شهد الأربعاء الماضي، الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، لقاءً بين الرئيسين المصري «عبد الفتاح السيسي» والسوادني «عمر البشير» ضمن أعمال اللجنة العليا المشتركة المصرية السودانية، وذلك بعد أن انتهت أعمال التحضير لهذه القمة -على المستوى الوزاري ومستوى كبار المسئولين- على مدار الثلاثة أيام السابقة.

يعد هذا اللقاء هو السادس بين الرئيسين المصري والسوادني خلال عامين منذ صعود الأول لسدة الحكم في مصر في مايو/أيار 2014، مما قد يبدو للوهلة الأولى أن ذلك يعكس تحسنًا نسبيًا ونموًا في العلاقات والتعاون في الملفات المشتركة بين البلدين في الآونة الأخيرة، تلك العلاقات التي لم تخرج من نفق الوضع المأزوم طوال تاريخها مقدمة نموذجًا فريدًا من المد والجزر في حركة دائرية تأبى أن تتقدم إلى الإمام.


العلاقات المصرية السودانية قبل 1952

تشكل السودان بحدوده الحالية مع دخول الحملات الحربية التي أرسلها محمد علي باشا والي مصر للتوسع جنوبًا في أفريقيا، وقد استمرت تلك الحملات في انتصاراتها وضمها للممالك والقبائل المهزومة زهاء نصف قرن، إلى أن اكتمل السودان الحديث في العام 1874 بعد أن تم إلحاق سلطنة دارفور بالسودان.

انفصلت الأراضي السودانية عن مصر من 1885 إلى 1898 عندما قامت الدولة المهدية في السودان، لكن سرعان ما انتهت هذه الدولة على أيدي القوات البريطانية التي دخلت السودان، وعادت السودان مرة أخرى إلى مصر ولكن بمشاركة بريطانيا التي كانت تحتل مصر وتدير أمورها حينذاك، وهو ما عرف باتفاقية الحكم الثنائي 1899، والتي رفعت العلمين المصري والبريطاني معًا على الأراضي السودانية.

تبلور المشهد السياسي في مصر – قبيل يوليو/تموز 1952 – في معظمه على الإيمان بسيادة مصر على السودان إلى الحد الذي أسقط حكومة إسماعيل صدقي في 1946، وجعل النقراشي في كتاب تأليف وزراته يتعهد بالعمل على وحدة وادي النيل تحت التاج المصري، وقد اتهم النقراشي في شكواه بريطانيا أمام مجلس الأمن بأنها تسعى لفصل السودان عن مصر.

http://gty.im/488633650

لم يلحظ هذا المشهد المصري المتغيرات التي طرأت على مسارات التطورات السياسية في السودان الناتجة من إحباط السودانيين من إبرام معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا دون استشاراتهم، بالإضافة إلى نمو الوعي القومي والنزعة الاستقلالية بين السودانيين والتي نمت منذ منتصف العشرينيات في القرن الماضي بعد الأحداث التي أعقبت اغتيال الحاكم العام للسودان السير لي ستاك.

بدأت أولى الخطوات العملية نحو «السودنة» في فكرة مؤتمر الخريجين في عام 1938 ليكون هيئة ممثلة للشعب السوداني، بعد 4 سنوات من هذا الاجتماع ظهر الكيان رسميا في 1942 عندما طلب المؤتمر حق تقرير المصير للسودانيين وذلك في مذكرة رفعها أحمد بوصفه رئيس المؤتمر آنذاك إلى الحاكم العام والممثل لدولتي الحكم الثنائي وطالبت تلك المذكرة أيضا بالاضطلاع بمهام الحكم الذاتي، وإصدار تشريع لتحديد الجنسية السودانية.

شهدت السنوات التالية لظهور مؤتمر الخريجين العديد من التفاعلات والأحداث والتجاذبات بين الأطراف المشتركة للقضية؛ مصر وبريطانيا والنخبة السودانية المطالِبة بالاستقلال والتي سرعان ما انقسمت على نفسها هي الأخرى.

ولكن إجمالا، تمحور المشهد الختامي قبل 23 يوليو/تموز 1952 حول رفض مصري رسمي وشعبي لانفصال السودان، في وقت سعى فيه السودانيون إلى تحديد مستقبلهم في ضوء انقسامهم إلى فريقين: أحدهما ينادي بالاستقلال التام، وآخر ينادي بانفصال بريطانيا فقط ويطالب بوحدة مع مصر حتى وإن لم يستطع أن يحدد آليات تلك الوحدة على وجه الدقة. انقسام سوداني كان واضحا في ضوء تباين مصالح الفريقين الاقتصادية والسياسية وارتباط هذه المصالح بشكل أو بآخر بدولتي الحكم الثنائي.


من 23 يوليو/تموز 1952 – يناير/كانون الثاني 1965

انفصلت السودان تمامًا عن مصر بعد 4 سنوات من قيام نظام يوليو/تموز 1952، وهو الأمر الذي ما زال يلقى بظلاله بين كل حين وآخر على ساحة المكايدة والرطانة السياسية في مصر.

معارضو عبد الناصر ونظامه من التيارات الإسلامية يعتقد أن انفصال السودان عن مصر نتيجة إطاحة ناصر باللواء «محمد نجيب» الذي ارتبط السودانيون به واعتبروه حلقة الوصل بين المصريين والسودانيين.

http://gty.im/97633747

بينما مؤيدو دولة يوليو ومن تبقى من أوساطها الأكاديمية تارة يدفعون بإيمان نظام عبد الناصر بالتحرر وحق الشعوب في تقرير مصيرها ولهذا فإنه ترك السودانيين يقررون مصيرهم ويستقلون عن مصر، وتارة أخرى يعزون فشل النظام في مصر في إبقاء السودان متحدًا معها إلى فشل سياسات العهد الملكي في التعامل مع الأزمة إلى حد بات معه انفصال السودان حتميا ما قد يستحيل معه أي جهود ممكنة للتوافق مع السودانيين.

بعيدًا عن تلك المكايدات والاتهامات التي قد يصح بعضها، فإن انفصال السودان وحق السودانيين في تقرير مصيرهم لم يكن إلا مسألة وقت وكان سيحدث عاجلًا أم أجلًا، ولكن ذلك لا يرجع فقط لفشل النظام القديم في التعامل مع مطالب السودانيين ما يعزو الناصريين ولكن أسبابا أخرى أكثر أهمية ساهمت بحدوث الانفصال.

1. كانت السودان دومًا هي العقبة الأساسية في طريق المفاوضات المصرية البريطانية بدءًا بمفاوضات سعد/ماكدونالد ومرورًا بمفاوضات النحاس/هندرسون، وانتهاءً بمفاوضات محمد صلاح الدين/بيفن؛ بينما نجحت معاهدة 36 عندما تقرر تجميد موقف السودان، وهو نفس الأمر الذي لم تكن لتنجح مفاوضات الجلاء 1954 بدونه أيضًا، فرغبة ناصر في نجاح المفاوضات للقضاء على الاستعمار البريطاني – إحدى الأسس الستة التي استندت عليها شرعية نظام يوليو – جعلته يتنازل عن الموقف الرسمي المصري قبل 1952 بالرفض القاطع للانفصال.

2. استنادًا إلى تقدير الموقف الذي قدمه «عز الدين صبري ذو الفقار» لقيادة مجلس الثورة، الذي أكد فيه رغبة السودانيين بتقرير مصيرهم، فقد راهن النظام في مصر على تحويل تقرير المصير السوداني لصالح الوحدة الطوعية، عن طريق الاعتراف بحق السودانيين بتقرير مصيرهم لضرب النفوذ البريطاني، في نفس الوقت الذي يتم فيه بناء التحالفات مع الأحزاب والقوى السياسية في السودان، وهو الأمر الذي فشلت فيه مصر أيضًا فشلًا ذريعًا، ليسفر الموقف في النهاية عن انفصال السودان عن مصر في أغسطس/آب 1955، عبر قرار من البرلمان، وليس عبر استفتاء كما كان متفقًا عليه في اتفاقية الحكم الذاتي.

يرجع هذا الفشل المصري للعوامل الآتية:

أ- طبيعة تكوين النظام الناصري وشموليته وإطاحته بالحياة الحزبية والسياسية وعدم إدراكه للواقع السوداني التعددي وتوازناته السياسية، مما ساهم في تغيير اتجاهات النخب السودانية المترددة نحو الميل للانفصال.

ب- طبيعة الأداء المصري المخيب والفاشل، حيث مارس صلاح سالم درجة فجة من التدخل في الشؤون السودانية، وبالغ في الإفصاح عن استخدامه للمال لتحقيق أهدافه السياسية؛ الأمر الذي دفع إسماعيل الأزهري، زعيم جبهة الاتحاديين، إلى إعلانه استقلال السودان في ديسمبر/كانون الأول 1955 بعد 4 أشهر من قرار البرلمان بالاستقلال، ليكتمل المشهد بإعلان استقلال السودان رسميا في يناير/كانون الثاني 1956.


العلاقات المصرية السودانية في العهد الناصري

شهدت العلاقات بين السودان ومصر منذ استقلال السودان في يناير/كانون الثاني 1956 مدًا وجزرًا تبعًا لطبيعة النظام الحاكم في كل منهما وسياسته الداخلية والخارجية، وكيفية صياغته لمواقفه ورؤاه وتحالفاته الإقليمية والدولية، وهو الأمر الذي حدث طوال فترة العهد الناصري حيث افتقرت العلاقات في معظم الفترات إلى الحميمية.

يرجع ذلك إلى استقرار الأحوال الداخلية لمصر وتشكل مشروعها في التحرر الوطني والتنمية الاقتصادية وعدم الانحياز وقيادتها للصراع العربي الإسرائيلي بالإضافة لطبيعة النظام السلطوية والشمولية، بينما على الجهة الأخرى انشغلت السودان بقضية الجنوب وسعت لحلها بما يستلزم ذلك من توازنات إقليمية في النطاق الأفريقي والمحافظة على قنوات الاتصال ببريطانيا والولايات المتحدة بالإضافة إلى طبيعة النظام السياسي الذي يتيح التعددية الحرية.

الديمقراطية الأولى 1956-1958

تميزت العلاقات بالتوتر وظهر ذلك في الطريقة التي تعاملت بها حكومة عبد الله خليل مع أزمة حلايب حينما قام عبد الناصر بإرسال قوات إلى المنطقة، وكاد الخلاف الناشب حينها أن يتحول إلى نزاع حدودي مسلح بين البلدين، حيث قام خليل بشكوى مصر في مجلس الأمن، ورفض التوصل إلى اتفاقية لمياه النيل، رفض إنشاء السد العالي ورفض دعوة الرئيس المصري له بزيارة مصر.

استمرت الأحوال في التردي حتى تطور الأمر إلى وصول منشورات تهدد السفير المصري بالسودان بالاغتيال واتهام الملحق العسكري المصري بتدبير المؤامرات ضد النظام السوداني.

الحكم العسكري الأول 1958- 1964

انقسمت العلاقات المصرية في فترة حكم عبود إلى فترتين، اتسمت الفترة الأولي بالهدوء، واعتبر عبد الناصر أن انقلاب عبود هو ثورة متمثلًا بتجربته الشخصية، فقد حرصت مصر على تمرير اتفاقية المياه 1959 وضمان ترحيل سان وادي حلفا لبناء السد العالي.

اتسمت الفترة الثانية بالتردي في العلاقات عندما حاولت مصر ضم السودان إلى معسر قوى التحرر الوطني في أفريقيا، وهو الأمر الذي قاومه عبود.

الديمقراطية الثانية 1964- 1969

مع سقوط نظام عبود في السودان فقدت القاهرة بوصلة الاتجاه في العلاقات المصرية السودانية، وجاء رد فعلها إعلاميا على الإطاحة بعبود بمعلومات مغلوطة أدت إلى إثارة الشارع السوداني وخروجه محتجًا على الإعلام المصري؛ وذلك للمخاوف المصرية من امتداد آثار التعددية السياسية وأساليب العصيان المدني إلى الساحة المصرية.

مع نهاية 1965 شهدت العلاقات توترًا حادًا إثر الأزمة التي حدثت بين النظام المصري والإخوان، فقاد إخوان السودان متمثلين بجبهة الميثاق الإسلامية حربًا إعلامية وكلامية ضد النظام المصري تمثلت بإلقاء خطب ضد مصر وعبد الناصر في مساجد الخرطوم، بينما اتهم عبد الناصر الجبهة بأنها تمد إخوان مصر بالسلاح والمال.

http://gty.im/591942364

بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967، تحسنت العلاقات المصرية السودانية بعد قرار السودان بقطع علاقتها مع بريطانيا والولايات المتحدة، وأعلن محمد أحمد محجوب رئيس الحكومة السودانية وقوفه بجانب مصر وتلبية احتياجاتها الحربية، وقطع علاقة السودان بل من يساعد إسرائيل، ما ساعد إسماعيل الأزهري عبد الناصر في طلبه الاتصال بالملوك والرؤساء العرب لتمويل احتياجات مصر بالسلاح.

وصعدت العلاقات إلى ذروتها بعدما استضافت السودان قمة الخرطوم (قمة جامعة الدول العربية) المشهورة بلاءاتها الثلاث والتي تم التأكيد فيها على وحدة الصف العربي وتصفية الخلافات.


العلاقات المصرية السودانية في عهد السادات–النميري

شهدت العلاقات تحسنًا كبيرًا في فترة السادات–جعفر النميري، على الرغم من بعض التوترات الخلافات التي أصابت العلاقات قبل عقد اتفاقية التكامل في 1974، حيث تقاربت السودان مع واشنطن، وأعادت العلاقات معها بعد انقلاب هاشم العطا في 1971 (محاولة انقلاب من الحزب الشيوعي على النميري)، وبعد الرعاية الأمريكية لاتفاقية أديس بابا 1972 بين الحكومة وبين حركة تحرير السودان الجنوبية.

http://gty.im/51398189

زالت هذه الخلافات في عام 1973، وتم توقيع اتفاق للتكامل الاقتصادي بين البلدين في فبراير/شباط 1974، وذلك بعد التقاء السياسة الخارجية للبلدين على مرافئ واشنطن حينما حوّل السادات وجهته نحو الولايات المتحدة.


العلاقات المصرية السودانية في عهد مبارك

تدهورت العلاقات المصرية السودانية في بداية عهد مبارك، وخاصة في مرحلة «الديمقراطية الثالثة» بعدما ما قام الصادق المهدي بإلغاء اتفاقيات التكامل المصري السوداني، وتعويضها بورقة فارغة من المضمون تسمى «ميثاق الإخاء».

عندما وقع انقلاب يونيو/حزيران عام 1989، وأتى بعمر البشير رئيسًا للسودان، رحبت به مصر ترحيبًا كبيرًا، ولكن ما هي إلا شهور معدودات حتى وضحت الهوية الإسلامية للنظام الجديد، مما أسفر عن تدهور العلاقات المصرية السودانية بشكل غير مسبوق، حتى وصلت الخلافات إلى ذروتها عندما وقعت محاولة اغتيال حسنى مبارك في أديس بابا في يونيو/حزيران 1995، واتهمت الحكومة المصرية النظام السوداني بقيادة عمر البشير بالتخطيط لعملية محاولة اغتيال مبارك، أو على الأقل تسهيل تنفيذها، عبر استضافة الخرطوم للمتهمين بتنفيذ العملية وإمدادهم بالسلاح والمال، وقد وصفت الصحف المصرية حينها النظام السوداني بالنظام الإرهابي والمعزول.

http://gty.im/107713265

كان تناقض توجهات أنظمة الحكم في كل من مصر والسودان هو المحرك الأساسي لهذه الخلافات. فنظام مبارك المتجمد الذي وُصف بأنه نظام علماني، لم يكن ليرحب بطموحات سودانية في مشروع إقليمي وسياسي – تكون السودان قاعدة له – يعبر عن طموحات تيار الإسلام السياسي الذي صعد على الساحة السياسية والمجتمعية في المنطقة في تلك الفترة.

ومع مطلع الألفية الجديدة بدأت العلاقات المصرية السودانية في التحسن، بعد الانشقاق الذي وقع في صفوف نظام الإنقاذ وخروج حسن الترابي من الحكم، وبعد تجاوز الأزمة التي أثارها توقيع اتفاق ماشاكوس عام 2002 الذي وافقت فيه الحكومة السودانية على منح الجنوب حق تقرير المصير عبر استفتاء، بدون التنسيق مع القاهرة.

في عام 2004، تم توقيع «اتفاق الحريات الأربع» الذي نص على: حرية التنقل، وحرية الإقامة، وحرية العمل، وحرية التملك بين البلدين. واعتبرت أوساط سياسية وإعلامية حينها أن تلك الاتفاقية دشنت عهدًا جديدًا من العلاقات بين البلدين، وطوت معها صفحة الماضي وأزماته.


ما بعد يناير/كانون الثاني 2011

إبان ثورة يناير/كانون الثاني 2011 حظت العلاقات المصرية السودانية باهتمام رسمي وشعبي أملا في إحداث تحول معتبر في العلاقة بين البلدين، وقد بدا ذلك عبر سلسلة من الزيارات الرسمية المتبادلة، والتصريحات والبيانات المعبرة عن الرغبة في الوصول إلى مرحلة الشراكة الإستراتيجية الكاملة.

بدأ ذلك في فترة المجلس العسكري بزيارة عصام شرف للسودان. وفي فترة حكم مرسي، قام البشير بزيارة القاهرة، أعقبتها زيارة هشام قنديل للخرطوم وكل تلك الاجتماعات والزيارات تركزت في مواضيع: الحريات الأربع (سبق الإشارة إليه أعلاه)، والتعاون الزراعي والاستثماري، والتبادل التجاري، والمشروعات المشتركة في مجال الطرق، وتنسيق المواقف بشأن قضية سد النهضة.

وقد حاول الطرفان عدم التطرق كثيرا لقضية حلايب وشلاتين؛ في الوقت الذي اتهم فيه الإعلام المصري مرسي وحكومته ببيع مثلث حلايب وشلاتين للسودان. وهو الأمر الذي نفاه المتحدث باسم الرئاسة المصرية حينها.


العلاقات المصرية السودانية بعد 3 يوليو/تموز 2013

منذ سقوط الرئيس المعزول «محمد مرسي» في 2013، اعتبرت الحكومة السودانية ما يجري في مصر شأنًا داخليًا ونأت بنفسها وابتعدت عن التعاطف مع حكومة الإخوان، وكذلك سعى النظام المصري لتحسين علاقته بالنظام السوداني بزيارات قياسية متتالية لم تحدث في تاريخ البلدين.

فقد التقى السيسي والبشير 6 مرات منذ تولي السيسي مقاليد الأمور في مصر، نظرًا لحاجته إلى دعم السودان في ملف سد النهضة الإثيوبي، تلك الأزمة التي ساهمت السودان في تأجيلها مؤقتًا بتوقيع الاتفاقية الأخيرة بشأن السد في الخرطوم بين الدول الثلاث.

http://gty.im/451324584

إلا أن العلاقات السودانية المصرية دخلت في مربع يمكن أن يوصف بأنه مربع الفتور والغموض. فالعلاقات التي يبدو في ظاهرها الحميمية والتفاهم تطوي بداخلها العديد من الأزمات المكتومة والخلافات في العديد من القضايا الثنائية والإقليمية.

أ- الملفات الثنائية

1. ملف حلايب وشلاتين الذي عاد إلى الواجهة مرة ثانية في أبريل/نيسان الماضي، حينما قدمت الحكومة السودانية طلبا رسميا للجلوس للتفاوض المباشر لحل هذه القضية أسوة بما تم مع السعودية في تسوية قضية تيران وصنافير، وهو ما قابلته القاهرة بالرفض.

2. الاتهامات المتكررة من النظام السوداني للنظام المصري بممارسة نشاطات استخباراتية وأمنية على أرضها، وهو ما ترد عليه القاهرة دائمًا بالتجاهل والإنكار، وآخرها قيام السلطات السودانية بالقبض على مجموعة من الصيادين المصريين بدعوى انتهاكهم المياه الإقليمية للسودان للقيام بمهام استخباراتية.

3. استضافة السودان للعديد من الفارين والمطاردين في مصر بعد الانقلاب، واتخاذ الكثير منهم السودان كنقطة للوصول إلى قطر وتركيا، وهو الأمر الذي جعل القاهرة تشترط الموافقة الأمنية على سفر المصريين للسودان وهو ما اعتبرته الخرطوم خطوة معادية للسودان ومخالفة لـ «اتفاق الحريات الأربع».

4. اتهام الخرطوم للقاهرة بدعمها متمردي دارفور بالسلاح، حيث كشف بعض النشطاء عن عثور الأمن السوداني على أسلحة مصرية من مصانع أبي قير الحربية في حوزة متمردي دارفور.

5. في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، أعلنت مصر مقتل ستة مهاجرين سودانيين برصاص مجهولين في شبه جزيرة سيناء على الحدود مع إسرائيل، وذلك بعد مقتل 15 مهاجرًا سودانيًا قبلها بأسبوع في رفح، ومن قبلها احتجاز مصر 20 من العمال السودانيين العاملين في مجال التنقيب، ولم يتم إطلاق سراحهم إلا بوساطة سعودية بحسب الرئاسة السودانية. وهو ما رد عليه السودانيون بحملات على مواقع التواصل الاجتماعي تحت شعار «مصر ليست شقيقة بلادي»، «لا تسافر إلى مصر».

ب – الملفات الإقليمية

1. ملف المياه وأزمة سد النهضة

اتخذت القاهرة والخرطوم مواقف غير موحدة من سد النهضة منذ إعلان أديس أبابا بدء إنشائه أوائل أبريل/نيسان 2011، ففي حين تتهم القاهرة الخرطوم بدعم أديس أبابا وتطالبها بالوقوف معها في مقاومة السد، تميل الخرطوم إلى إحداث توازن في الموقف عبر الالتزام بالاتفاقيات السابقة مع مصر ومساندة إثيوبيا في قضية السد.

الفترة الأخيرة شهدت تعاونًا إستراتيجيًا بين السودان واثيوبيا – قد تدفع مصر ثمنه – تمثل بإعلان رئيس الوزراء الأثيوبي «هايلي مريام»، أمام برلمان بلاده، عزم حكومته على شراء أراضٍ سودانية لتشييد ميناء نهري خاص بها لتسهيل عملية نقل البضائع وعملية التصدير والاستيراد من وإلى أثيوبيا.

http://gty.im/467337926

تلك الخطوة التي تمثل ارتباطًا إستراتيجيًا بين السودان وأثيوبيا قد تقود الطرفين لاتخاذ مواقف مشتركه حول سد النهضة؛ وهو الأمر الذي يفسر التصعيد المصري المتمثل في محاولة القاهرة الضغط على الخرطوم لتغيير موقفها الداعم لإثيوبيا في ملف سد النهضة، بل ومطالبتها لعب دور الوساطة كما حدث قبل توقيع الاتفاق الثلاثي الأخير بشأنه في الخرطوم في مارس/آذار 2015.

2. الملف الليبي

يعد الملف الليبي من أبرز نقاط الخلاف بين البلدين حاليًا، فمصر والإمارات الداعمتين لعملية الكرامة التي يقودها «خليفة حفتر» التي حققت مؤخرًا العديد من الانتصارات في سبيل السيطرة على الموانئ النفطية في ليبيا، تحاولان إثناء السودان عن موقفها الداعم للثوار في ليبيا منذ اندلاع الثورة على القذافي بسبب الخلافات المتوارثة بين نظام البشير والقذافي بخصوص قضية جنوب السودان.

وقد استمر دعم السودان للفصائل الإسلامية المقاتلة في ليبيا بعد سقوط القذافي من خلال الدعم غير المعلن لقوات «فجر ليبيا» ذات الخلفية الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين العدو الأبرز للنظامين المصري والإماراتي.

3. التقارب السعودي السوداني

شهدت الفترة الأخيرة تقاربًا سعوديًا سودانيًا كبيرًا وتفاهمًا في الرؤية السعودية لملفات اليمن وليبيا وأثيوبيا؛ وهو التقارب الذي أغضب القاهرة واختلف مع مصالحها ولا سيما في ظل تدهور علاقاتها بالسعودية.

فقد أدت الخرطوم دورًا هامًا في تسهيل التقارب السعودي الأثيوبي الذي يأتي في سياق محاولات السعودية التركيز على علاقاتها مع منطقة القرن الأفريقي فيما يتصل بعلاقاتها الإستراتيجية في اليمن ومواجهه الأطماع والنفوذ الإيراني.كما تقف السعودية والسودان عقبة في طريق المخطط المصري الإماراتي للتحكم في القوة العربية المشتركة المنوط بها التدخل في ليبيا.


مستقبل العلاقات في ظل الأزمات الحالية

أدت الأزمات المتعددة والمتكررة بين النظامين إلى خروجها إلى العلن رغم محاولة الطرفين الظاهرية لإظهار التقارب والتفاهم عبر اللقاءات والزيارات المتكررة وتوقيع العديد من الاتفاقيات الاقتصادية ومذكرات التفاهم التي لا يتعدى معظمها الرطانة الدبلوماسية لا أكثر.

يبدو أن هذه التوترات والخلافات قد تأبى على الحلول والتفاهم لطبيعة النظامين العسكرية التي تأبى الحلول السياسية القائمة على مبدأ المنفعة المشتركة، فضلًا عن تصدير التعامل الأمني للتعامل مع الملفات المشتركة.

إلا أن الأزمات الداخلية المتفاقمة والمتصاعدة في البلدين التي تهدد استقرارهما قد تدفعهما للتهدئة وتجميد الأمور، وهو أمر غير جديد على تاريخ العلاقات المصرية السودانية؛ تلك العلاقات التي لم تخرج من نفق الوضع المأزوم طوال تاريخها مقدمة نموذجًا فريدًا من المد والجزر في حركة دائرية تأبى أن تتقدم إلى الإمام.