التصورات القاصرة ولنا من «كوبرنيكوس» خير دليل، هذا العالم الذي اتهمه بالكفر والهرطقة ومنعت وصودرت كتبه لأنه لم يسلم بمركزية الأرض وجاء بطرح جديد يناقض السائد والمسلم به فحطم خرافة طالما اعتبرت زورًا ثوابت دينية فكانت بمثابة حقيقة مطلقة لا تقبل التشكيك.

ذلك الوهم الزائف بامتلاك الحقيقة المطلقة الذي يصيب الأمة بالجمود والتحجر، هذا ما سأتناوله في المقال القادم.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.