بينما كان يسير في الشارع الرئيس في مدينته غارقًا في تأملاته الذاتية وأفكاره الوجودية، شدَّ انتباهه ظاهرة مُلفتة انتزعته من شروده. فلوحات الإعلانات الضخمة التي تحتل أُفق النظر في قلب هذا الشارع تكاد تكون حصريًا إعلاناتٍ عن أطباء جرّاحين يُقدِّمون عروضًا خاصة على جراحات إنقاص الوزن، ويُعدّدون مزاياها وأنها تعالج الضغط والسكر والقلب والجلطات والاكتئاب ومختلف أزمات حياة الإنسان المعاصر.

نظر إلى الجانب المقابل من الشارع، حيث تتراص مطاعم الوجبات السريعة بمختلف أنواعها المُغرية، ثم ألقى نظرةً ذات مغزى إلى جسمه الذي احتلته الدهون الزائدة بشكلٍ شبه كامل. وشعر أن تجاوُرَ هذه المطاعم وتلك الإعلانات عن جراحات السمنة هو كناية عن قدرٍ حتمي، وأنه نفسه لن يلبثَ أن يرقد على سرير العمليات من أجل إجراء واحدة من تلك الجراحات لا سيَّما وقد استهوته الفكرة كثيرًا.

سيستمتع بما يشاء مما لذَّ وطاب من أشهى المأكولات على هذا الجانب من الشارع، ثم بعد عدة أعوام، وبعد أن يكون قد قضى وطرًا من الاستمتاع بلذة الطعام دون كدَر وألم الحمية الغذائية، يطلب رقم أحد هؤلاء الجرّاحين الذين لا شكَّ ناجحون ومهرة، وإلا من أين أتوْا بتكلفة تلك الإعلانات الباهظة؟ ويقوم الجرّاح الماهر بتخفيف أثقال جسمه في بضع ساعات.

لكن، هل الأمر في الواقع بمثل تلك الوردية في أفكار بطل قصتنا الرمزية السابقة؟

باستخدام طريقة الأسئلة والأجوبة المُركَّزة، سنعرف أهم ما ينبغي الإحاطة به علمًا عن تلك الجراحات التي انتشرت كالنار في الهشيم في السنوات القليلة الماضية، وسنعرف بعدها بالتأكيد الإجابة الحقيقية عن ذلك السؤال: هل هي الحل السحري دائمًا؟

ما هي جراحات السمنة؟

ليست جراحات السمنة أو جراحات إنقاص الوزن اكتشافًا حديثًا، فقد ظهرت منذ النصف الثاني من القرن الماضي، ومرت بالعديد من مراحل التطور والتحسين، لا سيَّما مع التقدم التقني الهائل، والتراكم الكبير في خبرات الأطباء والأدلة العلمية الموثَّقة.

وجراحات السمنة Bariatric surgeries هي عمليات جراحية تهدف إلى إنقاص الوزن من خلال إجراء تعديلات على الجهاز الهضمى لا سيَّما المعدة، وذلك لتقليل كمية الطعام التي يمكن أن يتناولَها الإنسان، وبالتالي إنقاص وزنه بكفاءة وفاعلية بشكل أكثر استدامة.

وعلى موقع الجمعية الأمريكية لجراحات السمنة على الإنترنت، يؤكدُ الباحثون أن تلك الجراحات قادرة ليس فقط على علاج السمنة، وإنما مضاعفاتها الرئيسية مثل السكر والضغط وارتفاع الكولسترول والاختناق الليلي sleep apnea… إلخ، وأنها تمنح المريض جودة حياة أفضل بكثير، وكذلك ترفع سقف العمر المتوقع إحصائيًا. كما يشيد الموقف بالتطور الكبير الذي أتاح إجراء معظم تلك الجراحات بواسطة المنظار، مما يقلل المضاعفات، وحجم الجرح وآثاره، ويُسرِّع التعافي بعد الجراحة.

اقرأ: الجراح والمريض: ليس كل ما أوَّله شرط آخره نور

ما هو الداعي الطبي لإجرائها؟

عندما تفشل الوسائل الطبيعية لفقدان الوزن مثل الحمية الغذائية والتمارين الرياضية في الوصول بالمرء إلى الوزن الطبيعي، لا سيَّما عند المصابين بالسمنة المفرطة، الذين يكون معامل كتلة الجسم BMI لديهم 40 فأكثر (معامل كتلة الجسم هو الوزن بالكجم/مربع الطول بالمتر)، أو عندما يكون معامل كتلة الجسم 35 فأكثر لدى من يعانون من أحد عوامل الخطر الصحي المرتبطة بالسمنة، مثل ارتفاع ضغط الدم أو سكر الدم من النوع الثاني أو أمراض شرايين القلب أو الاختناق الليلي أو الارتفاع الشديد في كولسترول الدم… إلخ.

اقرأ: كيف تقهر الكولسترول قبل أن يقهرَ صحتَّك؟

أي أنواع جراحات السمنة أفضل؟

لدينا العديد من أنواع جراحات إنقاص الوزن، ولا يمكن أن نَصِفَ أحدَها بأنه الأفضل على الإطلاق، فلكل نوعٍ مزاياه ومشاكله، وتكاد لا تخلو من آثارٍ جانبية ومضاعفات، ويُختَار النوع الأنسب لكل مريض بعد مناقشةٍ جيدة مع طبيبه المُعالج عن المزايا والعيوب والتوقعات. وسنركز في حديثنا على الأنواع الأربعة الأكثر رواجًا وتفضيلًا لدى الغالبية العظمى من الجراحين والمرضى.

1. جراحة تكميم/تدبيس المعدة Sleeve gastrectomy:

تعتبر من أشهر جراحات السمنة حول العالم، وتمتاز بالكثير من الفاعلية في إنقاص الوزن عبر تصغير حجم المعدم كثيرًا، وبالتالي تسريع الوصول للشبع بقدرٍ محدود من الطعام، كما يقل إفراز هرمونات الجوع من المعدة، ويمكن إجراؤها بواسطة منظار البطن laparoscopy.

يزيل الطبيب جراحيًا أكثر من ثلاثة أرباع المعدة، ويقوم بإغلاق الجزء الصغير الباقي بواسطة دبابيس جراحية خاصة، ويقدر حجم هذا الجزء في المتوسط بحوالي 200 مل، أي أقل من ربع لتر (السعة الأصلية للمعدة في المتوسط من لتر إلى لتر وربع). ومن أهم مميزاتها أنها أقل تعقيدًا من وجهة النظر الجراحية بالمقارنة بجراحة تحويل المسار، وأنها لا تمس الأمعاء بتاتًا، وهذا يعني أنها لا تخل بعملية امتصاص المغذيات في الجهاز الهضمي.

لكن في المقابل، يعيبُها أنها عملية دائمة، فالجزء الذي يُزال من المعدة يتَخلَّص منه بالطبع ولا يمكن إعادة توصيله. وأخطر الآثار الجانبية المرتبطة بها هو تسرب محتويات المعدة إلى داخل البطن بين الدبابيس إذا لم تكن متراصة على مسافاتٍ قريبة، أو إذا انفكَّ أحدها، وهذا قد يسبب التهابًا شديدًا بالبطن، ويستدعي إجراء جراحة جديدة لتعديل المشكلة.

2. تحويل مسار المعدة Gastric Bypass:

هي أكثر تعقيدًا بكل تأكيد، ولها مضاعفات جراحية كالتلوث البكتيري والإصابة بالجلطات من التكميم، لكنها أكثر فاعلية وسرعة في إنقاص الوزن، لأنها لا تقتصر فقط على تقليل كمية الطعام من خلال تصغير المعدة، إنما أيضًا تؤثر سلبًا على امتصاص الكثير من المغذيات من الأمعاء، وبالتالي تُقلِّل كمية الطاقة التي نحصل عليها من الطعام. كما أن نتائجها أكثر ديمومة، حيث أثبتت بعض الدراسات أن معظم المرضى يحافظون على أوزانٍ جيدة بعد 10 سنواتٍ من إجرائها.

يفصل الجراح المعدة إلى جزئيْن، علوي وسفلي، ثم يوصل العلوي بالأمعاء الدقيقة مباشرة، وبالتالي يصل الطعام مباشرة من المعدة إلى الجزء البعيد من الأمعاء، ولا يقضي وقتًا طويلاً في المعدة من أجل الهضم، ولا يمر بالإثنا عشر ولا بالجزء القريب من الأمعاء الدقيقة، وبالتالي لا تُمتص الكثير من المغذيات الموجودة فيه.

ولذا، فلا بد أن يتناول المريض طعامًا مُختارًا بعناية، يكتظ بالفيتامينات والمغذيات المفيدة، وعليه طوال العمر أن يتناول أقراص الفيتامينات والمكملات الغذائية لتعويض ما لا يُمتصّ، وإلا أصيب بالعديد من المضاعفات الصحية ومن أبرزها أنيميا الدم وهشاشة العظام والحصوات المرارية. ويجب أن يتجنب المريض تناول كميات من الطعام لا سيَّما السكريات، وإلا سيصاب بالغثيان والقيء والشعور بالتخمة الشديدة والإجهاد.

3. بالونة المعدة:

تمتاز بأنها الأقل تعقيدًا، ويمكن للمريض أن يعود إلى منزله مساء نفس يوم التركيب، إذ يتم تركيبها بوساطة منظار الجهاز الهضمي العلوي دون الحاجة لشق البطن جراحيًا أو استخدام منظار البطن laparoscope الذي يحتاج إلى عدة فتحات بالبطن.

يقوم الطبيب بواسطة المنظار بإدخال بالونة إلى المعدة، تنفخ من الخارج بمحلول ملحي، وبالتالي تُضيق مساحة تجويف المعدة، وتقلل كمية الطعام، وتُسرّع الشبع. لكن لا تظل البالونة بالمعدة لأكثر من 6 أشهر، وتُزال حينها بالمنظار أيضًا، وخلال تلك المدة يمكن أن تساعد المرء على التخلص من حوالي من 6 إلى 10% من وزنه، وتحول الأنماط الغذائية الصحية إلى عاداتٍ أكثر رسوخًا.

لكنها لا تخلو أيضًا من مضاعفات، مثل انثقاب المعدة بالمنظار، أو تمدد البالونة ذاتيًا إلى حجم كبير، مما قد يسبب مضاعفات جوهرية نتيجة ضغطها على الأعضاء المجاورة لا سيما البنكرياس، إذ قد يُسبِّب هذا الإصابة بالتهاب البنكرياس الخطير.

4. ربط المعدة Adjustable Gastric Banding:

تمتاز بأنها أقل خطورة ومضاعفاتٍ من التكميم وتحويل المسار، كما لا تتضمن إزالة أي جزءٍ من المعدة، لكنها في المقابل أقل فاعلية في إنقاص الوزن بالمقارنة بعمليَّتيْ تكميم المعدة وتحويل المسار.

.يزرع الجراح حلقة قابلة للنفخ حول المعدة، أشبه ما تكون بالحزام، فتُقسِّم المعدة إلى جزء علوي صغير يتصل بالمريء، وجزء سفلي كبير يتصل بالأمعاء الدقيقة، ويصلهما عنقٌ ضيق (الذي تلتف حوله الحلقة) وبالتالي يستغرق الطعام وقتًا أطول لمغادرة المعدة، فيزداد الإحساس بالشبع وتطول مدته، كما لن يكون بمقدور المرء تناول كمٍ كبير من الطعام في كل وجبة، إذ لو تجاوز الطعام حجم الجزء العلوي الصغير من المعدة، سيؤدي ذلك إلى حدوث القيء، وهو أشهر مضاعفات تلك العملية، وإن كان أسوأ المضاعفات هو سقوط الحلقة أو تغير موضعها حول المعدة، مما قد يستدعي تدخلًا جراحيًا لإعادتها إلى الموضع السليم.

ويمكن للطبيب بسهولة أن يُعدِّل من مدى إحكام الحلقة حول المعدة، وبالتالي تضييق العنق الرابط بين جزأيها، وذلك من خلال حقن المحلول الملحي عبر الصمام الخارجي المتصل بالحلقة والمزروع تحت الجلد، ويمكن تخفيف الإحكام بفعل العكس.

اقرأ: أكتئب فآكل أكثر فأكتئب وآكل مجددًا: ما حل هذه الدوامة؟

5. أفكار أحدث:

هناك أفكارٌ جديدة للتدخل الجراحي لعلاج السمنة، أقل في آثارها الجانبية والمضاعفات، ولا تتضمن تغييراتٍ جراحية كبيرة في الجهاز الهضمي، لكنها لا تزال أقل شيوعًا في الوقت الحالي، مثل تركيب مُنظمٍ خاص يُزرَع تحت الجلد، يُسمى vbloc ويتصل بريموت كونترول خارجي للتحكم فيه. يُوصِّل الجرّاح المُنظِّم بالعصب الحائر vagus nerve ويرسل من خلاله نبضات كهربية للمخ تخبره بأن المعدة في حالة شبع، فيقل الإحساس بالجوع، ولا تستغرق عملية التركيز وقتًا طويلًا، ويمكن للمريض أن يعود إلى منزله في اليوم التالي.

وهناك تدخلٌ جديد عبر منظار المعدة دون الحاجة إلى جراحة، يهدف إلى تصغير حجمها عبر زيادة طياتها الداخلية فيقل الحجم الكلي لتجويفها، فتستوعب كمياتٍ أقل من الطعام فيحدث الشبع سريعًا.

هل تُغني جراحات السمنة عن الحمية الغذائية؟

جراحات السمنة جميعها لا تُغني عن الالتزام بالحمية الغذائية، بل إنها تصبح واجبة بعد معظم تلك الجراحات، وإلا تعرض المريض للعديد من المشكلات الصحية، والتي أقلها هو القيء المتكرر عند تناول الوجبات الأكبر من قدرة المعدة المُعدَّلة على الاستيعاب. إذن، فتصور أن الشخص يستطيع أن يأكل كما يشاء كمًّا وكيفًا هو تصور خاطئ تمامًا. كما ينبغي المواظبة على تناول الفيتامينات والمكملات الغذائية التي تعوض المغذيات المفقودة التي لا تُمتَص كما في حالات تحويل المسار Gastric Bypass.

الخلاصة

  • إنقاص الوزن بطريقة طبيعية بتنظيم الأكل والرياضة المعتدلة، هو العلاج الأمثل والأول للسمنة بمختلف درجاتها، ما أمكن القيام به بفاعلية. ودور الجراحة يأتي ثانيًا.
  • عندما تُجرَى جراحات السمنة لمن يحتاجها فعلًا، وبواسطة طبيب حاذق، مع متابعة جيدة للمريض قبل وأثناء وبعد إجراء العملية، فإنها تحدث فارقًا إيجابيًا للغاية في حياته.
  • إجراء جراحة لإنقاص الوزن لا يعني أنه قد أصبح بإمكان الشخص أن يأكل كما يشاء كمًّا وكيفًا دون قلق من المشاكل الصحية، بل إن نجاحها على المدى البعيد يتوقف بنسبة كبيرة على التزام المريض بالتعليمات الصحية.