مصير الرئيس الأسد على الأجل الطويل يقرره الشعب السوري.

هكذا جاء تصريح وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، في زيارة هي الأولى من نوعها يجريها مسئول أمريكي رفيع المستوى لأنقرة منذ التنصيب الرسمي لـدونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة في يناير/ كانون الثاني الماضي، وذلك تلبيةً لدعوة وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو.

التقى تيلرسون خلال الزيارة كلا من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزارء بن علي يلديريم، ونظيره التركي مولود أوغلو. وقد نوقشت خلال هذه الاجتماعات سبل ترسيخ دعائم التعاون بين الجانبين على صعيدي الأمن والاقتصاد، فضلًا عن تباحث عدد من الملفات الإقليمية، التي جاء في مقدمتها ملف الأزمة السورية، التي دخلت عامها السادس، وكذا سبل مكافحة التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها داعش، في محاولة لرأب الصدع الذي اعترى العلاقات بين الولايات المتحدة والحليف التركي بشمال الأطلسي على خلفية الكثير من النقاط الخلافية في إطار تعاطي كلا الدولتين مع الملف السوري، والذي لطالما كان موضوعًا لتوتر دائم بين أنقرة والإدارة الأمريكية في عهد باراك أوباما.

بيْد أن هذه الزيارة، وإنْ مثّلت خطوة إيجابية في سبيل احتواء التأزم الذي مُنيت به العلاقات الأمريكية – التركية، لكنها لم تحسم بشكل قاطع الملفات الشائكة والقضايا الخلافية بين الجانبين. بل على العكس من ذلك، عمّق نسبيًا من حدة الخلاف، الذي يظل مكتومًا في حضرة دونالد ترامب. وفيما يلي محاولة لاستعراض أبرز هذه النقاط الجدلية والقضايا الإشكالية بين الولايات المتحدة وتركيا فيما يتعلق بإدارة الأزمة السورية.


رحيل الأسد لم يعد أولوية أمريكية

بدا تصريح وزير الخارجية الأمريكي والرئيس التنفيذي السابق لشركة إيكسون موبيل النفطية، ريكس تيلرسون، إبّان زيارته لأنقرة حول مصير الأسد الذي يقرره الشعب السوري تغييرًا جوهريًا في السياسة الخارجية الأمريكية إزاء الأزمة السورية. وقد تزامن هكذا تصريح مع تصريحات أخرى أدلت بها السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي، مفادها أن الإطاحة بنظام الأسد لم تعُد أولوية لدى الولايات المتحدة.

المتابع لتصريحات كل من تيلرسون وهايلي يجد أنها تختلف بشكل جذري عن تصريحات الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، والتي منحت الأولوية لرحيل الأسد ونظامه؛ إذ ارتأت أنها إنما تمثّل خطوة أولى وضرورة حتمية من شأنها أن تنهي الحرب الأهلية الدائرة في سوريا وتحقن مزيدًا من دماء الشعب السوري، وتُفْقد تنظيم داعش ملاذه الآمن.

وهو ما كان يعكس توافقًا في الرؤى بين تركيا وإدارة أوباما حول مصير الأسد. بيْد أن تخلي الإدارة الأمريكية الحالية عن أولوية رحيل الأسد تضيف بدورها بعدًا جديدًا للقضايا الخلافية مع الجانب التركي، الذي لا يزال متمسّكًا برحيل الأسد، ولا ينظر إليه، تحت أي ظرف، كجزء من أي تسوية سياسية للأزمة السورية.


إصرار أمريكي على دعم أكراد سوريا

تأتي زيارة تيلرسون لأنقرة غداة إعلان مجلس الأمن القومي التركي برئاسة أردوغان، الأربعاء الموافق 29 مارس/ آذار الماضي، إنهاء العمليات العسكرية التي باشرتها تركيا في شمالي سوريا، والمعروفة باسم «درع الفرات» منذ أغسطس/ آب الماضي. وكانت هذه العمليات موجهة بالأساس ضد تنظيم داعش والميليشيات الكردية، وأبرزها وحدات حماية الشعب الكردية، على الحدود الجنوبية لتركيا.

وفي هذا الإطار، مثّل الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية، والتي تشكّل وحدات حماية الشعب الكردي عمودها الفقري، إحدى النقاط الجوهرية للتوتر بين أنقرة وواشنطن في عهد أوباما؛ فتركيا تعتبر هذه الوحدات جماعة إرهابية، ذات صلة بالانفصاليين الأكراد الذين يشنون حربًا داخل تركيا منذ عام 1984، في حين تعوّل واشنطن كثيرًا على قوات سوريا الديمقراطية، وما تتضمنه من وحدات كردية، لقتال داعش، وتعتبرها أفضل القوات في تقويض دعائم هكذا تنظيم إرهابي، وهذا هو مربط الفرس في الخلاف بين الجانبين.

اقرأ أيضًا:هل اصطدمت درع الفرات بفيتو أمريكي روسي؟

بلغ الخلاف الأمريكي- التركي بشأن هذه القوات ذروته حينما أعلن المتحدث الرسمي باسم قوات سوريا الديمقراطية، طلال سيلو، في حديثه لوكالة رويترز، حول العمليات العسكرية التي شنتها القوات في شمالي سوريا، في السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي لتحرير مدينة الرقة من براثن تنظيم داعش، والتي عُرفت بعملية «غضب الفرات»، إبلاغه المسئولين العسكريين الأمريكيين والسيناتور جون ماكين استبعاد تركيا من هذه العملية كونها «طرفا محتلا لا يمكن السماح له باحتلال مزيد من الأراضي السورية».

وقد دعّمت الولايات المتحدة قوات سوريا الديمقراطية في عملياتها لتحرير الرقة بمشاركة نحو 200 جندي أمريكي فضلًا عن الدعم الجوي، وقد مثّل ذلك موافقة ضمنية أمريكية على استبعاد الطرف التركي الذي لطالما أعلن رغبته في أن يكون له دور في عملية تحرير الرقة، مشترطًا عدم مشاركة قوات سوريا الديمقراطية في العملية.

وقد تزامنت عملية «غضب الفرات»، التي تلعب فيها قوات سوريا الديمقراطية الدور الأساسي بمشاركة نحو 30 ألفا من قواتها، مع عملية تحرير الموصل التي تنفذها القوات العراقية بدعم جوي من التحالف الدولي؛ فالرقة والموصل هما آخر معقلين كبيرين لتنظيم داعش، وليس هناك ما يؤشر على إيقاف الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية في الوقت الحالي، وهو ما يعني استمرارًا للخلاف الأمريكي – التركي حول هذا الملف.


المنطقة الآمنة: اتفاق ثنائي وغياب للتفاصيل

واحد من أهم الملفات التي ناقشها الجانبان الأمريكي والتركي إبّان زيارة تيلرسون لأنقرة، وهو إنشاء مناطق آمنة في سوريا، والسبل المختلفة لتأمين هذه المناطق. وفيما يتعلق بهذا الموضوع، الذي مثّل موضعًا للخلاف بين إدارة أوباما وأنقرة، أعلن ترامب في الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني الماضي اعتزامه إقامة مناطق آمنة في سوريا، تهدف لحماية الأشخاص الفارين من العنف حسبما ورد في تصريحات أدلى بها لشبكة (إيه بي سي نيوز).

وقد لقيت هذه التصريحات ترحيبًا كبيرًا من الجانب التركي والقطري؛ إذ أعلنت الخارجية التركية على لسان المتحدث الرسمي باسم وزير الخارجية حسين مفتي أوغلو، أن تركيا «ستدرس عن كثب مشروع الرئيس الأمريكي لإنشاء مناطق آمنة في سوريا أو في الدول المجاورة لها لاستقبال النازحين السوريين، وأنها كانت من أول المطالبين بإقامتها».

اقرأ أيضًا:بعد وعود أمريكية بإنشاء المنطقة الآمنة: لماذا يعم التشاؤم أنقرة؟

والحقيقة أن تصريحات ترامب حول إقامة مناطق آمنة في الأيام الأولى لتنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة مثّلت تراجعًا عن سياسية سلفه أوباما، الذي عرقل في 2014 مقترحا فرنسيا – تركيا لإنشاء مناطق آمنة في سوريا خشية انجرار الولايات المتحدة للحرب في سوريا، إذ يتطلب هذا الإجراء زيادة حجم القوة الجوية الأمريكية أو القوة الجوية للتحالف، وقد يتطلب هذا أيضًا نشر قوات برية لتوفير الأمن لهذه المناطق، كما أنه في المقابل لا توجد أي ضمانات للحيلولة دون وقوع اشتباكات بين الطائرات الحربية الأمريكية والروسية فوق سوريا إذا حلّقت فوق هذه المناطق. ولكن زيارة تيلرسون أظهرت توافقًا في هذا الملف بين الجانبين دون وضع المزيد من التفاصيل.

وختامًا؛ فإن زيارة تيلرسون لأنقرة تأتي في وقت حرج للغاية تشهده العلاقات الأمريكية – التركية، بسبب ما أشرنا إليه آنفًا من خلافات في الرؤى بين الجانبين حول العديد من الموضوعات المتعلقة بسبل التعامل مع الأزمة السورية، هذا فضلًا عن خلافات أخرى بين الجانبين لا تمس الملف السوري من قريب أو بعيد، ألا وهي تسليم الداعية التركي فتح الله جولن، الذي يقيم في واشنطن الآن، وتتهمه تركيا بأنه العقل المدبر للمحاولة الانقلابية الفاشلة التي تعرضت لها في يوليو/ تموز الماضي، والضلوع في محاولة اغتيال الرئيس التركي أردوغان.

ووجهت تركيا مطالبات عدة لواشنطن بتسليمه، بيْد أن الولايات المتحدة لم تظهر حتى الآن تجاوبًا مع المطالبات التركية. هذا بالإضافة إلى،قيام سلطات نيويورك في السابع والعشرين من مارس/آذار الماضي باعتقال نائب مدير عام بنك «خلق» محمد هاكان أتيلا المملوك للدولة في نيويورك، واتهامه بالتواطؤ في مخطط استمر لسنوات مع تاجر ذهب تركي – إيراني يدعى رضا ضراب، لخرق العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على إيران من خلال استغلال المؤسسات المالية الأمريكية.

عكست الزيارة محاولة إيجابية لاحتواء التوتر بين الجانبين، وأكدت توافقا في الرؤى فيما يتعلق بإنشاء مناطق آمنة في سوريا، وتأكيد تيلرسون على كون تركيا شريكا رئيسيا في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وأن البلدين يجمعهما هدف مشترك، وهو الحد من قدرة إيران على إيقاع الفوضى في المنطقة، حسبما ذكر في مؤتمر صحفي مع نظيره التركي مولود أوغلو، لكن مؤشرات التحسن لا تزال ضعيفة.