محتوى مترجم
المصدر
The National Interest
التاريخ
2016/09/05
الكاتب
بروس ريدل

هذا المقال المُترجم هو قراءة في كتاب جديد صدر مؤخراً، في أغسطس/آب 2016، عن خبير الاستخبارات الإسرائيلي «أوري بار-جوزيف»، بعنوان: «الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل»، والذي يكشف عن أسرار جديدة بخصوص «أشرف مروان».


كان الجاسوس الأفضل على الإطلاق من بين من جندهم الموساد، ورغم ذلك لم يستمع الإسرائيليون إليه، والأسوأ، أن وفاته كانت بسبب الخلافات داخل إسرائيل حول أسباب تجاهل معلوماته. مع العلم، أن إسرائيل لم تكن العميل الوحيد لديه، بل كان يبيع خدماته أيضاً إلى المملكة العربية السعودية.

أشرف مروان، كان صهر الرئيس المصري «جمال عبد الناصر»، ثم صار أحد أهم مستشاري الرئيس أنور السادات. في عام 1970، تواصل مع السفارة الإسرائيلية في لندن، وعرض عليهم العمل لصالح جهاز المخابرات الإسرائيلية. وقد اعتبر الموساد حينها أن مروان سيكون أهم عملائها على الإطلاق، فقد كان رئيس الموساد «تسفي زامير»، يذهب في كثير من الأحيان، لمقابلة مروان بنفسه لاستخلاص المعلومات منه.

كتاب جديد لخبير الاستخبارات الإسرائيلي المخضرم «أوري بار-جوزيف» يحكي قصة «الملاك» – وهو الاسم الرمزي لمروان – بالتفصيل. وهي قصة تجسس على أعلى مستوى.

حيث قام الملاك بتزويد إسرائيل بالخطة المصرية الكاملة للمعركة، من حيث تنظيم القوات المسلحة، والخطط الحربية المصرية لمهاجمة إسرائيل عبر قناة السويس. وكذلك قدّم تفاصيل اجتماعات السادات مع قادة الاتحاد السوفيتي، وتقارير متتابعة بما يصل مصر من شحنات أسلحة سوفيتية.

لكن الخبراء الإسرائيليين في «إدارة الاستخبارات العسكرية»، التي كانت وحدها المسئولة عن إنتاج تقديرات الاستخبارات الوطنية حول ما إذا كانت مصر سوف تذهب إلى الحرب، كانوا على قناعة أن السادات لن يجازف بخوض حرب ضد إسرائيل. فإدارة الاستخبارات كان لديها مفهوم «التخطيط للحرب»، ووفقاً لهذا المفهوم، لم يكن لمصر القدرة على هزيمة إسرائيل بسبب التفوق الجوي الإسرائيلي الساحق، مما يجعل قدوم مصر على الحرب بمثابة انتحار، وبالتالي فإن السادات لن يُحارب.

قبل حرب أكتوبر/تشرين الأول بيوم واحد، اجتمع أشرف مروان برئيس الموساد، وأخبره أن مصر ستهاجم إسرائيل في صباح اليوم التالي.

ولكن الملاك أبلغ إسرائيل في عام 1972 أن السادات بات يدرك أنه ليس لديه خيار سوى الذهاب إلى الحرب، لأن إسرائيل قد أغلقت كافة السبل الدبلوماسية. وعلاوة على ذلك، كان السادات يُخطط لحرب محدودة لكسر الجمود، وليس لحرب شاملة، وبالتالي كان مفهوم الحرب لدى الاستخبارات الإسرائيلية غير دقيق.

في أغسطس/أب 1973، قال مروان لزامير أن السادات كان قد سافر إلى المملكة العربية السعودية للقاء الملك فيصل. وقال السادات لفيصل، في اجتماع جمعهما فقط بجانب مروان، أنه سيهاجم إسرائيل مع سوريا خلال الخريف. ووعد فيصل السادات بأن المملكة سوف تفرض حظراً نفطياً على الولايات المتحدة، إذا ما قامت بفتح خطوط الإمداد إلى إسرائيل. حيث كان حظر النفط هو آخر أسلحة العرب.

قامت إسرائيل باطلاع الإدارة الأمريكية برئاسة نيكسون على تقارير الملاك، ويبدو أن وزير الخارجية «هنري كيسنجر» قد تجاهل التحذير بأن العرب يجهزون لاستخدام سلاح النفط. وقد أظهرت تقارير أخرى أن هذا التحذير لم يكن الوحيد الذي تجاهله كيسنجر.

وفي الوقت ذاته، رفض جنرالات إسرائيل التخلي عن مفهومهم. وعندما بدأت غيوم حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973 في التجمع، أصرت إدارة الاستخبارات العسكرية أنه لا يوجد ما يدعو للقلق، وأقنعوا وزير الدفاع «موشيه ديان» أن الحرب ليست وشيكة. حتى عندما بدأ الروس في إجلاء جماعي عاجل لمستشاريهم المدنيين في مصر وسوريا، قال رئيس إدارة الاستخبارات العسكرية «إيلي زعيرا» أنه لا يوجد أي سبب لتوقع حرب قادمة.

قبل يوم واحد من هجوم السادات، استدعى الملاك زامير إلى لندن على وجه السرعة، ليخبره بأن الهجوم سيكون في 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973، يوم الغفران في إسرائيل. في صباح اليوم التالي فقط، بدأت إسرائيل في عملية تعبئة الجيش. فإذا كان الجيش قد استمع إلى مروان في الأشهر التي سبقت أكتوبر/تشرين الأول، كان يمكن أن يستعد بشكل أفضل بكثير.

ورغم أنه جاء في اللحظات الأخير، إلا أن تحذير لندن، ربما يكون قد أنقذ إسرائيل من فقدان مرتفعات الجولان، وأنقذها كذلك من كارثة أسوأ مما حدثت فعلاً.

لماذا فعل ذلك؟ لماذا يقوم شاب مصري يبلغ من العمر التاسعة والعشرين، وهو متزوج من ابنة أعظم بطل في بلاده، بخيانة وطنه لصالح أكبر أعدائه؟

كان المال جزءًا من هذه القصة. حيث دفع الموساد لمروان ما يزيد عن مليون دولار، مما ساعده على أن يصبح رجل غني جداً. «الأنا» كانت جزءًا أيضاً، حيث شعر مروان بأنه اللاعب المحوري في الصراع الأكثر خطورة في العالم، فكان يتمتع بالتشويق في كل شيء.

عمل أشرف مروان لصالح المخابرات السعودية، وتلقى منهم مبالغ مالية أكبر بكثير مما تلقاه من الموساد.

يدّعي «بار-جوزيف» أن الموساد لم تكن الجهة الوحيدة التي تدفع لمروان. حيث رأى جهاز المخابرات السعودية في مروان عميل مفيد وفاعل لهم في القاهرة. «كمال أدهم»، رئيس المخابرات السعودية، وصهر الملك فيصل، كان يدفع لمروان أكثر من الموساد في عقود مربحة وصفقات أخرى. حيث أن وجوده في قمة أغسطس/آب 1973 الحاسمة، انعكاس للثقة المفرطة من جانب المملكة العربية السعودية في أشرف مروان. وهي، بطبيعة الحال، لم يكن لديها أدنى فكرة أنه كان عميلاً لإسرائيل. وفي المقابل، فإن قدرة مروان على الوصول إلى العائلة المالكة في السعودية مثّل رصيد كبير لدى الإسرائيليين.

بعد الحرب، خاضت وكالات التجسس الإسرائيلية حرباً أخرى حول من يتحمل مسئولية عدم الاستماع لتحذيرات الحرب في أكتوبر/تشرين الأول عام 1973. مع العلم، أنه إذا كانت الحروب بين الجواسيس قاتلة، فإن الحروب بين الجواسيس السابقين على «لعبة اللوم» هي أكثر فتكاً.

في محاولة يائسة منه، حاول زعيرا تشويه مروان، ووصفه بالعميل المزدوج، ليعفي إدارة الاستخبارات العسكرية من إهمال جسيم. تدريجياً، تم كشف معلومات لوسائل الإعلام، عن أهم عميل للموساد، والتي كشفت هوية أشرف مروان، حتى أن زامير حاول حماية مروان من الذهاب إلى المحكمة.

وبحلول عام 2007 كان الوقت قد فات. توفى مروان، بعد أن سقط، أو تم دفعه، من شرفة منزله بلندن. وكان التحقيق من قبل شرطة سكوتلاند يارد روتيني، وخلص إلى أنه إما انتحار أو قتل من قبل مصادر غير معروفة.

بالنسبة للموساد، إن الكشف عن أفضل عملاء ومصادر المنظمة من قبل ضابط مخابرات إسرائيلي سابق، هو كارثة لا يمكن أن تستمر. ففي المستقبل، يجب أن يتم التفكير طويلاً وبشكل جدي، حول إذا ما كان الموساد قادر على صيانة أسراره.