ضدان لا يجتمعان: عملُ الخير وسلبُ حريةِ الإرادة. وما يأتي من تمويل أجنبي إلى بلادنا تحت عناوين «المساعدات الإنسانية» أو «الأعمال الخيرية» أو «المدنية»، أو غير ذلك من العناوين البرّاقة يصب في نهاية المطاف في نقطة واحدة هي: «سلب حرية الإرادة الوطنية، وتشويه الهوية الذاتية لمجتمعاتنا». وهذا الاستلاب المعنوي يضاف إلى قسوة الاستلاب الاقتصادي الذي مارسته القوى الأجنبية في عهد الاستعمار التقليدي، ولا تزال تمارسه وهي تنهب ثروات شعوبنا العربية والإسلامية منذ قرابة قرنين من الزمان.

هذه القوى تظهر علانيةً بين الحين والآخر، وإن تسربلت برداء منظمات غير حكومية؛ لتقدم عبر طرق مختلفة وملتوية «مساعدات» أو «تمويلات» لما تسميه مؤسسات «المجتمع المدني» في بلادنا، بينما هي تنسج غطاءً ناعماً لتغطي به على جرائمها التي ترتكبها في حق مجتمعاتنا.

ولما كان أسمى مقاصد العمل الخيري الإسلامي هو أن يصون «حرية» المستفيد منه، وأن يسهم في تخليصه من أي قيود قد تحرمه من هذه الحرية، فقد أدرك هذا المغزى قادة حركات التحرر الوطني في بلادنا، وبادروا إلى المشاركة في هذا المجهود الخيري لمساندة جهود الحركة الوطنية ضد السيطرة الأجنبية. وهذا ما حدث في مصر غداة وقوعها تحت الاحتلال البريطاني بدءًا من سنة 1882م. وأبدع المصريون في هذا النمط من المقاومة وتعددت صور توظيفهم للعمل الخيري عامة، ونظام الوقف بخاصة؛ من أجل التصدي للنفوذ الأجنبي. وكان من أهم تلك الصور:

أولاً

تم التركيز على مقاومة الاحتلال بإخراج الممتلكات (المباني والأراضي الزراعية) من نطاق المعاملات العادية، ومنع التصرف فيها بالبيع والشراء أو الرهن، وإدخالها تحت أحكام الوقف وقواعده، وإبعادها عن قواعد وأحكام القانون المدني الذي بدأ العمل به في مصر من سنة 1883م. وكانت معظم مواده مستمدة من القانون المدني الفرنسي. ومن ثم فإن إقبال المصريين على تحويل الممتلكات إلى أوقاف في تلك الظروف كان يتضمن معنى المقاطعة الفعلية للقانون الأجنبي الوافد، ورفض القضاء الخاص به.

وثمة عديد من الشواهد التي تؤكد البعد الوطني في حركة الوقف آنذاك، وتوضح ارتباطه بظروف الاحتلال والتغلغل الأجنبي في البلاد. ومن ذلك أن الظروف السياسية والاقتصادية التي مرت بها مصر منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى العقود الأولى من القرن العشرين كانت تشير في مجملها إلى أن مصادر الثروة الرئيسية؛ من أراض زراعية وعقارات مبنية، صارت عرضة للتسرب إلى أيدي الأجانب بطرق مختلفة، كان من أهمها نزع الملكية وفاءً لديون الرهن العقاري، التي منحتها بنوك الائتمان والشركات الأجنبية والمرابون الأفراد على نطاق واسع لملاك الأراضي بصفة خاصة.

وشهدت الفترة من سنة 1880م إلى 1900م تأسيس عشر شركات أجنبية كبرى؛ كانت جميعها تعمل في مجال الاستثمار العقاري، وفي تجارة الأراضي، واستطاعت أن تنتزع ملكية 60 ألف فدان خلال ثلاثة أعوام فقط من 1888م إلى 1890م، بواقع 20 ألف فدان سنوياً، وذلك نتيجة للديون التي عجز ملاك تلك الأراضي عن سدادها.

وفي مطلع القرن العشرين زاد تدفق رؤوس الأموال الأجنبية لاستثمارها في بنوك الرهونات بمصر، وحفلت السنوات من 1904م إلى 1907م بتأسيس الأجانب مزيدًا من شركات الأراضي، وارتفع رأس المال الأجنبي المستثمر في هذا المجال من 3.637.000 جنيه سنة 1902م إلى 19.356.000 جنيه سنة 1907م، وكان قرابة نصف تلك الزيادة من نصيب شركات الرهن الأجنبية.

والحاصل أن قروض الرهن العقاري كانت من أخطر آليات السيطرة الأجنبية على مصادر الثروة المصرية، ووصل خطرها إلى أعماق الريف، واستمر ماثلاً إلى منتصف القرن العشرين، وفي ذلك السياق حدثت طفرة في إقبال المصريين على وقف الأراضي الزراعية، وبدا كما لو كانت هناك مواجهة صامتة بين اتساع رقعة الأراضي المتسربة لأيدي الأجانب، واتساع رقعة الأراضي الداخلة في حرز الوقف. ووثائق أوقاف تلك الفترة توضح لنا بنصوص صريحة أن نظام الوقف انخرط في قلب عملية الجهاد الوطني ضد الاستغلال الأجنبي.

ثانياً

مقاومة الاحتلال بحرمان الأجانب من الاستفادة من أعيان الوقف. وبالرجوع إلى وثائق الأوقاف في تلك الفترة، نجد أنها قد اشتملت على ما يمكن تسميته «شروط المقاطعة الشعبية للأجانب»؛ وهي من إبداعات المصريين في توظيف نظام الوقف لدعم الجهاد الوطني ضد السيطرة الأجنبية. وقد تركزت هذه الشروط على مسألتين هما: منع تأجير الأعيان الموقوفة لشخص أجنبي، أو لشخص من ذوي الامتيازات الأجنبية من ناحية، ورفض اختصاص المحاكم المختلطة بالنظر في أي شأن من شئون الوقف من ناحية أخرى. أي: إنَّ المصريين وظّفوا القوة الإلزامية لشروط الوقف كوسيلة لمقاطعة الأجانب، وللتعبير عملياً عن الرفض الشعبي لنظام الامتيازات الأجنبية.

وثمة عديد من النماذج التي تعبر عن هذا التوجه الذي كان عاماً لدى معظم مؤسسي الأوقاف في مختلف أنحاء مصر في تلك الفترة التي تغطي الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين تقريباً. ومن ذلك ما ورد مثلاً في حجة وقف حسن أفندي شرافي بن علي الذي أنشأه سنة 1902م وكان عبارة عن مساحة قدرها 88 فداناً بجهة الفيوم، واشترط على ناظر الوقف «ألا يؤجرها إلى أحد من ذوي الحمايات الأجنبية»، وأن يوظف من شاء ليساعده في أعمال الوقف «بشرط ألا يكون من ذوي الحمايات الأجنبية».

ومن ذلك أيضاً ما ورد في حجة وقف عائشة بنت عمار عبد الرازق التي وقفت مساحة قدرها نصف فدان بجهة سمالوط -محافظة المنيا- واشترطت في حجة الوقف «ألا يؤجر لذي شوكة، أو لأحد من أهالي البلاد الأجنبية». وورد في حجة وقف أحمد باشا المنشاوي الذي أنشأه سنة 1903م وكانت مساحته 4600 فدان بمديرية الغربية بوسط الدلتا؛ حيث اشترط أن عدم تأجير الأطيان «لذي شوكة، ولا لمتغلب، ولا لمن يعسر استخلاص الأجرة منه، ولا لمماطل، ولا لمفلس، ولا لأحد من الأوروباويين، ولا لمسلم، ولا لعيسوي، ولا لموسوي تحت الحماية الأجنبية».

من الواضح هنا أن معيار الحرمان ليس هو الانتماء الديني، وإنما هو النزعة الوطنية، والرغبة في إبعاد السيطرة الأجنبية عن مصادر الثروة الوطنية.

ثالثاً

تمت ممارسة المقاومة عن طريق استنقاذ أراضي الدولة التي بيعت لسداد الديون. لقد أسهمت الأوقاف في شراء أراضي الدولة التي بيعت أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وفاءً لبعض أقساط الديون الأجنبية. وقصة الديون وما جلبته من تدخل أجنبي في مصر معروفة، وكوارثها باتت مكررة ومألوفة. وقد اضطرت الحكومة لبيع مساحات شاسعة من أراضي الأملاك الأميرية الحرة، وأراضي الدومين العام، وأراضي الدائرة السنية لمواجهة تلك الديون. وكان المتنافسون الرئيسيون على الشراء هم الأجانب من جهة، وكبار الملاك المصريين من جهة ثانية، وديوان عموم الأوقاف من جهة ثالثة.

وتكشف وثائق الأوقاف الخاصة بتلك الفترة المشار إليها آنفاً عن أن كبار الملاك قد قاموا في حالات كثيرة بتحويل ما اشتروه من أراضي الدولة إلى أوقاف أهلية وخيرية. ومن ذلك مثلاً: أن أحمد باشا المنشاوي اشترى بين سنتي 1898م و1900م نحو أربعة آلاف فدان من أراضي الدومين بتفتيش الهياتم -مديرية الغربية- ووقفها كلها في سنة 1903م وقفاً خيرياً به حصة أهلية صغيرة.

وتشير وثائق ديوان عموم الأوقاف إلى حصول عمليات شراء كثيرة قام بها منذ أواخر القرن التاسع عشر عندما عرضت أراضي الدولة للبيع، وأُلحقَ ما اشتراه إلى الأوقاف التي أسهمت في الشراء من فائض ريعها لدى الديوان وأموال البدل الخاصة بها. وبلغ إجمالي الثمن الذي دفعه الديوان في شراء الأراضي وبعض العقارات في الفترة من سنة 1892م إلى سنة 1898م ما قيمته 363409 جنيهات (فقط ثلاثمائة وثلاثة وستين ألف جنيه، وأربعمائة وتسعة جنيهات لا غير) بحسب أسعار تلك الفترة.

وقد استمر الديوان في عمليات الشراء وإلحاق ما يشتريه بالأوقاف. وتضمنت عقود البيع عبارة تنص على أن «الداعي للبيع -من أملاك الدولة- هو ضرورة الديون التي على الحكومة المصرية، ولا وفاء لها إلا من ثمن ذلك وغيره».

كان لجوء الأهالي، وديوان عموم الأوقاف إلى إدخال أكبر قدر ممكن من الأراضي الزراعية والعقارات المبنية في دائرة نظام الوقف إبان الاحتلال البريطاني عملاً من أعمال الكفاح الوطني ضد السيطرة الأجنبية؛ في المجالين الاقتصادي والتشريعي/ القضائي. كنَّا هكذا فيما مضى، ولكل عصر دولة ورجالٌ.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.