يصعب أن يكون أي منا لم يشاهد فيلم ماتريكس الجزء الأول، درة تاج سينما الإثارة والخيال في التسعينات. في أحد المشاهد الشهيرة لبطل الفيلم نيو بعد وصوله إلى مركبة القيادة، حيث بدأ تدريبه على اكتساب مهاراتٍ أكثر تلائم المهمة الخارقة التي تنتظره، قام طاقم المركبة بتوصيل بعض الأسلاك إلى مجسات خاصة زرعوها برأسه، وقاموا بإدخاله إلى داخل تطبيق حاسوبي ليتدرب عقله في بيئات متنوعة مبرمجة مسبقًا، يتفاعل معها نيو وكأنه في واقع حقيقي ملموس. هذا مثال قريبٌ مبسَّط لما يمكن أن تصل بنا إليه تقنية الواقع الافتراضي virtual reality وشقيقتها تقنية الواقع المعزز augmented reality التي نحن اليوم بصدد الإشارة إلى نقلة حقيقية في طب الجراحة قد نعبر إليها على أكتافها.

ولم الذهاب إلى الماضي بحثًا عن أمثلة ؟! .. منذ عام تقريبًا كنا جميعًا في سباق محموم لاهث في قلب الواقع المعزز الذي خلقته لنا لعبة Pokemon GO الرائعة، فكنا نصطاد البوكيمونات الافتراضية من المدرسة القريبة، والشارع المجاور … الخ.


بين الواقع الافتراضي والواقع المُعزَّز

تهدف كلتا التقنيتيْن إلى إزالة ذلك الحجاب السميك الشفاف بين الواقع والخيال، لكن لكل منهما طريقتها. فتقنية العالم الافتراضي تخلق عالمًا افتراضيًا كاملًا، ثلاثي الأبعاد، يحيط بالمستخدم تمامًا، ويسمح له بالتفاعل معه، وتغييره، والاستفادة منه في الواقع الحقيقي، وإن كان أغلب استخداماتها حتى الآن في مجال الألعاب والتسلية.. أما تقنية الواقع المعزز فهي تبنى على الواقع الحقيقي، وتضيف إليه أجزاءً مُخلَّقة ثلاثية الأبعاد، يمكن أيضًا أن يتفاعل معها المستخدم. وقد شهدنا نقلة نوعية في الاستفادة من كلتا التقنيتَيْن، مع ظهور الأجهزة المحمولة على الرأس، والمستندة إلى تطبيقاتهما، وأشهرها جهاز مايكروسوفت هولولينس Microsoft Hololens والذي ظهرت أولى نسخه منذ عاميْن.

وهذا الفيديو المبسط يوضح بإيجاز كلتا التقنيتيْن..

وهذا الفيديو الدعائي من مايكروسوفت لجهاز هولولينس عند ظهوره في 2015، يوضح بعض إمكانات الواقع المعزز المقدم من خلاله.

https://www.youtube.com/watch?v=xXy7lbs-D48


كيف وصلت هذه التقنيات إلى عالم الجراحة؟

أعلن منذُ أيام عن إجراء أول عملية جراحية بمساعدة تقنية الواقع المعزز في العالم. فقد أجرى الدكتور ونديل جيبي الأخصائي في مجال الأشعة التداخلية على الجهاز العصبي intervention neuroradiology ، والأستاذ المساعد بقسم الأشعة الإكلينيكية بجامعة أريزونا الأمريكية، عملية ناجحة لعلاج انزلاق غضروفي بالفقرات القطنية لأحد المرضى، وذلك باستخدام تطبيق أوبن سايت open sight للواقع المعزز، على جهاز مايكروسوفت هولولينس Microsoft Hololens headgear الذي يخلق مزيجًا من الواقع المعزز والافتراضي أمام عيني المستخدم، بمجرد ارتدائه على رأسه، واستقرار عدساته أمام ناظريْه. جدير بالذكر أن الدكتور ونديل هو المدير التنفيذي لشركة نوفاراد Novarad الرائدة في مجال التقنية الطبية خاصة في تخصصات الأشعة، وهي الشركة المنتجة لتطبيق أوبن سايت. و د. ونديل أيضًا هو الذي قام بتأسيس هذه الشركة في عام 1990، ويقع مقرها في ولاية أوتاه الأمريكية.

تعد هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها جهاز Microsoft Hololens في مجال التطبيقات الطبية الجراحية. وكان دوره مميزًا في المساعدة الفعالة في إجراء هذه الجراحة

وتعد هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها جهاز Microsoft Hololens في مجال التطبيقات الطبية الجراحية. وكان دوره مميزًا في المساعدة الفعالة في إجراء هذه الجراحة – أو للدقة التدخل الجراحي بواسطة تقنيات الأشعة. فقد قام طاقم العمل بإدخال كافة بيانات الأشعات الخاصة بالمريض إلى تطبيق أوبن سايت للواقع المعزز، والمُنصَّب على جهاز الهولولنس. والذي قام من خلال تقنيته الحديثة بمعالجة هذه البيانات، وتحويلها إلى منتج ثلاثي الأبعاد، قابل للتفاعل معه، بواسطة أسلوب الواقع المعزز، ويتم عرضه مباشرة على جسم المريض. فبدلًا من أن ينظر د.ونديل بعينه إلى الفيلم المطبوع أو النسخة الرقمية من أشعة الرنين المغناطيسي على الفقرات القطنية على حاسوبه الشخصي أو جهازه اللوحي.. الخ، وذلك لمعرفة حجم المشكلة، ومكانها المحدد، ليستطيع النفاذ إليه جراحيًا والتعامل معه، بدلًا من ذلك، فإنه يرتدي الهولولينس، ومن خلال تطبيق أوبن سايت، تنعكس صورة هولوجرامية ثلاثية الأبعاد لفقرات المريض القطنية على مكانها في جسمه، على الهواء مباشرة، فلا يرفع عينيه بتاتًا عن مريضه، الذي يصبح حرفيًا أمامه كالكتاب المفتوح. مما يسهل عمله، ويضاعف نسبة الدقة الجراحية، وبالتالي يحسن النتائج، ويقلل المضاعفات.

وقد سجَّلَ طاقم العمل بعض أهم لقطات هذه العملية الرائعة في هذا المقطع المصور، ومدته أقل من دقيقتيْن .. يتحدث د.ونديل في أكثر من نصفه عن سعادته البالغة بهذه النقلة التي أسهمت فيها شركته، وعن مدى تميز هذه التجربة عن تجارب سابقة لاستخدام التقنيات الحديثة في تذليل الصعوبات الجراحية.


أول الغيث قطرة

لاشك أن هذا الاستخدام الجديد لن يقف عند حدود إجراء جراحات العمود الفقري، إنما يمكن تطبيقه في كافة أنواع التخصصات الجراحية مهما بلغت دقتها، وكذلك التدخلات الطبية غير الجراحية كالقسطرة القلبية والمناظير .. الخ.

وكذلك يمكن لطلاب الطب – مثلي – الذي عانوا الأمرَّيْن من طرق التدريس التقليدية للطب خاصة علم التشريح، أن يتخيلوا كيف يمكن أن تخدمهم مثل هذه التقنية، وكيف يمكن لطريقتها التفاعلية الحديثة، الغنية في رسومياتها ثلاثية الأبعاد، أن تمثل لهم تجربة علمية تعلُّمية ممتعة بجانب الفائدة، وكذلك تجنبهم أكثرية التعامل مع الجثث البشرية لفهم واستيعاب الجسم.

وهكذا تصر التكنولوجيا مرارًا وتكرارًا أن تفرض نفسها أكثر في صميم حياتنا، وأدق لحظاتها. وبانتظار المزيد من الإبداع الذي يولي وجهه شطر خدمة الإنسان وراحته.