لم تكد تخمد احتفالات الكثيرين حول العالم، وفي الشرق الأوسط المحتقن بالدماء والصراع واللهب، بحلول العام الميلادي الجديد 2020، وما تخلَّلها من تمنياتٍ جُزافية بأن يكون العام الجديد أفضل من سابقيه، حتى استيقظ العالم على تطورٍ سياسيٍّ وعسكري خطير كانت ساحته العاصمة العراقية بغداد التي لا تعرف الاستقرار منذ عقود.

صباح الجمعة 3 يناير (كانون الثاني) 2020م، اغتالتْ الصواريخ الأمريكية في محيط مطار بغداد الجنرالَ الإيراني الشهير قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، مهندس الأذرع الإيرانية الخارجية في ميادين الشرق الأوسط الملتهبة، والذي لا يبالغ البعض في اعتباره يتحكم بشكلٍ أو بآخر في 4 عواصم عربية، هي دمشق وبيروت وصنعاء، وبالطبع بغداد التي كان الرجل فيها على هذا الموعد القاسي مع القدر. 

لأكثر من 20 عامًا، قاد قاسم سليماني فيلق القدس الإيراني، وأدار أكثر الملفات الإيرانية حساسية في المنطقة، وعلى رأسها ملف دعم النظام السوري ضد الثورة التي اندلعت عام 2011م، وكذلك ملف دعم فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة، وتطوير قدرات حزب الله اللبناني المسيطر بشكلٍ كبير في لبنان سياسيًّا وأمنيًّا، وكذلك جماعة الحوثيين المهيمنة على اليمن منذ 5 سنوات، وأصبحت بالدعم الإيراني قوة إقليمية لا يستهان بها.

ليست تلك هي المرة الأولى التي يتجاور فيها اسم الرجل وكلمة اغتيال، فمنذ حوالي 3 أشهر -أكتوبر/ تشرين الأول 2019- تحدثت مصادر استخبارية إيرانية عن محاولة – أُفشِلَتْ – لاغتيال سليماني بقنبلة زنتها 500 كجم في مدينة كرمان الإيرانية، واتهم الإيرانيون أجهزة استخبارات إسرائيلية وعربية بتدبير تلك المحاولة. 

اليوم لم تكن محاولة اغتيال مجهولة، ولا فاشلة بالطبع. أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية مسؤوليتها الكاملة عن عملية الاغتيال، وذكر البنتاجون في تصريحٍ رسمي أن الاغتيال نُفِّذَ وفقَ أمرٍ مباشر من الرئيس الأمريكي ترامب، وذلك لحماية الأفراد الأمريكيين في الخارج من خطط كان يضمرها سليماني لاستهداف المصالح الأمريكية، جاء هذا في أعقاب أجواء الاحتقان في العراق بعد الغارات الأمريكية ضد ميليشيات عراقية موالية لإيران، والتي تبعها حصار أفراد لتلك الميليشيات للسفارة الأمريكية ببغداد، واقتحام ساحتها الخارجية.

ما تزال التداعيات والتوابع الأولى للزلزال تتوالى. أعلن مجلس الأمن القومي الإيراني أن الولايات المتحدة هي المسؤولة عن كل تبعات هذا العمل، وأن الرد الإيراني سيكون ثقيلًا، وأن كل المصالح الأمريكية خاصة في الشرق الأوسط في نطاق الاستهداف. أما غالبية ردود الفعل الإقليمية والدولية فقد اتسمت بالتحفظ ودعوة الطرفين لضبط النفس، بينما أدانت معظم المواقف العراقية ما حدث.

https://www.facebook.com/aljazeerachannel/photos/a.10150093989184893/10158430597429893/?type=3&theater

يترقب الجميع ما ستحمله الأيام والأسابيع والشهور القادمة من تداعياتٍ سياسية وعسكرية واقتصادية لهذا الحدث، لكن في تلك العملية جانب رمزي بارز، يفيدنا تسليط الضوء عليه في التعرف على صميم ما تحمله الرؤية الأمريكية الاستراتيجية تجاه إيران كمنافسٍ إقليميٍّ عتيد، وكنظام سياسي متمرد.

اقرأ: تسريبات التايمز: كيف تتحكم إيران في العراق دون أن تحكمه؟

اغتيال مكتظُّ بالرمزية .. قريحة العم سام النارية

https://www.facebook.com/aljazeerachannel/videos/474516689917004/?__xts__[0]=68.ARAzl5LAhiZ9PidzUOleFniqg7Xg3cgM3TNigiEt5jdSY2HeORQJ-hKLfCjFu1LfvZi-z9q4D-09tzPhe8TmVyLDYVhISmpMKCfFphtYEO3B4dGATF91lubUns9IGu_Cc4y-XkmljDax7lvijppkQh7OGKsWtSMna_VmDTaHPyYle9XliHtlaHpGeGG_xw9rFyrFbvfMQejusTvPTpqg-nqaXyqUAeDztbDCe6slEOYUzD7Sub-4tPG7rrLUScsj89h3oSY7fKRaARzQDnHglwUc5ojDf_DcmnBlKgC61olJL3v67ELR_nAqzLXUweSmFqk3_CBOcAR9dasJ5TsVFcox&__tn__=-R

لو أردنا أن نستلهم أسلوب نقاد الأدب والمهتمين به في البحث عن مواطن الجمال، وخفايا الأساليب والمعاني الشعرية والأدبية، في النظر من خلال زاوية الرمزيات إلى عملية الاغتيال تلك، فسنجد رصيدًا وافرًا من تلك الرمزية، خاصة في مكان التنفيذ، وبالطبع الشخصية المستهدف ثقيلة الرمزية، وأيضًا طريقة التنفيذ.

بالنسبة للمكان، فهو بغداد، عاصمة العراق، أبرز ساحات التقاطع والتنافس بين القطبيْن، العالمي والإقليمي. رغم خصومة النظام الإيراني مع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، فإن الإيرانيين لم ينظروا بإيجابية إلى الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م، لكنهم مع ذلك اهتبلوا الفرصة في عدة أصعدة. فدعموا الأطراف الشيعية الموالية لهم للحصول على الجانب الأكبر من الكعكة السياسية والاقتصادية في عراق ما بعد صدام، كما دعموا بشكلٍ غير مباشر حرب الاستنزاف ضد القوات الأمريكية، حيث تسرَّب الكثير من الوثائق التي تثبت ضلوع نظام الأسد في سوريا، أهم حلفاء إيران في المنطقة، في تسهيل دخول الجهاديين إلى العراق. 

مع انحسار الوجود العسكري الأمريكي الضخم تدريجيًّا، خاصة في عهد الرئيس الأمريكي أوباما، والذي كان أكثر ميلًا للتفاهم السياسي مع إيران، هيمنت الأحزاب الشيعية المدعومة من إيران على بغداد سياسة وأمنًا، وأصبح الحضور الإيراني أكثر بروزًا من الأمريكي. وبعد زلزال 2014م، بالتمدد الكبير لداعش، واحتلال أكثر من ثلث العراق، استغلَّت إيران الفرصة، ورسخت وجودًا عسكريًّا مواليًا لها عبر ميليشيات الحشد الشعبي، التي شاركت بدورٍ كبير في العمليات العسكرية التي استهدفت المدن العراقية الخاضعة لداعش. 

بعد مجيء ترامب، الأكثر يمينية، والأبعد عن التفاهم مع إيران، والأكثر ميلًا لرؤية حلفاء الشرق الأوسط المعادين لإيران – إسرائيل والخليج – أصبح الصدام مع إيران في الساحة العراقية وغيرها حتميًّا، فاستمرار الهيمنة الإيرانية على بلدٍ استراتيجي استثمرت فيه الولايات المتحدة المال والدم من أجل مصالحها، ليس مقبولًا، فلا عجب أن تُختار تلك الساحة تحديدًا لتنفيذ الاغتيال، رغم الوجود الأمريكي في سوريا – مثلًا – الساحة التي كثيرًا ما يتواجد فيها سليماني.

أما الشخص -قاسم سليماني- فباغتياله خارج إيران، لا تخفى الرمزية الثقيلة في التأكيد على السعي الأمريكي الجدي في سبيل قطع -أو تحجيم- الأذرع الإيرانية الخارجية الممتدة في اتجاهاتٍ عديدة في الشرق الأوسط، والتي كانت خيوطها كاملة بيد سليماني، وأن ضبط النفس الأمريكي النسبي – كما حدث في أعقاب إسقاط إيران لطائرة تجسس أمريكية باهظة قبل أشهر – والاكتفاء بالضغط العقوباتي الاقتصادي ضد إيران، لم يعد المسار الوحيد لاحتواء هذا الخصم الإقليمي العنيد.

وبالنسبة لوسيلة الاغتيال، بالصواريخ الأمريكية، وفي العلن، ودون مواربة، فهي تذكير متكرر بالذراع الطولى الأمريكية فوق كل الأذرعة الإقليمية والدولية الأخرى، وترسيخ متجدد لفكرة الهيمنة الأمريكية في العالم أحادي القطب ما بعد انتهاء الحرب الباردة.

إيران الشاه التي ما تزال تداعب الأحلام الأمريكية

يتصف نظام الثورة الإسلامية في إيران، وكبار صانعي السياسة والفعل في طهران، بمقادير بارزة من البراجماتية الاستثنائية، والتي سمحت للولايات المتحدة الأمريكية – رغم العداء الظاهري والحقيقي – أن تجد مساحاتٍ للتلاقي معهم على مصالح جزئية أو كلية مشتركة.

حدث هذا في الثمانينيات فيما عُرِف بفضيحة إيران – كونترا، عندما باعت الولايات المتحدة بعض الأسلحة النوعية للإيرانيين أثناء الحرب الطاحنة ضد العراق – الحليف الأمريكي آنذاك – مقابل توسُّط إيران للإفراج عن رهائن أمريكيين لدى بعض الميليشيات الشيعية بلبنان. أيضًا في ملف الغزو الأمريكي لأفغانستان، على سبيل المثال، تفاهمت الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بشكلٍ ما ضد الخصم المشترك، حركة طالبان. وفي السنوات الأخيرة شهدنا التكامل المباشر وغير المباشر في احتواء التمدد الضخم لداعش في العراق عام 2014م.، وما تبعه من تأسيس إيران للحشد الشعبي العراقي لمواجهة داعش، ثم الحملات العسكرية العنيفة ضد المدن السنية التي تحصَّنت بها داعش كالموصل والفلوجة، وكان لسليماني دور بارز في هذا الملف.

رغم كل هذا الرصيد من العمل البراجماتي المشترك، فلا ريب أن التخلص من النسخة الحالية من النظام الإيراني هدف استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية، ولحلفائها الأبرز في المنطقة، إسرائيل، والمحور الإماراتي – السعودي في الخليج، فمساحات الاشتباك والتنافس والعداء أحيانًا، هي الأكبر بين نظام الثورة الإيرانية، والرؤية الأمريكية للشرق الأوسط، وفكرة أن نظامًا شرق أوسطي قد أتمَّ عقده الرابع خارج الهيمنة الأمريكية، ويمتلك العديد من الأوراق العسكرية والسياسية القادرة على إيذاء المصالح الأمريكية في المنطقة، واستقرار حلفائها، هي فكرة غير محببة على الإطلاق لصناع القرار الأمريكيين على اختلاف مشاربهم، وتنذر بمخاطر عديدة على التوجهات الأمريكية بعيدة المدى. ولكن أية إيران تطمح الولايات المتحدة الأمريكية أن تراها على الخارطة؟

يعيدُنا هذا السؤال قسرًا إلى النصف الثاني من القرن العشرين، حيث عهد الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي، أحد أبرز حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخ الشرق الأوسط، والذي ثبته الأمريكيون حاكمًا مطلقًا لإيران، بعد أن دعموا انقلابًا عسكريًّا عام 1954م، أطاح بأكبر خصوم الشاه السياسيين، رئيس الوزراء محمد مصدق، والذي أزعج الغرب كثيرًا بمحاولاته الجادة لتأميم النفط الإيراني. 

مثَّل الشاه كل ما تريده الولايات المتحدة الأمريكية من أي نظام إيراني. فهو نظامُ غربي الهوى والثقافة، أي يحمل هوية أيديولوجية صديقة، لا تشكل أي خطر على المصالح الأمريكية. وكان حليفًا عسكريًّا واستخباريًّا عتيدًا للمصالح الأمريكية، ومثَّل شرطيًّا لمنطقة الشرق الأوسط، يشرف على ضمان تدفق نفط الخليج، وحاجزًا أمام تمدد المصالح غير الأمريكية في تلك المنطقة الحسَّاسة، وكذلك لم يكن نظامًا معاديًا لإسرائيل، أهم  حلفاء الولايات المتحدة بالشرق الأوسط.

لكن هل ستنجح الولايات المتحدة في إسقاط النظام الإيراني الحالي، وخلق نظام جديد  يمثل إعادة إنتاجٍ عصرية لشاه إيران الأمريكي؟ يمتلك العم سام أوراقًا قوية يراهن عليها في هذا المجال، منها على سبيل المثال التنوع بين الضغط الاقتصادي الشديد، وكذلك السياسي والعسكري على المقدرات الإيرانية، لدفع الأوضاع الداخلية الهشة للتدهور، فتنفجر احتجاجات شعبية – كما حدث أواخر عام 2019م – تهدد استقرار النظام الإيراني الحالي، أو على الأقل تدفعه للانكفاء داخليًّا أكثر وأكثر، وتقديم التنازلات السياسية والأيديولوجية، والتحول تدريجيًّا إلى نسخة أكثر اقترابًا من النموذج القياسي الأمريكي لإيران أليفة.

الشرق الأوسط الأمريكي

يتحدث الكثيرون عن تضاؤل أهمية الشرق الأوسط تدريجيًّا في الحسابات الأمريكية، خاصةً مع تناقص مركزية نفط الخليج بعد اكتشافات النفط الصخري الأمريكي، ومع رغبة ترامب في عدم التورط خارجيًّا على العادة الأمريكية، لكن تثبت الأحداث – رغم المنطق النظري لتلك الرؤية – أن العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية، والشرق الأوسط، أكثر جذرية مما يتصور البعض، واغتيال قاسم سليماني إثبات متجدد لتلك الحقيقة الراسخة.

هناك ملفات شرق أوسطية لا يمكن التخلي عنها أمريكيًّا، منها مثلًا أمن إسرائيل، والصعوبات التي تواجه تنفيذ صفقة القرن للحل الجذري للقضية الفلسطينية، وترسيخ الوجود الطبيعي لإسرائيل بالمنطقة. وفي هذا الملف تتقاطع بوضوح المصالح الإيرانية والأمريكية. وهناك الملف السوري، والذي وإن تمدد فيه الروس، فقد حرص الأمريكيون على ضمان نصيب ليس بالقليل من كعكته التكتيكية والاستراتيجية والاقتصادية، يفيد المصالح الأمريكية، ويضمن احتواء المصالح المغايرة لها.

وحتى إن أراد الأمريكيون الانسحاب الجزئي من الشرق الأوسط، فالحد الأدنى ألا يسمحوا لغيرهم بالتمدد في الفراغات الكبرى التي قد يتركونها، والسيطرة على الثروات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تكتظ بها تلك المنطقة، والتي إن وقعت تحت أيادٍ معادية للعم سام، فقد يهدد هذا عرش هيمنته المنفردة على العالم.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.