مادة مرنة، سهلة التشكيل، تماسكها يمكِّنها من الحفاظ على شكلها، كل هذا دفع مبدعي الأبطال الخارقين بـ «هوليوود» إلى ابتكار بطل جديد من وحي صفات الصلصال؛ لقولبته في أشكال عديدة يحقق كل منها هدفا لبلاده: فهو يقول مايريد أن يقوله الأمريكيون لكن تمنعهم أقنعة حقوق الإنسان، كما أنه يمثل الحلم الأمريكي لمواطني بلاده، ويتشكل أيضا على هيئة فزاعة؛ للتهديد بالـوجه الآخر لأمريكا، فضلا عن استخدامه لإظهار سماحة دولته، فكيف شكَّل مخرجو فيلم (CLAY MAN) أو الرجل الصلصال أشكاله المتعددة؟


الرجل الصلصال يتشكل مع المزاج السائد للناخبين

أكدت صحيفة «واشنطن بوست» أن هناك تحديات أمام المرشحين للبيت الأبيض، من بينها النضال من أجل التكيف مع المزاج السائد بين الناخبين هذا العام، والمتمثل في معاداة المؤسسة الحزبية، ووصفت الانتخابات القادمة بأنها «غير تقليدية، يفضل فيها الناخبون بشكل واضح المارقين».

الواضح أن نظرة ترامب الدبلوماسية والاقتصادية تعجب فريقا عريضا من الأمريكيين، رغم آرائه الغريبة عن الضرائب، وحقوق المرأة، والأقليات العرقية والدينية.

ورغم أن الخطاب الشامل الذي ألقاه ترامب حول سياساته الخارجية كان كارثيا، وعد فيه بتمزيق الاتفاق النووي مع إيران، وساند فيه إسرائيل بقوة، وأعلن عداءه للشعب المكسيكي، ووعد بعدم شراء البترول من السعودية، وانتقد الصين انتقادا مُرا لنجاحها في اختراق السوق الأمريكية، إلا أن الأمريكيين يدلون بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية طبقا لانحيازاتهم لقضايا الداخل، وهنا تبرز قدرات ترامب على دغدغة مشاعر الفئات الاجتماعية الأقل قدرة، خاصة من البيض، بأسلوبه التهكمي ولسانه اللاذع، فهو يحسن العزف على أوجاع الأمريكيين وخيبات آمالهم، وعدم رضاهم عن قادتهم السياسيين، وهذا هو سر شعبيته المتزايدة التي تسبب القلق المخيف من إمكانية نجاحه.

ويبدو أن المرشح «المهرج» – كما يحلو لكثير من وسائل الإعلام الأمريكية تسميته – بات واثقا من أن خطابه المارق، وآراءه العنصرية تروق لمعظم سكان بلاد العم سام، والواضح أن نظرة ترامب وحساباته الاقتصادية تعجب فريقا عريضا من الأمريكيين، رغم آرائه الغريبة عن الضرائب، وحقوق المرأة، والأقليات العرقية والدينية.

يؤيد ذلك أيضا أن ترامب تخطى العديد من الحواجز، وهزم كل مرشحي الحزب الجمهوري، رغم الانقسام الكبير بين القادة الجمهوريين حول شخصه ومدى صلاحيته كرئيس للولايات المتحدة، فضلا عن تكتل عدد غير قليل من قادة الحزب ضد نجاحه، بينهم بوش الأب والإبن، و«جون ماكين»، و«كونداليزا رايس».

وواقع الحال يؤكد أن ترشح ترامب وحصوله على هذا التأييد غير المتوقع، أمر يوافق المزاج الراهن الذي يسيطر على أمريكا والغرب عموما، ويدفعهم إلى الميل نحو العنصرية التي لا تُخفي مواقفها المعادية للهجرة والإسلام والملونين، ولا تتردد في إعلان انحيازها المفرط لمساندة إسرائيل بقوة، ولولا هذا المزاج المسيطر على الرأي العام لما استطاع ترامب أن يواصل تقدمه في الانتخابات التمهيدية، إلى حد جعله المنافس الوحيد للمرشح الديمقراطي.


الحلم الأمريكي يتجسد في الرجل الصلصال

يُنتقد مفهوم «الحلم الأمريكي» بأنه يخالف أحيانا توقعات الحالمين به؛ لأنه لم يساعد معظم الأقليات العرقية ومواطني الطبقة الدنيا عبر التاريخ في الحصول على قدر أكبر من المساواة والنفوذ الاجتماعي.

تعكس شخصية ترامب تجسيد الناخبين للحلم الأمريكي؛ فهو صاحب إمبراطورية بناء، وملياردير، ومقدم لبرنامج تلفزيوني ذي شعبية، ومنظم لمسابقات ملكات الجمال.

ومن الناحية النظرية اختفت العنصرية، وانتخب الأمريكيون أول رئيس من أصول أفريقية (أوباما)، وهو ابن مهاجر أفريقي مسلم من كينيا. ولكن فيما يبدو أن الجذور العنصرية ما زالت متأصلة عند بعض الفئات، وأن المزاج الأمريكي مازال يحمل قدرا من جذور التطرف والعنصرية المقيتة التي ما زلنا نراها في السنوات الأخيرة، حيث تزايدت حوادث العنف والتظاهرات بسبب الاعتداءات على السود.

وقد استطاع ترامب استغلال المناخ الحالي والتهديدات الخارجية من إرهابيين مثل داعش وغيرهم، وتمكَّن من إقناع نسبة غير قليلة من الأمريكيين بأنه القادر على حمايتهم وتأمينهم، واللعب على وتر استعادة أمريكا القوية؛ فجميع خطبه تميل للَّعب على مشاعر الأمريكيين واستعادة القوة الاقتصادية والعسكرية والأمنية.

وعلى مدار التاريخ تم تأويل مفهوم الحلم الأمريكي حسب متغيرات متعددة، فبعد تحول أمريكا خلال خمسينيات القرن العشرين إلى قوة سياسية واقتصادية عالمية ربطه البعض بتحقيق السعادة عبر النجاح المادي، لهذا تعكس شخصية ترامب مشاعر وأحاسيس الناخبين في تجسيد الحلم الأمريكي؛ فهو صاحب إمبراطورية بناء، وملياردير، ومقدم لبرنامج تلفزيوني ذي شعبية، ومنظم لمسابقات ملكات الجمال، ومحاط دائما بالممثلين والفنانين وعارضات الأزياء والحسناوات، للحد الذي دفع خصومه ومنافسيه إلى الاعتراف بعبقريته في الترويج لشخصه.

من جانب آخر، فإن شعار حملة ترامب الرئاسية هو «سنعيد لأمريكا عظمتها»، وهو شعار يعبر عن الاحتجاج على من دمر هذه العظمة أو سلبها من المواطنين، ويعِد ترامب الأمريكيين بإعادة وظائف العمل الجيدة، وبأنه سيدافع عن مصالحهم حتى لو تطلَّب الأمر بناء جدار على امتداد الحدود الجنوبية للبلاد، وفرض قيود على دخول المسلمين، وهذا يلقى استحسانا من جانب الكثيرين، كما أنه يقدم نفسه بنجاح كشخص يخوض مجال السياسة، دون أن يستهدف تحقيق مكاسب شخصية؛ فهو من الناحية المالية لا يرتبط بأي لوبي، ويموِّل حملته من أمواله، ويقول الحقيقة كما هي، بغض النظر عن قواعد اللياقة السياسية المتعارف عليها.


كيف تشكَّل الرجل الصلصال على هيئة فزاعة؟

على سبيل الدعاية الانتخابية، ينصح نشطاء الحزب الديمقراطي الناخبين بأنهم لو لم يساعدوا في اختيار أقوى مرشح ديمقراطي «سيفوز هذا الرجل»، في إشارة إلى ترامب.

وقد نشر موقع بيزنس إنسيدر أن بنك «جي بي مورجان» استضاف مؤخرا المؤتمر السنوي للأسواق العالمية في باريس، وقام البنك بمسح الجمهور في الحدث، وطلب منهم كتابة أكثر شئ يقلقهم، وجاء في المركز الرابع رئاسة دونالد ترامب، قبل أزمة تراجع أسعار النفط، والتوترات مع كوريا الشمالية.

وفي موقف أوضح، استخدمت هيلاري كلينتون وغيرها من المرشحين الديمقراطيين ترامب كفزاعة سياسية؛ لتسليط الضوء على دعواتهم إلى هزيمة الجهاديين المتطرفين بدون استخدام لغة التعصب والتهديد التي انتهجها منافسهم الجمهوري، وقالت كلينتون عن ترامب: «لقد أصبح أفضل مجند لدى تنظيم الدولة الإسلامية»، مشيرة إلى أن الجهاديين «يبثون مقاطع فيديو لترامب وهو يهين الإسلام والمسلمين؛ بهدف تجنيد عدد أكبر من الجهاديين المتطرفين»، معلِّقة على دعوته إلى منع دخول المسلمين إلى البلاد بأن ذلك «انحياز وتقسيم، ولن نسمح به».

وبلغ الأمر ذروته عندما استخدمت الآلة السياسية الأمريكية نزعات ترامب المعادية للأجانب بمثابة فزَّاعة تحفز بها بعض حلفائها لتنفيذ سياسات واشنطن، وقد فعل أوباما ذلك بوضوح شديد خلال القمة التي دعا إليها في هانوفر بألمانيا، لتضم بجواره المستشارة الألمانية والرئيس الفرنسي ورئيسي الوزراء البريطاني والإيطالي، فقد قارن بين تقدم ترامب وصعود مرشح اليمين المتطرف في النمسا لتولي الحكم، مع التذكير بما شهدته أوروبا على أيادي أولئك المتطرفين في حرب طاحنة خربتها وحرقتها، وقد ظلت فزاعة ترامب ونزعاته هي الوسيلة الأكثر تكرارا، في خطاب شديد الأهمية ألقاه أوباما بمعرض هانوفر الصناعي على هامش مشاركته في القمة؛ وذلك لحث أوروبا على مشاركة أكثر سخاء في تمويل الحرب على داعش.


عنصرية الرجل الصلصال تُبرز سماحة الآخرين

استخدم السياسيون الأمريكيون ترامب كفزاعة في خطابهم، سواء الموجه منه للحشود في الداخل أو الحلفاء في الخارج.

كل من يواجه العنصرية ويرفضها هو في نفس الوقت يعبر عن سماحته؛ لذلك شاركت معظم الصحف الأمريكية في الانتقادات الموجهة لتصريحات ترامب، فخصَّصت ديلي نيوز صفحتها الأولى لـ كاريكاتير أظهر ترامب وهو يحمل سيفا ورأس تمثال الحرية، وكُتب على لسان التمثال: «تكلم ترامب عن المكسيكيين فلم أبالِ، وتكلم عن المسلمين فلم أبالِ أيضا، وبعدها جاء دوري»، وكتبت نيويورك تايمز في افتتاحيتها أن العالم «هيمنت عليه أكاذيب ترامب العنصرية»، وقالت صحيفة سياتل تايمز إن ترامب «يعكس نوعا من الفاشية التي ينبغي رفضها».

كل من يواجه العنصرية ويرفضها هو في نفس الوقت يعبر عن سماحته، لذا مثلت معارضة ترامب فرصة للإعلام الأمريكي، السياسيين، وحتى البنتاجون للظهور بشكل حسن.

أما على الصعيد الرسمي، فقد صرَّح المتحدث باسم البنتاجون بأن أي خطاب يوحي بأن أمريكا في حالة حرب مع الإسلام «هو إيحاء يتنافى مع قيمنا، ويقوي داعش، ويهدد أمننا القومي»، كذلك ندَّد البيت الأبيض بتصريحات ترامب واعتبرها «خطأ من الناحية الأخلاقية»، ودليلا على أنه «غير مؤهل ليكون رئيسا للولايات المتحدة»، وقال نائب مستشار الأمن القومي إن دعوة ترامب تتعارض مع قيم الأمريكيين، وستلحق ضررا بأمن الولايات المتحدة.

وشعبيا، تم تدشين هاشتاج (#MuslimID) على تويتر، وكان أول المغردين جنديا مسلما من قوات المارينز، يُدعى طيب رشيد، وأرفق صورة هويته العسكرية مع التغريدة مخاطبا ترامب بقوله: «هذه هويتي الخاصة، فأين هويتك؟»، ليتفاعل بعدها مسلمون أمريكيون، واضعين صور بطاقات وظائفهم، ومرسلين بتعليقات ساخرة من ترامب، وصلت إلى حد تداول صورته على شكل «أدولف هتلر» رمز النازية.

وانتشرت على إثر ذلك التدوينات التي تعكس شرائح مختلفة من مسلمين اندمجوا في المجتمع الأمريكي، وصاروا جزءا منه، فمنهم من يعمل في الجيش أو شرطة المدينة التي يقطنها، وبعضهم يعمل في مستشفيات ومراكز طبية، والبعض الآخر يعمل في معاهد وجامعات عريقة مثل «هارفارد وييل»، إضافة إلى من يعمل في منظمة الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية أخرى.

كما أثارت إمكانية تولي الملياردير رئاسة البلاد هاجسا وحيدا لدى الأمريكيين التقدميين، وهو الهجرة إلى كندا، وأفادت جوجل بأن وتيرة السؤال «كيف أستطيع الهجرة إلى كندا؟»، على محرك بحثها ارتفعت بنسبة 350% في الأول من مارس، بعد فوز ترامب في انتخابات 7 ولايات، وقد تم تحويل هذه الضجة إلى أداة تسويقية، فنشر وكيل عقاري أمريكي إعلانا يقول: «هل تنوي مغادرة البلاد إذا انتُخب ترامب رئيسا؟، ما عليك إلا أن تتصل بي، ولنبع منزلك فورا»، كذلك أنشا رجل أعمال شاب من تكساس موقعا للمواعدة؛ ليساعد الأمريكيين في العثور على الشريك الكندي المثالي؛ لإنقاذهم من رعب رئاسة ترامب، ورغم أن صاحب الموقع فكَّر في إنشائه منذ زمن، إلا أنه وجد الفرصة سانحة في الزخم بشأن ترامب لتنشيط الموقع، وعلَّق ساخرا «حملة ترامب شكَّلت فرصة لنا للقيام بعمل إيجابي».

هذا الفيلم يحظى بالنجاح الساحق والمستمر متصدرا المشهد الرئاسي الأمريكي، للدرجة التي دفعت «بيتر هارت»، الخبير الديمقراطي في استطلاعات الرأي، إلى التأكيد على اعتماد كلينتون بشكل أساسي على أن نقاط ضعف منافسها الجمهوري أكبر من نقاط ضعفها بكثير، لكن ترامب يبقى بطلا خارقا من أبطال السينما في هوليوود، يتفاعل الأمريكيون معه، ويتأثرون بإنقاذه لهم، ويصفِّقون له كثيرا، ثم يرحلون إلى منازلهم منتظرين البطل الخارق الجديد الذي سيشاهدونه في الفيلم القادم، وما أكثر أبطال أمريكا الخارقين المخترعين.

المراجع
  1. ترامب يدعو لمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة.
  2. دونالد ترامب.. صاحب "أمريكا المريضة" المعادي للأجانب والمسلمين.
  3. أقوى 10 ردود فعل على تصريحات ترامب ضد المسلمين.
  4. ترامب.. فزاعة الديمقراطيين لتخويف الناخبين