أعدمت السلطات البحرينية ثلاثة أشخاص، اثنين منهم كانت قد وجهت لهما تهمًا بانتمائهما لجماعات إرهابية، أما الثالث، فأدين في قضية قتل. تحدثت منظمات حقوق الإنسان عن وجود شبهة للإعدام السياسي في حالة المتهمَين علي العرب وأحمد الملالي، فهما ناشطان سياسيان ينتميان للمذهب الشيعي، وحسب هذه المنظمات فإن المتهمين تعرضا لمحاكمة غير عادلة، يشوبها العوار بسبب سوء الإجراءات والتعذيب.

كان علي العرب يبلغ من العمر حين تم اعتقاله في 9 فبراير/شباط 2018 25 عامًا. حينها قامت قوات النظام البحريني باعتقاله، ثم نُقل إلى سجن الحوض الجاف في 7 مارس/ آذار. ظهرت على جسده علامات تعذيب، قبل أن يُحكم عليه بالإعدام في محاكمة جماعية في 31 يناير/ كانون الثاني 2018 ، بينما تم انتزاع جنسيته.

وكان أحمد الملالي يبلغ من العمر 23 عامًا عندما اعتقلته قوات النظام في 9 فبراير/ شباط 2017، في عملية مشتركة مع مديرية التحقيقات الجنائية وقيادة قوات الأمن الخاصة وجهاز الأمن الوطني. في 31 يناير/ كانون الثاني 2018 حُكم عليه بالإعدام وأسقطت عنه الجنسية أيضًا.

تسلط هذه الأحداث الضوء على أزمة البحرين المركبة، فمن ناحية تشير إلى أزمة شرعية النظام الداخلية، ومن ناحية أخرى يمكن قراءة هذا المشهد في ضوء الوضع المشتعل والاستثنائي لدولة البحرين.


لؤلؤة الخليج والبحث عن الشرعية

خضعت البحرين لمنطق الجزر التي تطل على موقع مهم في البحر، كُتب على شعوبها التجارة وصيد اللؤلؤ وكثرة الاحتلال، فمنذ نهاية عهد القرامطة سقطت تحت ربقة الاحتلال البرتغالي، ثم تبدلت السنون فطرد الصفويون البرتغال وضموها إلى أرضهم، وحكمت من خلالهم قرنين كاملين، حتى غزا العتوب ومنهم آل خليفة الجزيرة وحكموها 1783.

لم يثبت حكمهم بسبب خضوعهم لدولة السعودية الأولى، وهجمات البوسعديين في عمان عليهم باستمرار، حتى مجيء البريطانيين وإبرامهم اتفاقيات تعتبر البحرين دولة مستقلة، واعتبارهم في صلح معها عام 1859، يقدم البحرينيون لهم خدمات وتسهيلات المرور والسيطرة على الخليح العربي. كان اعتراف بريطانيا بأهلية البحرين كدولة منفصلة، هو اللحظة الأولى التي ظهرت فيها البحرين كدولة مستقلة في تاريخها، وسياسات بريطانيا في ذلك هو إحكام السيطرة عليها وتقطيع أواصر الساحل المتصالح.

تشكل المجتمع البحريني في القرن الماضي من البحارنة «الشيعة العرب»، العرب «السنة العرب»، العوضية «سنة الفرس»، النجديين «أصولهم لنجد»، العجم «شيعة فُرس»، هنود «دياناتهم متنوعة»، وأخيرًا بعض اليهود. ولا عجب من كثرة التنوع في مجتمع البحرين على الرغم من صغره، فهو ملتقى التجارات في خليج العرب.

تعداد سكان البحرين أكثر من مليون ونصف المليون، يعيشون على مساحة أقل من ربع مساحة القاهرة. يشكل السكان الأصليون منهم 49%، غالبيتهم من الشيعة العرب، ويمثل النظام الحاكم الأسرة الحاكمة وبعض نخب السنة، في حين تغيب الأغلبية عن المشاركة السياسية بسبب وضع الدولة السلطوي والصلب. فرضت الحياة التجارية على التجار منطق التشاركية، فقد ظهرت العديد من المجالس الديموقراطية لإدارة مدينة المنامة منذ عام 1926، إلا أنه بعد اكتشاف النفط في البحرين سنة 1931، وهي أول دولة خليجية اكتُشف فيها النفط، استبدت أسرة آل خليفة بالحكم مقتسمةً ذلك مع نخب محدودة جدًا، مع أن ظاهرة الانتخابات استمرت في أعوام 1934 وحتى 1938، لكن أدى فائض النفط إلى تراجع دور التجار التشاركي.

انتفضت البحرين تزامنًا مع ثورة ظفار سنة 1965 ضد البريطانيين، وفي مطلع السبعينيات منحت بريطانيا الاستقلال لدول الساحل المتصالح، كانت وقتها البحرين ضمن دول الإمارات التسع، إلا أنها انسحبت وأعلنت الاستقلال مبكرًا عن بقية الإمارات. كانت إيران تطالب بأحقيتها في البحرين، ثم توقفت عن مطالبها مقابل تجاوز بريطانيا عن احتلال إيران لجزر أبوموسى وطنب الإماراتية، وذلك لإحكام إيران قبضتها على مضيق هرمز الحيوي.

كونت النخب والقوى المشاركة في انتفاضة 1965م قوة ضغط على الأسرة الحاكمة لإبرام ميثاق يسمح لهم بمشاركة السلطة، انقلب الأمير عيسى بن سلمان آل خليفة على ذلك الاتفاق عام 1975، وحل المجلس الوطني للدستور، وانتهى الحال إلى مزيد من استبعاد المجتمع والدفع به بعيدًا، مما أدى إلى انفجاره من الداخل في التسعينيات. وظل النظام عاجزًا أمام انتفاضة التسعينيات التي استمرت ست سنوات، سقط خلالها 40 قتيلًا غالبيتهم من الشيعة. قادت تلك الاحتجاجات تيارات إسلامية شيعية وليبرالية ويسارية، تمثلت مطالبهم في مشاركة السلطة وتوسيع العملية الانتخابية. أدت هذه الانتفاضة والتي أُعدم بعض رموزها إلى إعلان الميثاق الوطني بعد تولي الأمير الحالي حمد بن عيسى في فبراير/ شباط 2001.

انقلب الأمير الشاب بعد عام على الميثاق، وأعلن التحول إلى ملكية دستورية وتنصيب نفسه ملكًا. أعطى المرأة حقها في التصويت وأعاد المجلس النيابي مرة أخرى، لكنه أخل ببعض شروط الميثاق التي أبرمت مع جمعية الوفاق وتيارات سياسية أخرى، وقاطعت المعارضة الانتخابات في 2002، فأعطى قليلاً وأكدى.

وبعد سنون توالت لم تستطع الدولة توسيع قاعدتها التشاركية مع المجتمع، بل أصبحت تعتمد بشكل أساسي الطائفية شرعية لوجودها، كما أشار تقرير البندر إلى وجود جهاز أمني موازٍ يسعى لتأجيج البعد الطائفي في المجتمع. وفي نهاية المطاف عجز النظام عن مقاومة موجة الربيع في فبراير/ شباط 2011، وانتهى الأمر بالحفاظ على النظام من الخارج عبر قوات درع الجزيرة، لحمايته من انتفاضة شعبية لها مطالب سياسية مباشرة ومحددة، والسيطرة على الشارع بقوة السلاح، وبحسب معلومات البندر فإن النظام البحريني يُمثل نموذجًا للدولة التي تبنى شرعيتها على حالة الاستثناء.


حالة الاستثناء[1]: تأليه الدولة

يمكن تفسير وتحليل إلى أي مدى يمكن أن تصير الأحكام القضائية سلاحًا سياسيًا تستخدمه السلطة التنفيذية في مواجهة الخصوم السياسيين، لكن الحقيقة أن هذا النظام ذو طبيعة مختلفة، فهو نظام «لا يعلق القانون من أجل الحفاظ عليه»[2] وإنما يعلقة ليؤسس على إزاحته النظام نفسه، ثم يسعى إلى تقنينه، ويكون هذا النظام قائمًا على شرعية مفادها تحديد طبقة أو شريحة ما من المواطنين تعتبرهم غير قابلين للاندماج في النظام السياسي [3]، وتعرفهم كآخر لوجودها، فهنا تصبح قاعدة إما وإما هي قاعدة شرعية وقانونية، إما القبول كليًا بالدولة والمنتفعين من وجودها وإما عداوتها، وتعبر حالة الاستثناء تلك في الدول الديموقراطية عن اضمحلال الديموقراطية مع توسع دور السلطة التنفيذية، أما في العالم الثالث، فهي أقرب إلى تقنين الحرب الأهلية وتصحب عادة وضع الدولة الهش من طرف، ومن طرف آخر الثورات المضادة.

وعبر حالة الاستثناء هذه تُعاد صياغة القوانين التي تحوي بموجبها حالة الاستثناء ذاتها، وذلك لتؤدي الوظيفة المرجوة منها. تنعدم المسافات بين السلطات وتتضخم في المقابل السلطة التنفيذية لتمارس دورًا تشريعيًا وآخر قضائيًا [4]، وبالجمع مع مقاربة نزيه الأيوبي [5] حول الدولة الضارية يمكن التوصل إلى عدة استنتاجات لفهم دولة البحرين:

  1. أن الشيعة هم ظل الدولة في البحرين، ولا يمكن للدولة التواجد إلا من خلال حفز الدولة جميعها ضدهم.
  2. أن غياب الحالة الطائفية قد يؤثر بصورة أساسية على استمرار النظام، لذا يسعى لخلقها كما وضح برنامج «ما خفي كان أعظم»، بدفع السلطات الرسمية لتأجيج الوضع الطائفي.
  3. هشاشة الدولة في التغلغل يجب تغطيتها بالحالة القسرية للسيطرة على المجتمع.
  4. أن العداوة مع الإخوان قد تكون أداة جيدة لحفظ وتماسك أجهزة الدولة نفسها، كون البحرين دولة سلطوية، على الرغم من إعلانها ملكية دستورية عام 2002.
  5. تستخدم حالة الاستثناء المتضمنة الاستبداد بطائفة دون أخرى، لإعطاء وضع مركزي للقوة التنفيذية والأمنية على حساب بقية المكونات السياسية.
  6. يمتاز نظام الاستثناء بالحساسية الشديدة من حالة التعددية القانونية أو السياسية، ويسعى عادة لمركزة جميع السلطات.
  7. استغلال حالة الاستثناء يعطي صورة غير واقعية عن تغلغل الدولة ونفاذها، وإعطاء صورة ما وهمية عن تفاعل الدولة مع المجتمع في حين أنها تعاديه.

وفي النهاية من المهم القول، إن المشكلة التي تعاني منها البحرين بالأساس هي مشكلة سياسية وليست طائفيةـ كما يحاول النظام حفز تلك العملية الصراعية، في محاولة منه لحفظ ذاتيته من خلال الهروب إلى الحضن السعودي في مواجهة إيران، وفي الداخل يستخلص شرعيته من موقفه بحماية السنة «الأقلية» في مواجهة الشيعة الأكثرية، في حين ترغب الأكثرية في مشاركتها السلطة.

لذا فإن الإعدامات تستهدف المكون الشيعي، سعيًا لإيجاد إجماع من النخب المتحالفة مع الحاكم، والحفاظ على حالة الاستثناء التي تطيل في عمر النظام، إلا أن هذه الأنظمة في العادة لا تستطيع الحفاظ على الصراعية الطائفية، ويمكن أن تصبح ضحيتها، ومن المؤكد أن الدولة نفسها تواجه المطالبين بالحرية السياسية من السنة بالتعسف والقوة أيضًا، مع العلم أن السنة الأقلية هنالك تتمتع ببعض امتيازات النظام إلى حد ما، وتلجأ الدولة إلى إبراز ذلك للدفع نحو الأزمة الطائفية التي تجيد التعامل معها، وفي هذا السياق تأتي الإعدامات الأخيرة.


* العنوان مقتبس من عنوان الفيلم الأمريكي «one fellow over the cuckoo’s nest»، الذي يناقش إقصائية النظام الأمريكي وسلطويته، وعن الحرية.[1] حالة الاستثناء هي حالة النظام في تعليق القانون لتحقيق مآربه السياسية، ويتحول تدريجيًا هذا الاستثناء إلى قاعدة ويصبح تقنينه أمرًا شائعًا، وبذلك فإن وجود النظام مستمد من هذه الشرعية وفي حالة تخلي النظام عن حالة الاستثناء تلك ينتهى وجوده.[2] يشير بخفة شمت إلى وجوب التفريق في وضع السيادة بين الديكتاتوريات المفوضة والديكتاتوريات المطلقة، وخصوصًا تلك وليدة الثورات المضادة، التي تطرح عملياً قانوناً جديداً ولا تتناول السابق إلا لو أدى وظيفة محددة لنظام شديد التقليدية والمتدفق من جديد، هذا النظام يفرز أطروحات شديدة التهافت مثل طرح (إن لم تكن معنا مطلقاً فأنت ضدنا) هذه الثنائية الركيكة التي تختزل في(إما/وإما)، كذلك تفترض فلسفة الثورة المضادة تلك الخيرية في السلطة طالما وجدت والشر فيما عداها، حتى أن المواطنين هم الكيان الوحيد الذي يمكن أن يكون فاسداً في حين تتنزه السلطة من كل ذلك، راجع كارل شمت، اللاهوت السياسي، فصل عن فلسفة الدولة المضادة لثورة ص63، ترجمة الساحلي والصاروط، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2018.[3] جورجو أغامبيين، حالة الاستثناء الإنسان الحرام 1-2، مدارات للأبحاث والنشر 2015. ص44.[4] إيهاب عبدالعظيم، علاقة الفرد بالسلطة في ظل الظروف الاستثنائية، مؤسسة الطوبجي 2005م.ص197.[5] يشير الأيوبي إلى أن الدولة “الضارية على درجة عالية من التضاد مع المجتمع، ولا تستطيع التعامل معه إلا من خلال القسر، فهي تفقد القدرة على التغلغل سواء من ناحية صلبة كالإدارات الاقتصادية وتوسيع دائرة المنتفعين بالدولة، والتنظيم الملتزم والفاعل أو من خلال الأيديولوجيا، تفقد الدولة كل تلك المقومات فهي تعادي المجتمع ولا تكمله، نزيه الأيوبي، تضخيم الدولة العربية، ترجمة أمجد حسين، مركز دراسات الوحدة العربية 2010، ص881.