أصاب الجميع التعب وقرروا أن يسعوا للنجاة بأقل قدر من الخسائر في سوريا، هذا ما كشفه اجتماع أستانة الذي عُقد في عاصمة كازخستان يومي 23 و24 يناير/ كانون الأول الجاري، وشاركت فيه لأول مرة أطراف المعارضة وجهًا لوجه مع النظام السوري، وكان الضامنون هم المسيطرون على الأوضاع في هذا البلد، وأقر الجميع بقاعدة «لا حل عسكريًا للأزمة».


ما كشفه بيان أستانة

جاءت مفاوضات أستانة كما هو معلن لتثبيت «اتفاقية وقف إطلاق النار» من أجل إيجاد حل للأزمة السورية، لكنها أثبتت أن الكلمة الآن لروسيا، فهي التي ستحدد توزيع الأدوار والنفوذ، إذ استطاعت تجميع الكل تحت مظلتها لتفرض شروطها، على الرغم من بنود البيان الختامي لاجتماع أستانة التي تبدو في ظاهرها جامعة للأطراف كافة، وأبرز ما فيها:

  • إعادة تأكيد الالتزام بسيادة واستقلالية ووحدة الأراضي السورية، باعتبارها دولة ديمقراطية، متعددة الاثنيات، متعددة الأديان، غير طائفية.
  • ما من حل عسكري للصراع السوري، والصراع يمكن حله فقط من خلال عملية سياسية.
  • استخدام التأثير (روسيا، تركيا، إيران) في مختلف الأطراف لتدعيم حالة وقف إطلاق النار.
  • إنشاء آلية ثلاثية لمراقبة وضمان الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، ومنع وقوع أي استفزازات ووضع الآليات المنظمة لوقف إطلاق النار.
  • إصرار الوفود المشاركة على القتال ضد «داعش» و«النصرة»، على أن يجري فصل مجموعات المعارضة المسلحة منها.

بهذه البنود خرج بيان أستانة بضمانات روسية إيرانية تركية، رغم تضاد مصالحهم لكن الجلوس الآن والوصول إلى تفاهمات أفضل من التمادي في صراع أنهك الجميع وأدركوا أنه لا بديل عن التفاوض.

وفي محاولة من روسيا لعدم إثارة غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والذي تسعى لأن يكون متعاونًا معها، أقرت بأن أستانة ليست بديلًا عن مفاوضات جينيف المقبلة في 8 فبراير/ شباط، التي ترعها الأمم المتحدة. كما أقرت بأنه لا حل للأزمة بدون واشنطن، فهي لا تريد جرها عسكريًا في سوريا خاصة مع إعلان ترامب سعيه لإقامة منطقة آمنة في سوريا.


الأطراف الإقليمية وتحول المواقف

http://gty.im/609244772

تعتبر تركيا وإيران أهم اللاعبين الإقليمين في سوريا، فيما تراجعت أطراف أخرى مثل السعودية وقطر، بعد أن فقدا الكثير من النفوذ، إلى جانب انشغال دول الخليج وخاصة الرياض بحرب اليمن.

وبالنسبة إلى إيران فنجد أنها ذهبت مرغمةً إلى أستانة، فهي تريد استمرار الحرب لتقضي أو تضعف فصائل المعارضة من أجل تأمين نظام طائفي موالٍ لها دون إشراك أطراف أخرى في مستقبل سوريا. وقد دخلت طهران في خلاف علني مع موسكو حتى تصعد القتال، وصل لاتهام روسيا لها بأنها تهدد مفاوضات السلام، في مؤشر على حدوث خلاف حول مستقبل سوريا والترتيبات النهائية، لهذا خشيت طهران الغضب الروسي وانصاعت لرؤية موسكو حاليًا.

وقد أدركت إيران منذ البداية أن التوافق مع روسيا مرحلي وليس دائمًا، ومن أجل ضمان نفوذها في سوريا بدأت منذ دخولها في الصراع تنفيذ مشروع سوريا المفيدة، فقد عملت على تغيير سوريا ديمجرافيًا وتركيز الشيعة في مناطق معينة إلى جانب إحضار شيعة عراقيين ولبنانيين من أجل السكن في المناطق التي كان يقطنها السنة، وتأمين حزام شيعي يصل العراق بلبنان بسوريا وصولًا إليها.

أما تركيا فقد أنهكها انقلاب يوليو/ تموز 2016، فالإجراءات التي اتخذها الرئيس طيب أردوغان أضعفت الجيش والقوات الأمنية، إلى جانب تخوفها من قيام دولة كردية على حدودها بدعم أمريكي وهذا ما جعلها تتوافق مع روسيا عل منع دولة كردية مقابل تغاضيها عن سقوط حلب والضغط على المعارضة من أجل التفاوض.

وبالنسبة إلى السعودية، فقد أصبحت محدودة التأثير في سوريا، واكتفى وزير الخارجية عادل الجبير بالترحيب بنتائج أستانة وذلك في تخلٍ واضح عن ورقة الحسم العسكري ورحيل الأسد، التي لطالما لوحت بها المملكة العربية.

وتبين رضوخها لما يتم من ترتيبات في سوريا وقبولها بسقوط حلب، وضعف دعمها لوكلائها بالداخل السوري، مكتفية بإطلاق حملات الدعم والإغاثة، وذلك لترفع الحرج عن نفسها، ويبدو أن هذا جاء بضغط تركي روسي في إطار التوافق على إضعاف دور إيران في سوريا، فالمملكة لم تُرد من سوريا إلا تقليص الوجود الإيراني، لكن هذا لن يحدث.

واتضح للسعودية أيضًا أنها لن تقدر على الاستمرار في المستنقع السوري في ظل ما تعانيه في اليمن، إلى جانب أنها رأت أن ترامب سيهادن روسيا في سوريا وبالتالي لن تقدر على دعم المعارضة، ولهذا وجدت أن أقل خسارة قد تخرج بها هو وجود تركيا كوكيل لمصالحها في سوريا إلى جانب روسيا التي ستحد من نفوذ طهران.


روسيا تتجنب مصير أمريكا بالعراق

أدركت روسيا أنها لن تتمكن في الاستمرار في المستنقع السوري، فهي تواجه أكثر من قوة دولية وإقليمية، ولابد أن تراعي مصالحهم، وهي الآن ضمنت على الأقل جزءًا من مصالحها، فقد أنشأت قاعدة دائمة في طرطوس، وأجبرت المعارضة على القبول بالنظام وترتب الآن لنظام يتوافق مع مصالحها.

وتريد موسكو عدم تكرار السيناريو الأمريكي بالعراق حيث أسقطت واشنطن نظام صدام بالتعاون مع إيران، والآن أصبحت طهران صاحبة الكلمة الأولى في بغداد، ولهذا أرادت روسيا أن تحرم طهران من بسط سيطرتها على سوريا، لكن ستتعاون معها كوكيل أو شريك بشرط عدم تخطيها، فطهران ستظل الحليف الأول لها في سوريا مهما اختلفا.

ومما يوضح أن روسيا لا تسعى فقط لتثبيت وقف إطلاق النار والاتفاق على محاربة الإرهاب وإنما صياغة المستقبل برمته، كما فعلت أمريكا بالعراق من قبل بدستور «بريمر»،اقترح وزير خارجيتها سيرجي لافروف مشروع دستور لسوريا قائلاً: «مشروع الدستور أخذ بعين الاعتبار ما سمعناه طوال السنوات الماضية من الحكومة والمعارضة ودول المنطقة»، وهذا التصريح يؤكد أن موسكو لن تقدر على تجاوز الأطراف الأخرى سواء الداخلية أو الخارجية.

وأبرز ما جاء في الدستور أنه ألغى عروبة سوريا، وتحديد فترة الرئاسة بمدتين، وتوسيع نمط الحكم اللامركزي، ولدعم المحاصصة أكدت المادة الـ54 على مراعاة التمثيل النسبي لجميع الأطياف الطائفية والقومية في التعيينات الحكومية، لكن روسيا أكدت تمسكها بعلمانية سوريا، فهي لن تقبل بإقامة نظام ديني في سوريا لأنه سيتعارض مع مصالحها، ولكن تريد طمأنة النظام وإيران.

ومع مساعي روسيا لتهيئة الأوضاع سياسيًا وميدانيًا لصالحها، عملت على خلق كيان عسكري يضمن مصالحها مستقبلًا وهو ما تمثل في دعمها لإعلان القيادة العامة للجيش السوري، نوفمبر/ تشرين الثاني2016، وتشكيل فيلق جديد من المقاتلين المتطوعين، باسم «الفيلق الخامس اقتحام»، للقضاء على الإرهاب. إذ رأت موسكو أنه سيوازن نفوذ الميليشيات الإيرانية، فهي تريد أن تضم إليه حوالي 100 ألف من أتباع الأسد، لكنها تريدهم من الموالين لها وليس لطهران وهو ما يقلق الأخيرة.


أستانة: هل هي جنيف آخر؟

تؤكد ظروف ودلالات مفاوضات أستانة أنها لن تكون كسابقاتها مثل «جنيف1» و«جنيف2»، على الرغم من إقرارها بأنها تمهيد للمفاوضات الأممية المقبلة في فبراير/ شباط القادم، فهي جاءت لتؤكد هيمنة روسيا على مجريات الأمور خاصة بعد ما أنجزته من تقدم ميداني وميل العديد من الأطراف إلى موقفها سواء لتوافق المصالح أو للاضطرار بسبب ما تعانيه.

وهذا تمثل في الإقرار الدولي والإقليمي بسيطرتها في سوريا والتغاضي عن انتهاكاتها، مثل دعمها للنظام في استعادة حلب معقل المعارضة الرئيسي، إلى جانب القبول برؤيتها للحل، وظهر ذلك في الدعم الدولي لمؤتمر أستانة، بل ذهب وزير الخارجية البريطاني أبعد من ذلك بالموافقة على بقاء الأسد، والعمل مع روسيا.

ومع تقلد ترامب مفاتيح الأبيض، ومعروف سلفًا موقفه من سوريا، فهو لن يعارض روسيا، وكان الجميع يعول على واشنطن لموازنة روسيا، أما الآن فليس هناك جدوى من ذلك، فمثلًا أقرت السعودية بالأمر الواقع، أما تركيا فانقلبت تمامًا لتتعاون مع روسيا في ضرب التنظيمات الإرهابية (داعش والنصرة)، إلى جانب قبولها بسقوط حلب مقابل منع إقامة دولة كردية.

وختامًا؛ يمكن القول إن الثورة السورية حينما تحولت لحرب أهلية خرجت من أيد أبنائها لتصبح ملعبًا للقوى الإقليمية والدولية، وخرجت الدول العربية منذ البداية من حل الأزمة، وبالتالي أصبح الحل مرهونًا بتوافق المصالح الدولية والإقليمية أكثر من قبول الداخل.