ليس من أهدافنا أن تكون مصر رائدة، لا نسعى أن نكون روادًا لأحد وإنما شركاء.
«سامح شكري» وزير الخارجية المصري

قبيل تنصيب الرئيس الأمريكي بأيام قامت المخابرات المصرية بالتعاقد مع شركتي لوبي وعلاقات عامة بالولايات المتحدة، على الرغم من وجود تعاقد سابق بين السفارة المصرية وشركة Glover Park بدأ في أكتوبر/ تشرين الأول 2013 بتمويل إماراتي. أشار هذا للخلاف الواقع بين الخارجية والجهاز السيادي، فمنذ منتصف التسعينيات وملف الخارجية المصري يميل ناحية جهاز المخابرات العامة، وخصوصًا العمق الفلسطيني والأفريقي، ويتربع على قمته العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية.

بدايةً من العام 2013 جرى تجريد وزارة الخارجية المصرية من الدبلوماسيين الذين ساعدوا نظام الرئيس الأسبق مرسي في الملفات الخارجية، كانت الخارجية أكثر الأجهزة تأثرًا بالسلب من نظام ما بعد ثورة يناير؛ تعطل الامتداد التاريخي بين جهاز المخابرات والخارجية، جرى ذلك من خلال تغيير ثلاثين سفيرًا، وتحويل أكثر من 10 دبلوماسيين إلى وظائف إدارية بأمر مباشر من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. كل ذلك إلى جانب تهديد البعض بالإقالة لعدم استجابتهم لقرارات استدعائهم لديوان الوزارة العام الماضي 2018.

صارت الوزارة متابعة بشكل كامل من خلال مؤسسة الرئاسة ومدير مكتبها عباس كامل، ومع إقالة خالد فوزي بعد تصاعد الخلاف بين الجيش والمخابرات العامة بُعيد الحديث حول دعم المخابرات لترشح سامي عنان للرئاسة، وتعيين عباس كامل مطلع عام 2018 لرئاسة المخابرات، جرى بشكل تدريجي احتواء بعض المفصولين من الدبلوماسيين. يأتي ذلك لاحتواء أزمتهم وضمان بقائهم داخل دائرة السيطرة، وتوظيف علاقتهم في انتقاد النظام المصري، تزامن ذلك مع تغيير وضع السياسة الخارجية لمصر في الشرق الأوسط.


لحاقٌ بالركب أم رياحٌ مواتية؟

في أغسطس/ آب 2016، طالبت الولايات المتحدة مصر باعتراض سفينة في قناة السويس مشتبه في تورطها في نقل أسلحة من كوريا الشمالية، وبالفعل وجدت على متنها أكثر من 24 ألف قذيفة آر بي جي-7، كشفت هذه الحادثة عن التعاون العسكري والاقتصادي المتنامي بين القاهرة وبيونج ينج، وأدت لتفاقم الوضع بين واشنطن والقاهرة بإيقاف تسليم 300 مليون دولار من المساعدات الاقتصادية سبتمبر/ أيلول 2017.

وكان هذا التعاون قد أتى في إطار نمو التعاون بين مصر وروسيا والصين وكوريا الشمالية بسبب موقف مؤسسة الرئاسة الأمريكية بإدارة أوباما من النظام المصري، يشار إلى أن تلك الأسلحة كان وجهتها ليبيا بتمويل إماراتي وبإدارة المخابرات المصرية. وبالرغم من العلاقة الخريفية بين الولايات المتحدة ومصر، فإن قدوم ترامب إلى البيت الأبيض ووجهته الجديدة في السياسة الخارجية الأمريكية، أعاد تموضع مصر في الشرق الأوسط ونزاعاته، ويمكن رصد وضع القاهرة الجديد، وخصوصًا مع مطلع العام الجاري 2019 من خلال عدة ملفات رئيسية، كالتالي:

سياسة أمريكية مناسبة للوضع المصري

كتب ميرشيمر وولت عام 2016 في دورية فورين أفيرز الأمريكية عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ودعا بتغيير السياسة الأمريكية من التحول لشرطي العالم كما أقرها جورج بوش الأب، وعمّقها الابن بما عرف بالفوضى الخلاقة، وهي السيادة عبر الفوضى المنشأة بغاية السيطرة والريادة، واستبدالها باستراتيجية التوازن خارج المجال والتي تعتمد على الفاعلين الإقلميين واستيعابهم وتشجيعهم على إعاقة الدول التي تهدد مصالح الولايات المتحدة أو المراقبة لحماية المصالح الأمريكية، في إطار تحقيق التوازن الذي لا يقضي بخسارة اقتصادية كبيرة للولايات المتحدة، وأن يظل التدخل الأمريكي المباشر في إطار محدود جدًا.

هنا جاء الدور المصري. وعلى الرغم من عدم وجود قدرات مالية عالية كما في السعودية إلا أنها يمكن أن تحقق تلك السياسة، خصوصًا أن أحد مرتكزات السياسة الخارجية المصرية في عهد السيسي هو الاعتماد والثقة في كل جيش نظامي وعسكري، وعدم المراهنة على الميليشيات أو الحركات على عكس المملكة السعودية. هذه الاستراتيجية جعلت القاهرة مفضلة بشكل كبير وخصوصًا في عام التحولات الكبرى هذا العام، وتدليلًا على ذلك فإن موقف مصر من إيران ليس صفريًا وقد تُعتبر بوابة خلفية للسياسة الأمريكية بالشرق الأوسط في حال صعّدت إيران خلال هذه الفترة بخصوص عدم تجديد الإعفاء للدول المستوردة لنفط الإيراني.

تراجع فعالية السعودية

في ظل هذه السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ومع القلق حيال السياسة السعودية بعد قضية مقتل خاشقجي والتعامل مع السعودية بمبدأ الريبة، مما أضعف فعالية الرياض على حساب محور أبوظبي القاهرة الذي سيميز السياسة العربية خلال العام الجاري.

فالرياض في الوقت الحالي في نظر الساسة الأمريكيين على عكس القاهرة تمامًا، حدث عليها خلاف حزبي بين الديموقراطيين والجمهوريين بل حتى داخل الحزب الواحد،وبحسب بلومبيرغ فإن السعودية أصبحت مرمى لانتقاد سياسة ترامب الخارجية، في المقابل فإن ترامب نفسه يستغل اقتراب الانتخابات لتوجيه انتقادات خطابية للسعودية ليحصل على تصويت الناخبين نظرًا لحالة الكراهية التاريخية ضد العرب والسعودية منذ حرب 1973 وصولًا إلى إدانة السعودية في أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001.

في المقابل فإن سياسة السعودية المرتعشة بالجنوب اليمني وبقضايا عدة أدّت لتراجع دورها الإقليمي قليلًا لصالح القاهرة وأبوظبي، وبالرغم من كل هذا تظل القاهرة في موقف ضعيف بسبب الحالة الاقتصادية المنهارة ووضع أجهزتها بُعيد ثورة يناير.

البحر الأحمر وشرق المتوسط

ولُدت في مركز لندن للدراسات بناء على الاستراتيجية الأمريكية سابقة الذكر فكرة إنشاء كيانين استراتيجيين في الشرق الأوسط، وهو ما ترجمته الولايات المتحدة إلى مشروعين تدعمهما؛ تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي (الناتو العربي) لمواجهة إيران، وكيان يجمع دول البحر الأحمر لإعاقة سيطرة قوة إقليمية أو دولية أخرى عليه.

وبالرغم من إبداء مصر رغبة للانسحاب من الناتو العربي في زيارة السيسي لواشنطن أبريل/ نيسان المنصرم، لكن ما زالت مصر متمسكة بكيان (أرسقا) الذي يجمع دول البحر الأحمر المتشاطئة، وقد دفعت السعودية قبيل بدء التفاهمات حوله بتعاون مشترك لتأمين جنوب البحر الأحمر وخليج عدن إلا أن القاهرة كانت متثاقلة عن القيام بذلك، حتى بدء المشاورات في القاهرة 11 – 12 ديسمبر/ كانون الأول 2017.

وذلك بعد سعي تركيا للتواجد على ضفة البحر الأحمر من خلال استئجار جزيرة سواكن السودانية، والحصول على ميناء مقديشو وإقامة قاعدة عسكرية هنالك، حيث تسعى الإمارات لإقامة قاعدة عسكرية. وفي المقابل تتواجد إيران وقطر وإسرائيل بقواعد عسكرية في إريتريا، لذا سنجد سعي الإمارات والسعودية لإبرام اتفاق صلح بين إثيوبيا وإريتريا بخصوص الحدود 2017. وفي جيبوتي يوجد أكبر تمركز للقواعد العسكرية في البحر الأحمر، فتوجد قواعد لفرنسا والصين وأمريكا واليابان والسعودية، ناهيك عن تمركز الإمارات في جزيرة سُقطرى اليمنية. هذا السعي المحموم على البحر الأحمر جعل هناك حاجة ملحة عند السعودية للتحالف مع مصر لإنشاء هذا العمق الإقليمي المهم والذي تشارك فيه مصر بفعالية المخابرات في الشاطئ الأفريقي للبحر.

بالمقابل تتركز أهمية مصر بالنسبة لأوروبا في اكتشافات الغاز بشرق المتوسط وإيقاف مد المهاجرين، وغير ذلك تأتي محاولة أوروبا ومن قبلها الولايات المتحدة لاحتواء النظام المصري بسبب محاولات الصين وروسيا استقطابه، خصوصًا وأن البزة العسكرية التي أتت بالسيسي إلى سدة الحكم تتميز بصلات قوية مع روسيا، وعلى كلٍ، فإن محور مؤسسة الرئاسة الأمريكية-الإمارات يتوافق مع النهج المصري في معاداة تركيا.

تدعم الولايات المتحدة هذا التوجه، وتدعم أيضًا نهج أولوية معاداة إيران ودعم الموقف الإسرائيلي من السعودية، وذلك ضمن سياستها لدفع الحلفاء الإقليميين لتحجيم المنافسين المضرين بالمصالح الأمريكية. يصب ذلك في صالح القاهرة التي تتبلور أهميتها في تحجيم الرياض.

عمق إقليمي ملتهب

يتمثل العمق الإقليمي لمصر في اليمن عبر دعمها سياسات الإمارات في إفشال مؤتمر الحكومة الشرعية والمعارضة بالقاهرة مارس/ آذار 2019، على حساب دعم السعودية لذلك المؤتمر الذي كان يُعد صيغة جديدة لإعادة رسم نظام سياسي متزن بالجنوب. في المقابل تتخذ القاهرة من نفسها أرضًا ممكنة لاستقبال الحوثي وخوض التفاوض معه من خلال سياستها غير المعادية عسكريًا له.

وفي ليبيا بدعمها حفتر واستجلاب مواقف دولية لقبوله ممثلًا شرعيًا للشعب الليبي، وفي السودان بُعيد الانقلاب فإنه من الواضح أن التحالف المصري الإماراتي هو الأوفر حظًا من خلال الوثوق في مؤسسة الجيش هناك، وصولًا لسعي مصر لقبول سوريا في المجتمع العربي والدولي مما استجلب عليها بعض الويلات من الرياض بمنع تصدير النفط إلى مصر.

حاولت مصر قبيل القمة العربية 2019 إجراء تفاهمات مع الأردن والعراق تتعلق بالملف السوري وإعادة قبوله، وملفات أخرى من قبيل مشروع الإمداد النفطي من العراق وصولًا الى إسرائيل ومصر.

ناهيك عن دور مصر المحوري في ما يعرف بصفقة القرن وتبريرها عربيًا، بل هي أحد محاورها الأساسية، كل تلك الملفات جعلت من دور القاهرة الخارجي في الشرق الأوسط أهمية تضاهي وضع الرياض الحالي، ولولا الموارد والوضع الاقتصادي المتداعي كنا سنجد محاولات أكثر جرأة للنظام المصري، ويظل النظام المصري رهين الموقف الإماراتي على الرغم من عدم ديمومته وذلك لوضع الإمارات الضعيف كدولة صغيرة.